ثيو أنجيلوبولوس في فيلمه تحديقة عوليس :(2-3) رؤية هومرية معاصرة عوليسها هو عين الكاميرا

حجم الخط
0

ثيو أنجيلوبولوس في فيلمه تحديقة عوليس :(2-3) رؤية هومرية معاصرة عوليسها هو عين الكاميرا

عبدالله حبيبثيو أنجيلوبولوس في فيلمه تحديقة عوليس :(2-3) رؤية هومرية معاصرة عوليسها هو عين الكاميراعن أنجيلوبولوستخبرنا الطبعة الثانية من موسوعة كاتز السينمائية المنشورة في 1994 ان ثيو أنجيلوبولوس ولد في أثينا بتاريخ 27 نيسان (ابريل) 1935، ودرس القانون في جامعة أثينا، ومارس المحاماة لوقت قصير بعد تخرجه من الدراسة. ثم ما لبث ان انجذب الي الفنِّ والابداع فأخذ يكتب وينشر قصصاً قصيرة وأشعاراً ومقالات. أدي أنجيلوبولوس الخدمة العسكرية الالزامية قبل أن يشد الرحال الي فرنسا في ستينيات القرن الماضي بغرض الدراسة العليا للأدب في السوربون. لكنه تململ في دراسة الأدب أيضاً، وتركها بعد مدة قصيرة ملتحقاً بأهم معهد سينمائي فرنسي في حينه IDHEC. وقد تَمَهَّن أنجيلوبولوس بعد ذلك علي المخرج السينمائي الفرنسي المعروف جان روش في متحف الانسان في باريس. وبعد عودته الي اليونان عكف أنجيلوبولوس علي كتابة مقالات سينمائية نقدية لعدد من المطبوعات اليونانية الطليعية. وقد شهد العام 1965 محاولته الأولي للاخراج السينمائي، غير ان خلافات مع المنتج اجهضت المحاولة. وبذلك لم يتمكن أنجيلوبولوس من انجاز تجربته السينمائية الأولي الا في العام 1968، وقد كانت تلك التجربة فيلماً وثائقياً مدته نصف ساعة. وقد أنجز أنجيلوبولوس فيلمه الروائي الأول في 1970، وهو فيلم أسَّس لأعماله السينمائية القادمة التي ستجعله يُلَقَّب بأهم مخرج سينمائي يوناني معاصر. تتميز أعماله عموماً بأنها تتبع أسلوب التراجيديا الاغريقية الكلاسيكية ( الايبسود ) ويصعب تصنيفها ثيماتياً. فاز فيلمه لاعبون مسافرون (1975) بلقب أفضل فيلم في تقييم المعهد البريطاني للسينما لذلك العام. أما فيلمه ألكسندر العظيم (1980) فقد فاز بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي لعام 1980، بينما فاز فيلمه الآسر حقا منظر طبيعي في السديم (1988) بالجائزة الفضية لنفس المهرجان عن تلك السنة. ومن أفلامه الأخري أيام 36 (1972)، و الصيَّادون ((1977، و ابحار الي سيثيرا ((1984، النحال (1986)، و الأبديَِّة ويوم (1998)، و المَرْجُ الباكي ((2004.وقد فاز فيلم تحديقة عوليس بجائزة المُحَكِّمين الكبري لمهرجان كان في 1995. وقد كان الفيلم هذا يستحق بالتأكيد أكثر من الاشارات التقتيريَّة ـ بل والاستخفافيَّة ـ والعابرة التي نالها في الصحافة الأمريكية العامة، والتي أبدي بعضها امتعاضه من تَحَذلُق الحوار في الفيلم. وفي الحقيقة لا يعني هذا الامتعاض أكثر من أن الحوار في الفيلم ليس سوقياً، وليس سطحياًَّ، وليس مبتذَلاً، علي شاكلة الحوار الفَجِّ في الأفلام الأمريكية أو النموذج الأمريكي (الهوليوودي) للسينما. كما ذهب بعض تلك الصحافة، مثل ديلي فرايتي في عددها الصادر في 25 مايو 1995، الي دسِّ السُّمِّ في طبق الرز الدسم وذلك في مقالة لم تتمكن من اخفاء اعجابها بالفيلم الذي سيرضي المشاهدين لكنه سيستنزفهم ، أي أنه سيتطلب منهم بذل بعض