الحصاد العربي لسنة 2006 ودلالاته المستقبلية
عوني فرسخالحصاد العربي لسنة 2006 ودلالاته المستقبلية علي مدي العقود الثلاثة الماضية تعددت الكتابات وتوالت المقولات حول فشل العقيدة والحركة القومية العربية، كما كثر المدعون بأن العرب ظاهرة صوتية قوالين وليسوا فاعلين. بل وذهب البعض حد القول بانتفاء وجود الأمة العربية وتقرير انعدام وحدة المصالح والمشاعر بين شعوب أقطار جامعة الدول العربية. فهل جاءت أحداث سنة 2006 مصداقا لصحة ذلك كله أم أنها قدمت البرهان الساطع علي أن الأرض العربية لما تزل تختزن مكونا حضاريا يؤهل شعوبها لتقديم الاستجابات الفاعلة للتحديات الداخلية والخارجية ان وجد في ساحاتها من يفعل قدراتها المعطلة. وفي قراءة الحصاد العربي لسنة 2006 ومفاعيله الاقليمية والدولية، خاصة في فلسطين ولبنان والعراق، الاجابة الموضوعية عن التساؤلات المطروحة.ففي فلسطين المحتلة من النهر الي البحر تعددت الاحداث والمواقف عميقة الدلالة، في ذاتها كما في ردات الفعل عليها، بدءا من ظفر حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، مما اعتبر تأييدا لخيار المقاومة واسقاطا لتفرد فتح بادارة السلطة، الأمر الذي استفز تحالف التسوية بقيادته الأمريكية. وعليه فرض حصار التجويع علي الصامدين في الضفة والقطاع عقابا لهم علي اختيارهم الديمقراطي، لفرض انصياع حماس لاشتراطات الاعتراف باسرائيل والقبول بالتزامات أوسلو، وبرغم اشتداد المعاناة لم يحقق حصار التجويع غايته. فيما اعتبرت عملية تبدد الوهم وأسر الجندي شاليت من موقع عسكري لمبادلته بالأسري تطورا نوعيا في أداء المقاومة، ضاعف من الآثار النفسية لهزيمة الجيش الاسرائيلي في عدوانه علي لبنان. وباقتحام نساء بيت حانون الطوق من حول رجال المقاومة تأكد افتقاد آلة الحرب الصهيونية قوتها الرادعة لشعب الصمود والمقاومة. ولقد تعثر الجدل السياسي حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لتناقض مرجعيتها وغايتها في نظر الرئيس عباس وزمرة أوسلو عنهما في نظر حماس ومناصريها. ولازال الجدل قائما حول اعادة انتخاب المجلس الوطني وتغعيل منظمة التحرير الفلسطينية. وفي فلسطين المحتلة سنة 1948 رد المواطنون العرب علي دعوات تهويد الجليل والنقب بالمطالبة باعادة ما يقارب 300 ألف من المهجرين الي قراهم المهجورة، وفي ذلك مؤشر علي التطور الكيفي في قدرات وفعالية الصامدين في ظل الاحتلال العنصري الصهيوني.وفي لبنان أسقط انتصار المقاومة الاستراتيجي والتاريخي أساطير التفوق الصهيوني، وبخاصة أسطورة الجيش الذي لا يقهر وقوة ردعه التي طالما أرهبت الأنظمة العربية. فيما تشكل مع حزب الله التيار الوطني الحر جبهة قوي معارضة من مختلف الطوائف ملتزمة بنهج المقاومة، والدفاع عن سيادة لبنان واستقلال ارادته الوطنية، واحترام مواثيقه الدستورية، وتأكيد عروبته وتفاعله الايجابي مع سوريا. ولقد أجمع قادة المعارضة علي اعتماد الوسائل الديمقراطية في ادارة الصراع مع تحالف الأكثرية البرلمانية المدعومة من تحالف دولي واقليمي تقوده وتوجهه الادارة الامريكية. والصراع الراهن في لبنان، صراع سياسي وخطابه وطني غير طائفي، خطاب يتبناه تجمع شبابي من كل الطوائف، مطالب بقانون انتخاب عصري، وانتخابات نيابية ورئاسية جديدة لاقامة دولة القانون الديمقراطية، الملتزمة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والتصدي لمخطط التفتيت الأمريكي ـ الصهيوني. وذلك ما يميزه عن كل صراع شهده لبنان منذ أربعينيات القرن التاسع عشر. وفي هذا تطور نوعي في الحراك السياسي اللبناني يضع المجتمع علي عتبات اسقاط الأدوار السياسية والاجتماعية لامراء الطوائف. كما أن في ذلك ما يحد من تأثير المداخلات الخارجية في الشأن اللبناني، التي طالما تسببت في تفجر حرب أمراء الطوائف.