الاخوان والنظام في مصر: صدام مفتوح
داود حسنالاخوان والنظام في مصر: صدام مفتوح تتعرض جماعة الاخوان المسلمين في مصر منذ نهاية شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي، لحملة متدحرجة من الاجراءات الحكومية التعسفية ضدها أمنية وسياسية واعلامية، بعد حادث الاستعراض الرياضي الذي قام به نحو خمسين طالبا ينتمون للجماعة داخل حرم جامعة الأزهر، احتجاجا علي شطبهم من قوائم المرشحين للانتخابات الطلابية، وحرمان بعضهم من السكن الجامعي وفصل آخرين وتعيين اتحاد طلاب موال للحكومة، وهو السيناريو الذي شهدته جميع جامعات مصر.ورغم اعتذار طلبة الاخوان علي هذه المظاهرة الاحتجاجية التي كان يجب أن تنتهي عند هذا الحد، الا أن الأمور تدحرجت بفعل التضخيم الاعلامي الحكومي، وبمشاركة عدد من رموز الدولة مثل وزير الأوقاف حمدي زقزوق ورئيس جامعة الأزهر أحمد الطيبي الذي دعا لعدم التدخل لاطلاق طلاب جامعته المعتقلين، بل قال أحد قيادات الجامعة انني كنت أري البراءة في عيون ضباط الأمن المدججين بالسلاح وكان مشهد الطلبة مرعبا !! ووصفهم بعض قيادات الحزب الوطني في مجلس الشعب بالقول ان الاخوان أشد ضراوة من تجار المخدرات .أجهزة الأمن التي ترصد وتخطط لمثل هذه الأمور لم تنتظر كثيرا فقامت بالقبض علي معظم هؤلاء الطلاب، وعدد كبير من قيادات وكوادر جماعة الاخوان، وعلي رأسهم نائب المرشد العام للاخوان المسلمين خيرت الشاطر، ووضعوهم جميعا رهن الاعتقال ثم صنعت لهم قضايا سياسية. ولم يتوقف الأمر هنا فقد تم اغلاق شركات ومصانع ودور نشر ومكتبات يملكها منتمون للاخوان في عدد من مدن مصر. ويبدو أن هذه الحملة المعدة سلفا ـ من كثافة الاجراءات ـ لن تقف عند هذه الحدود، والداعي الي ذلك التشاؤم عدد من الأمور. أولها أن حركة الاخوان أصبحت الصخرة الأخيرة التي يمكن أن تتحطم عليها آمال النظام في تمرير برنامج توريث الحكم للرئيس التنفيذي الحالي لمصر جمال مبارك. والثاني أنها أيضا بكتلتها المكونة من ثمانية وثمانين عضوا مجلس الشعب يمكن أن تصمد أمام أي تعديل دستوري وتمثل صداعا للدولة، وبالتالي فيجب الهاء الجماعة بعمليات بوليسية وارهاقها في قضايا واعتقالات.الثالث أن مصر ليست بمعزل عن الحالة الاسلامية في دول المنطقة والعالم، مثل العراق وفلسطين ولبنان وأخيرا الصومال، اذا توجد حالة عدائية مفتوحة للاسلاميين تقودها الولايات المتحدة، ومصر بصفتها شريكة في عملية محاربة الارهاب، فيجب أن تؤدي دورها في هذا الاطار، لذلك لا نستغرب هذا السكوت الرهيب من جانب واشنطن علي عمليات الاعتقال واغلاق شركات ودور نشر وغيرها.الرابع أن النظام يري أن الاخوان هم القوة المحركة وراء معظم الحركات المدنية المطالبة بالحريات مثل القضاة وكذلك التحركات العمالية الأخيرة الناجحة في حلوان والمحلة وغيرهما.خامسا أن النظام أثبت فشله الذريع في حل أي مشكلة تواجهها البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وهو يريد أن يحمل الاخوان كل المشاكل التي تواجهها مصر. في حين أن أركان النظام هم من كان من المفروض أن يكونوا في الاعتقال مكان الاخوان.لكن الملاحظ أن جماعة الاخوان المسلمين عندما تتلقي مثل هذه الضربات تحاول أن تستوعبها وتعتبرها ابتلاء وامتحانا من الله، يجب أن الصبر عليه واحتسابه في الآخرة، وتستسلم له. عكس التيارات السياسية الأخري، وهي رؤية منقوصة سياسيا من الجماعة التي تملك الكثير من الأدوات تمكنها من صد هذه مثل الهجمات بل واتخاذ زمام المبادرة والهجوم.فالحركة مثلا تملك الشارع وتستطيع أن تنظم عشرات المظاهرات يوميا، وتستطيع أن تشعل البرلمان من تحت أقدام الحزب الوطني بواسطة نوابها المنتخبين، وتستطيع أن تتقدم بمبادرات كل يوم للقوي السياسية المصرية.وكذلك يجب أن تستفيد حركة الاخوان المسلمين بزخمها وعمقها الدولي في الضغط علي الحكومة المصرية بما تملكه من كوادر وقيادات نافذة في تنظيمها الدولي، وان كانت لن تستفيد منه في مثل هذه المواقف فمتي تحركه؟! فهذا التنظيم الكبير يجب أن يتواصل مع منظمات المجتمع المدني في العالم للتعريف بالمضايقات والانتهاكات التي تتعرض لها الجماعة الأم في مصر، وهي فرصة أيضا لها لكي تعرف العالم ببرنامجها المدني السلمي في الدعوة والقبول بالآخر. وهي تستطيع ادارة مثل هذا العمل من خلال لجان أو منظمات دولية لا تحمل لافتة الاخوان.وهناك دور هام للقوي الوطنية والسياسية والنخبة المصرية، التي تختلف أو تتفق مع جماعة الاخوان المسلمين في تخفيف الضغط عليها، وعدم السكوت علي ما يجري، وألا تترك النظام ينفرد بها وحدها، والا (فعلي السفينة ومن عليها السلام) وساعتها سنقول (أكلنا يوم أكل الثور الأبيض).بقي أن أذكر بأن كل مثل هذه الضربات التي تتعرض لها جماعة الاخوان المسلمين حتي ولو تضاعفت فقد تكون لها أثار جانبية علي المدي القريب، مثل اغلاق محلات أو مشروعات أو مكتبات يعمل بها العشرات، لكنها علي المدي الطويل ستصنع معارضين أشداء للنظام، وتصب المزيد من الحقد والكره له، وتخلق من هؤلاء المتضررين من النظام أبطالا وكوادر قد يحملون عبء العمل في المستقبل، لكنها أبدا لن تقضي علي تيار وطني له جذور.ہ صحافي من مصر8