الجهود الانسانيَّة والفكريَّة والعقليَّة، وهي جهود لا تتطلبها مشاهدة أي فيلم هوليوودي. والأكثر من ذلك تذهب هذه الصحيفة الي القيام بدعاية سلبية للفيلم عبر التشكيك مقدماً في امكانية حصوله علي توزيع جيد. نعم، هكذا استقبلت الصحافة الامريكية فيلماً دأب كبار النقاد السينمائيين علي وضع مُخْرِجِه في مرتبة شاعر السينما الراحل أندريه تاركوفسكي، ولكن هذا ليس بمستَغرَب في أية حال. وأود أن أضيف هنا حادساً الي ان جزءاً من سبب الفتور الفظيع هذا قد يكون عائداً الي أن ثلث أحداث الفيلم تقريباً يدور في البوسنة ويَلْهَجُ بلسانها ومعاناتها في ذلك التشظي الرهيب الذي حدث للتاريخ، وللذاكرة، وللسرد، وللأيديولوجيا، حيث ان البوسنه ليست قطعاً لاس فيغاس خلال الفترة الزمنيَّة التي يتعرض لها الفيلم.أي عوليس؟ليس عوليس في عنوان الفيلم هو عوليس الياذة هوميروس، ولا عوليس جيمس جويس أو نيكوس كازانتزاكي (ما دام المخرج مهتما بالتاريخ والزمن في كافة أفلامه) كما قد يتبادر الي الذهن للوهلة الأولي. في الحقيقة ليس هناك شخصية باسم عوليس في الفيلم الذي لا تدور أحداثه أصلاً في عصر الملاحم الاغريقية مثلاً، بل في تسعينيات القرن الماضي. وبذلك فان الاسم الأسطوري العتيد عوليس قد يكون الكاميرا الملحمية التي تقدِّم لمدة ثلاث ساعات تقريباً رؤيا هوميروسية معاصرة لتاريخ حديث لكنه غارق في ضباب ملغز مثل ضباب الأسطورة الاغريقية القديمة. أو قد يكون عوليس هو التجسيد الرمزي في بطل العمل، أي شخصية المخرج السينمائي اليوناني التي قام بدورها باقتدار استثنائي هارفي كيتيل، والتي ليس لها اسم في الفيلم نفسه؛ ولكن عندما ينتهي الفيلم، وتظهر التترات حاملة أسماء الممثلين مقابل أسماء الشخصيات التي قاموا بأدوارها فاننا نكتشف للمرة الأولي ان هارفي كيتيل قد قام بدور شخصية تدعي أ وبما أن أ هو أول حروف اسم أنجيلوبولوس المخرج، فربما كان عوليس الفيلم هو أنجيلوبولوس نفسه، خاصة وأن هذا المخرج معروف ببصماته البيوغرافية في أفلامه. ولكن، أليس من شأن تسمية شخص بحرف واحد فقط هو الحرف الأول من اسمه أن يُذَكر المرء تلقائياً بمبدع كبير آخر، أعني كافكا الذي أسمي احدي شخصياته في عدة أعمال بالحرف الأول من اسمه: ك ؛ نعم انه ك الذي تاهَ في زمن القلعة الملغز مثلاً، والذي يتوه عندما تكون فكرة الرحلة ـ كما هو الحال في تحديقة عوليس ـ بنية للحبكة السردية. أنحن هنا، اذن، بصدد فيلم ٍهوميروسيٍّ مُعَمَّدٍ ببصيرة كافكاويَّة؟. أعتقد أن الأمر كذلك. يسرد فيلم تحديقة عوليس ، اذن، قصة مخرج سينمائي يوناني يعود الي بلاده في ليلة ماطرة بعد أن قضي خمساً وثلاثين سنة في المنفي في الولايات المتحدة ليشهد في مدينته الأم العرض الافتتاحي لفيلمه الأخير. نحن لا نعلم شيئاً عن هذا الفيلم، لكننا نعلم ان دخول قصة فيلم في فيلم يأتي بمثابة الماح أصبح استخدامه مكروراً بعض الشيء في السينما الطليعية والبديلة منذ سينما الموجة الجديدة فصاعداً. لكن ينبغي هنا أن نحفل لهذا الأمر لجهة سياقيته من حيث ارتباطه بالثيمة الأساس للفيلم التي تنفي فوراً تهمة اللجوء الي الكلاشيه الطليعي. كما اننا، في سياق الفيلم الأكبر الذي نشاهِدُ، نستطيع