الشرطة والتلفزيون خبآ التظاهرات ومستشار الأمن رقص تحت المشنقة!
توفيق رباحيالشرطة والتلفزيون خبآ التظاهرات ومستشار الأمن رقص تحت المشنقة!نحن في الايام الاولي من عام جديد اقل ما نطمح فيه ان يكون اقل سوءا وسوداوية ودمارا، علي البشرية وعلينا، من الاعوام السابقة. كان بودي ان نبدأ العام بمقال متفائل او اقل نكدا، لكن لحق بنا من النكبات والنكسات ما افقدنا الثقة في امنية جميلة ودعاء متفائل.انتهت سنة خضنا فيها حروبا عبر الشاشة. حققنا انتصارات لا وجود لها الا في الشاشة. حققنا معجزات، منها معجزة الوحدة ، من خلال الشاشة. مارسنا فيها السياسة والمعارضة تلفزيونيا. كافحنا من اجل حقوقنا وناصبنا حكامنا العداء تلفزيونيا. انتقمنا عبر الشاشات ايضا. فكانت النتائج التي وصلنا اليها افتراضية تشبه قصص الحب التي يعيشها المراهقون والمنحرفون نفسيا عبر الانترنت وفي غرف الدردشة. النتيجة الوحيدة الحقيقية هي الاقتناع بمقولة الجزائريين ان العام الرايح خير من الجاي .انظروا العراق وصدام اللذين تلازم اسماهما. تذكروا سقوط بغداد. كثيرون منا قالوا سرا وعلنية، في حالة من الذهول، ان اسوأ منه مكانش ، لكن هيهات. ثم جاء القبض علي صدام وتلك الصور المهينة لطبيب يتفحصه، فقال الناس ان اسوأ منها مكانش . فجاء ما يثبت لهم العكس. بعد فترة تقبل الناس الصور لكثرة ما شاهدوها. ثم جاء تقديمه للمحكمة، فقال اخرون ان اقتياد رئيس عربي الي قاض مغمور وهاو هو اسوأ ما يمكن ان يحدث. وسرعان ما تقبل الناس الامر لكثرة ما شاهدوه في الصور. ثم جاء موعد المحاكمة وحدث نفس الشيء ونفس الشعور حتي ان قنوات عربية حرصت في البدء علي نقل ادق تفاصيل الجلسات (برغم طولها)، تراجعت واصبحت تكتفي بملخصات. ثم جاء الحكم فقال الناس ان اسوأ من النطق باعدام رئيس عربي مكانش ، حتي جاء تنفيذ الحكم في تلك الظروف المأساوية علي يد عصابة من قطّاع الطرق.وانظروا قصص شعب الجبارين في فلسطين يتقاتل علي قطعة ارض موبوءة وسلطة مفقودة ودولة غير موجودة. قبل سنوات كان الحقد داخليا يقاوم ياسر عبد ربه واشباهه من الجهتين لاخفائه. ثم تطور الحال فاصبح محتشما بالتلميح والهمس. وقبل سنة صار عبر البيانات والرسائل المكتوبة. ثم جاءت 2007 فاصبح الحقد والتهديد امام الشاشات، بل ان الجبارين لا يهددون ولا يتوعدون بعضهم الا اذا حضرت الكاميرات والميكروفونات، ويتحدثون صراحة عن الرصاص وحرق بيوت اخوتهم. انتظروا 2008 وستسمعون وتقرأون ان شعب الجبارين كان افضل حالا في 2007.عندما نحكم علي 2006 بانها سنة سيئة، فلاننا نسينا 2005. وحكمنا علي الاخيرة نابع من كوننا نسينا 2004 وهكذا. يكفي ان تتابع حصاد العام الذي تبثه القنوات بالصور لتعتقد ان السنة المنقضية كانت الاسوأ (في انتظار المقبلة). كأننا في حفرة لا قاع لها تذكّر بالكوميدي الجزائري محمد فلاق الذي قال في احدي مسرحياته ان الجزائريين عندما ارتطموا بقاع البئر بدأوا بالحفر علي عكس قانون الطبيعة الذي يفترض ان الجسم الصلب، عندما يرتطم بارضية صلبة، يثبت عليها او يعود الي الصعود.كل هذا عشناه تلفزيونيا في عالم اقوي اسلحته الشاشات. لكن الماسكين بزمامها في السوق العربية المكونة من 300 مليون مستهلك، غير مدركين لقوة السلاح الذي بين ايديهم، والذي بامكانه تحويل الانتصارات والمعجزات الافتراضية الي حقيقة وواقع. مثلما بامكانه ان يحوّل الهزائم وخيبات الامل الافتراضية الي حقيقة وواقع. وهذا هو الحال الي اشعار جديد.اخفاء المجتمع! يبدو ان المخزن في المغرب مستحي من شعبه الذي تجند بقوة وصدق لادانة البشاعة التي قُتل بها الرئيس العراقي السابق صدام حسين (علي يد عصابة قطّاع الطرق). بينما فرض المجتمع المغربي نفسه في واجهة الاحداث بمواقف انسانية مشرفة، تواري المخزن عن الانظار اولا، ثم جا يكحلها عماها وعندما فلتت القصة من بين يديه، تصرف كأنه اراد معاقبة ذلك المجتمع لانه سبقه وظهر اكثر انسانية وتجاوبا مع احداث دولية كبري. كيف؟ القمع التقليدي ولي زمنه، فاهتدي المبدعون الي اقفال التلفزيون كمن يغطي الشمس بغربال. في ديمقراطيات الواجهة وديكتاتوريات قفازات الحرير، هناك موضة القمع البصري المتمثل في حجب الصور والاخبار عن الناس لان القمع بالهراوات والسجون قد يثير حفيظة اهل النفاق في العواصم الغربية اذا ما تعارض مع اهدافهم او مس رجالهم ونساءهم.في اول الامر قطع التلفزيون بثا مباشرا لان عضوا في البرلمان طالب بمساءلة الحكومة عن موقفها المخزي من اعدام صدام. ثم تطور الامر (من هذا التلفزيون) الي نوع من مقاطعة المجتمع الذي خرجت مكوناته الجمعة والاحد في تظاهرتي احتجاج امام السفارة الامريكية بالرباط وبالدار البيضاء. الشرطة، وفاء للعادة، منعت المتظاهرين، واغلبهم من النخب المثقفة، من الوصول الي السفارة في الرباط. وزاد التلفزيون بان قاطع التظاهرتين من خلال التعامل معهما كأنهما جرتا في عاصمة كازخستان احتجاجا علي ارتفاع اسعار الشاي الاخضر: صور صامتة (غطي عليها صوتا قارئة وقارئ نشرة الاخبار) استغرقت بين 10 و15 ثانية. ولم تتطرق نشرة الجمعة لتظاهرة الرباط الا بعد 15 دقيقة من بدايتها وبعد اخبار المخزن وخليهن ولد الرشيد ورفاقه.الاعتقاد السائد لدي ان تلفزيون المغرب تصرف بتلك الطريقة، ليس كرها في صدام او العراق او المتظاهرين، ولكن تجنبا لانتقادات وغضب المتظاهرين من المخزن والحكومة ووزارة الخارجية (رغم ان الاخيرة لا تتصرف بمفردها في مثل هذه الشؤون والمواقف). فتظاهرة الرباط يوم الجمعة كانت احتجاجا علي قتل الرئيس صدام حسين بقدر ما كانت تنديدا بالموقف الرسمي المغربي من ذلك القتل، فكان التلفزيون في الموعد بأن حمي المخزن مرتين ، الاولي من غضب مجتمعه والثانية من غضب محتمل قد يصدر من امريكا او حكومة العراق (ألم يهدد المالكي باعادة النظر في العلاقات مع الدول التي انتقدت همجيته؟).لكن لسوء حظ هؤلاء المساكين جميعا انهم لا يحتكرون الصورة، وان الجزيرة موجودة فأدت المطلوب بلسان وكاميرا زميلنا محمد البقالي: تغطية التظاهرة بمهنية وحيادية. هل كان هذا سيهتز عرش الرحمن لو تم في اتم او دوزيم ؟ المشكلة الاكبر قيل عن شنق الرئيس العراقي السابق صدام حسين علي يد شلة من قطّاع الطرق الطائفيين اكثر مما قبل في اي موضوع اخر. ولا اعتقد انه بقي هناك ما يقال سوي ان سعي الحكومة الطائفية بقيادة الفاشل (حتي في تنفيذ احكام القتل) نوري المالكي للتحقيق في ما شاب تنفيذ الاعدام هو ذر للرماد في العيون. وايقاف حارس او اثنين او ثلاثة بحجة انهم صوّروا الاعدام هو ذر للرماد في العيون. الذي صوّر يجب ان يكافأ لانه نقل للعالم حقيقة هذه العصابة. اما ما يجب التحقيق فيه فالتصرفات ذاتها وليس تصويرها. الحكومة هنا تنسي الجريمة الكبري وتلاحق التفاصيل، والسؤال هو: هل كانت الحكومة ستتحدث عن تحقيق لو لم تتسرّب الصور؟ الجواب لا كبري. لهذا قلت ان صاحب الصور يجب ان يكافأ.والمشكلة الاكبر ان تلك التصرفات لا يفصل في امرها تحقيق سياسي او قضائي، لانها ليست غلطة او زلة. انها ثقافة سياسية وطائفية جديدة استشرت في البلد. تقاليد عراقية قاد قتل الرئيس السابق صدام حسين العالم الي كثير من المفاجآت، ابرزها ذلك التعاطف الهائل معه، ليس من القريب وحسب، بل ومن اناس اكيد لا يربطهم شيء بحزب البعث او منطقة تكريت، مثل سكان سريناغار عاصمة كشمير او كولوميو عاصمة سريلانكا.غير ان الاكتشاف الاكبر الذي يجب ان يتوقف عنده العالم هو ان من تقاليد العراقيين الرقص حول الجثث. تعرفون ان صاحب الفضل في تعريف البشرية بهذا السر هو مسؤول الامن القومي غير المتوفر بالمنطقة الخضراء ذاتها.قالها بفخر لـ سي ان ان نافيا ان تكون هناك مشكلة اذا رقصوا ، لكنه لم يقل هل رقص هو ام لم يرقص، واغلب الظن انه فعل.مع هيمنة عصابة قطّاع الطرق في العراق، سيأتي من يقول للعالم، بعد اعدام برزان التكريتي وعواد البندر، ان من تقاليد العراقيين أكل لحوم الاموات والالقاء بهياكلهم العظمية للكلاب الضالة. كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]