وكثيرة هي مؤشرات انجازات المقاومة العراقية، وقدرتها علي ادارة الصراع مع قوي الاحتلال بقيادتها الأمريكية ومن جاءت بهم علي ظهور الدبابات. وفي مقدمة ذلك قول بريجنسكي، المفكر الاستراتيجي الامريكي، بانه كما وضعت حرب السويس سنة 1956 نهاية الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية فان الفشل الذي تلوح نذره في الأفق سينهي الحقبة الامريكية في الشرق الأوسط. الأمر الذي يؤكد أن المقاومة العراقية مرشحة لأن تحقق لشعبها وأمتها انجازا تاريخيا لا يقل في تأثيره الأقليمي والدولي عن زلزال السويس الذي عجل بنهاية الاستعمار القديم في العالم الثالث. واذا كان المستهدف من اعدام الرئيس صدام حسين اشاعة الفتنة المذهبية في العراق المحتل، فان التحدي الذي تواجهه المقاومة يتمثل بتعزيز الوحدة الوطنية والتصدي الحازم لدعاة الفتنة، واعتبار ذلك بمنزلة تأكيد هويتها الوطنية العراقية وانتمائها القومي العربي.ولأن العرب، وان تعددت أقطارهم وتباينت اهتمامات شعوبهم، شركاء مسيرة ومصير في مواجهة التحديات الخارجية، كان لانجازات المقاومة في الأقطار العربية الثلاثة مفاعيلها في الشارع العربي. ففي التجاوب ما بين المحيط والخليج مع انتصار حزب الله ما يدل علي ضعف الاستجابة للفتنة المذهبية بين السنة والشيعة الجاري التحريض عليها اقليميا ودوليا. كما أنه في الانفعال تجاه الاعدام السياسي للرئيس صدام حسين، صباح عيد الأضحي في استفزاز متعمد لمشاعر الأمة، ما يدل علي تقديم التناقض العدائي مع التحالف الأمريكي الصهيوني علي ما عداه من تناقضات. فضلا عن وضوع اتساع الفجوة بين نخب وجماهير معظم الأقطار العربية وبين الأنظمة السائرة في الركب الأمريكي، وتطور الحراك الوطني فيها المطالب بالاصلاح والتغيير والمشاركة في صناعة القرارات علي مختلف الصعد. وفي جميع المواقع للنخب قومية الانتماء والتوجه حضورها الفاعل.وفي ضوء ما سبق تتضح صحة القول بأن المخزون الحضاري للأمة العربية لما يزل فاعلا، وأن ارادة شعوبها في المقاومة وممانعة التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية عصية علي الاستلاب، بل وقادرة علي تحقيق انجـــــازات استراتيجية وتاريخية. والأمر المؤكد أن الادارة الأمريكية وحلفاءها الصهاينة وتوابعها الاقليــــمية لن يسكتوا علي تداعيات المقاومة في منطقة تحتل السيطرة عليها موقعا ممــــيزا في استراتيجية التحالف المضاد. وبالتالي فالاحتمال الأرجح أن ستواجه قوي الممانعة والمقاومة العربية حيث وجدت أعظم وأخطر مما واجهته في السنة الماضية. مما يحتم عليها العمل في جميع المواقع علي اقامة أوسع جبهات وطنية ملتزمة بالحوار الديمقراطي لتأصيل الثوابت الوطنية، والتصدي لدواعي الفوضي الخلاقة المعتمدة امريكيا. أخذا في الحسبان تراجع فعالية التغول الأمريكي علي المستوي العالمي، وأنه بالامكان نسج علاقات نضالية مع القوي المناهضة للهيمنة الأمريكية علي مدي العالم.ويقينا أن في انجازات سنة 2006 المتحققة ما يعزز قدرات قوي المقاومة والممانعة ويؤهلها لأداء دورها التاريخي في التقدم علي طريق البناء الوطني والتكامل القومي لتجاوز واقع التجزئة والتخلف والتبعية، وهزيمة مشروع الهيمنة الامريكي الصهيوني. وفي ذلك برهان لا واقعية الادعاءات بافتقاد الأمة العربية القدرة علي تجاوز واقعها المأزوم، بل واستعادة اسهامها التاريخي في الحضارة الانسانية، وما يبرر التفاؤل بالحاضر والمستقبل وان تعاظمت التحديات.ہ كاتب فلسطيني يقيم في الامارات8