أن نحدس بمضمون الفيلم الأصغر ذاك حتي ولو لم، ولن، نشاهده، وذلك عبر مشاهدة عشرات من العربات المدرعة، ومئات من رجال الشرطة ومكافحة الشغب مدججين بالسلاح والدروع الواقية في شوارع المدينة التي يجري فيها عرض الفيلم الأصغر، ومن خلال معرفتنا ـ التي تحدث بالتزامن مع معرفة المخرج نفسه من طريق أحد أصدقائه ـ بأن جميع دور السينما في المدينة قد اعتذرت (أو أُجبرت علي الاعتذار) عن عرض الفيلم.. تكفينا كل هذه المعطيات، اذن، من أجل استنتاج أن الفيلم مثير للجدل من الناحية السياسية. ولذلك لم يكن هناك بديل لاقامة العرض السينمائي في الهواء الطلق علي الرغم من هطول الأمطار الغزيرة. ويا لهذا من مَجَازٍ حاذق وكثيف لدور الطبيعة في أفلام أنجيلوبولس (سأعود الي هذه النقطة في الحلقة القادمة من هذه المادة). لا تنقل لنا كاميرا الفيلم الأكبر شيئاً من أحداث الفيلم الأصغر علي الاطلاق، بل تكتفي بأن ترينا التوتر الذي يتسبب به الثاني من خلال تقابُل المعترضين عليه ومؤيديه؛ اي تلك الحشود التي تشاهده تحت المطر باستغراق يبدو مغناطيسياً تحت المظلات الفرديَّة عبر ترتيب المشهد اخراجياً بشيء من الأسلبة stylization؛ ذلك ان الفيلم الأكبر هذا لا يريد أن يُري ما هو مؤسس، بل يطمح الي أن يَري ما يتأسس. والالماحة هذي تكفي المُشاهد الفَطِن. ومع فضاء السرد الذي يتسع تحت زخات المطر في لقطات تتساوي فيها درجات التركيز البؤري في المناطق الكلاسيكية الثلاث للكادر السينمائي (الخلفية والوسط والمقدمة) فاننا نكون بصدد بعض خصائص لغة أنجيلوبولوس السينمائية: ضَمُّ الزمان والمكان الواقعين في خارج الكادر السينمائي الي السرد (أو قذف السرد الي خارج الشاشة)، واضفاء الصبغة الملحمية علي اللقطات الكبيرة من خلال استخدام تقنية التركيز البؤري العميق؛ وهما تقنيتان يقول أنجيلوبولوس في حوار صحافي قديم انه تعلمهما بالتتابع من الياباني كينجي ميزوغيشي ـ الذي تحدث بعض مشاهِدِهِ خارج الشاشة حقاً ـ والأمريكي التشريعي في هذه التقنية أرسون ويلز في فيلمه الأشهر المواطن كين ((1941. (وان كان من الممكن لي الاستطراد فسأقترح بسرعة ان المصوِّر السينمائي الأمريكي العتيد جريج تولاند الذي لا تذكره الا قِلّة اليوم، والذي تعاون مع ويلز في المواطن كين ، يستحق أن يُذْكَرَ بنفس المقدار الذي يُذْكَرُ به ويلز الجدير بالتأكيد بكل احترام. لكن لا بأس في ذلك، فنظرية المؤلِّف السينمائي ، مثل نظرية السرد ونظرية الأُمة ونظرية الدولة، لها ضحاياها غير النظريين وغير القليلين أيضاً!)، هذا اضافة الي التعامل مع الطبيعة (المطر مثلاً) بوصفها عنصراً سردياً فاعلاً وليس ديكوراً مكانياً أو طبيعياً لتزويق السرد بصرياً. وفي هذه الأثناء يلتقي المخرج السينمائي اليوناني العائد الي وطنه بعد منفي طويل بامرأة غامضة لا نستطيع أن نعلم الكثير عن علاقته السابقة أو الحالية بها من خلال حديثهما العابر في حنينه وتوتره، خاصة وان الكاميرا تلتقط لقاءهما بحيادٍ لَقَطاتي. ان المُشاهدَ هنا مُغَيَّبٌ تماماً عن سؤال الزمن في العلاقة، بل انه مضطر الي التساؤل عما اذا كان لذلك أي أهميَّة. غير ان ما يتضح بعد قليل هو ان مناسبة عرض الفيلم الأصغر ليس بِكُلِّ ما أعاد المخرج السينمائي المنفي الي بلاده في تلك الليلة السينمائية الماطرة (هذا اذا كان بين الأمرين أدني علاقة أصلاً)؛ حيث نبدأ هنا في التعرف الي ما هو واقع وراء هذا الأثر الطفيف من تقنية المجافن في أفلام هيتشكوك؛ بمعني الذريعة الحدَثيَّة التي تقدم السرد للوهلة الأولي باعتبارها العنصر السردي الأهم، لكنها لا تلبث الا أن تنسحب مفسحة المجال لعناصر سرديِّة أخري سيتضح ان الأهمية تكمن فيها في ارباكها للقارب والصيَّاد والسمك جميعاً (وقد قلت ان ذلك الأثر طفيف فحسب لأن الذريعة التي تؤسس السرد هنا لن تنفصل لاحقاً عن جوهر الهاجس الثيماتي؛ فـ المجافن هنا ممزوج بـ الليتموتيف أو الفكرة الثيماتية المهيمنة من حيث تعاقب ظهورها علي الرغم من اختفائها أحياناً).يتضح لنا من السرد الفيلميِّ والتاريخي في تحديقة عوليس ، اذن، انه في بدايات القرن العشرين، وبُعَيْدَ اختراع السينما في نهاية القرن التاسع عشر، كان الأَخَوان ماناكياس يجوبان منطقة البلقان بحرية وانطلاق تامين، ويصوران أفلاماً وثائقية حول أنشطة حياة الناس القاطنين فيها (وفي ما يخص البلقان لا ينبغي من أحد أن لا يقرأ رواية جنكيز ايتماتوف الكلب الراكض علي طول البلقان ). حسن جداً، فالأمر يتعلق بتاريخ السينما في رقعةٍ ما من هذا العالم في نقطة يتعالق معها تاريخ المنطقة نفسه. ولذلك فاني لا أستطيع ابداً أن أغض النظر والسمع والذاكرة عن حقيقة ان اسم الأخوان ماناكياس يجلب، تاريخياً، صدي اسمياً للأخوان لوميير، مخترعا السينما. وفي هذا الصدي ما يقابل أهمية الأخوان ماناكياس التأسيسية علي الصعيد البلقاني بأهمية الأخوان لوميير علي الصعيد الفرنسي أو الأوروبي. وفي دأبهما للتوثيق السينمائي للأنشطة الحياتية ـ اقتصاديَّة واجتماعيّة وثقافيَّة ـ في البلقان لم يكن الأخوان ماناكياس يُفَرِّقان أو يُمَيِّزان بين سكان المنطقة الواسعة بناء علي اعتبارات الدين، أو اللغة، أو اللون، أو الاثنية، أو العرق، أو الطائفة، أو غيرها من الاعتبارات التي نعلم انها ستدخل لاحقاً في تشكيل النسيج الخصائصي للأُمّم التي انبثقت في البلقان؛ ذلك انهما كانا يتحركان علي أرض بلا حدود سياسية أو وطنية أو ثقافية بالمعاني المعاصرة لهذه اللكلمات. وفي هذا السياق يتقاطع السرد عدة مرات في تحديقة عوليس مع ادخالٍ ((insertion لشريط وثائقي قديم بالأبيض والأسود في نسيج الفيلم الملون نري فيه نساء يغزلن النسيج بطريقة بدائية كما كانت تفعل النساء في مختلف أنحاء الوطن العربي مثلاً. وليس أمامنا هنا سوي تصديق اننا نشاهد أحد أعمال الأخوان ماناكياس الوثائقية. لقد عاد المخرج الي بلاده، اذن، لأن لديه مشروع لعمل فيلم وثائقي عن ذينك الرائدين السينمائيين في منطقة البلقان يوم كانت البلقان بلقاناً فحسب وليست دولاً وأمماً. وهو قد حصل علي معلومات وثيقة مؤداها ان ثلاثة من أشرطتهما التسجيلية السينمائية القصيرة التي لم تُحَمَّض بعد مفقودة، وانها ربما كانت موجودة في الارشيف الوطني السينمائي في رومانيا، أو في البوسنه، وانه مقتفٍ أثرها الي هناك.شاعر وناقد من عُمان يقيم في امريكا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية