مدونات هابيل بن هابيل لسامي مهدي: تأمّل الموّت، وامتداح الكبرياء!

حجم الخط
0

مدونات هابيل بن هابيل لسامي مهدي: تأمّل الموّت، وامتداح الكبرياء!

رشاد أبوشاور مدونات هابيل بن هابيل لسامي مهدي: تأمّل الموّت، وامتداح الكبرياء!سامي مهدي أحد أبرز شعراء العراق المعاصرين، في زمن الاحتلال، والموت اليومي المجّاني، يكتب شعراً يتأمل فيه الموت، لا كحدث عادي يدهم الانسان، ولكن بما هو انتقال من حال الي حال، يتأمله فلسفيّاً، بعمق، ورقّة، وود، بعيداً عن التفجيرات، والقصف، والاقتتال الحيواني الغريزي الطائفي…هو في عراق توارث الناس فيه قتل قابيل لهابيل، لا مرّةً واحدة، ولكن مرّات لا تنتهي، وكأنما الغدر، والأنانيّة، والغرائزيّة، لا تتوقّف عن ممارسة دناءتها ما دام الانسان علي هذه الأرض، فلا أخوّة، ولا ايمان برب عادل، ولا ادراك بأن كلّ شيء زائل وأن الانسان لا يأخذ معه شيئاً الي القبر.يسأل هابيل أباه :أبي هل أسفت عليّ؟وهل قلت شيئاً لقابيل عنّي وهل قال شيئاً يعبّر عن ندم أو حنين الي؟أبي أنا أعرف ما قيل عنه،ولكنه لم يزل، مثلما كان،يقتلني كلّ يوم ويسلبني ما لديّ!أبي،أفلا يعمر الكون الاّ بقتلي؟أقتلي، اذن، هو قانونه الأزلي؟! (ص72)في قصيدته الطويلة (الرحيل الي هناك) يتأمّل سامي مهدي (الموت)، يحاوره بوّد، دون خوف، بكثير من الألفة، يؤنسنه، يذكّره بما مضي من لقاءات:أنت تذكر كم لحت لي من بعيد وكم مرّةً جئتني وتوقفت عند الوصيد ثمّ غادرتني، مثل ساعي البريد حين يخطئ مطلبه، ومضيت الي ما تريد أوكان الفضول يقود خطاك ويربطها بخطاي؟أم تري كنت تبحث عن دائن، أو مدين، سواي؟هكذا يري سامي مهدي الموت : مجرّد رسول يحمل نبأً بالبريد، يؤدي وظيفته، ثمّ يمضي، وقد يخطئ العنوان، ولكنه يعود في زمن ما لينهي مهمّته، والعلاقة لا تنتهي، ففيها مداورة، وترقّب، شيء ما يشبه أن يكون لعباً لتزجية الوقت والتسلية:ثمّ ها أنت تأتي، كما كنت بالأمس تأتي، وبخطو مريب فأحسّ بأنك ترقبني من مكان قريب (ص57)الموت مع الشاعر وراء الباب، في السرير، في حبل الوريد، في الهواء، في كّل شيء، وهو غير خائف منه، فهو يتأمله، يراقب سلوكه، ومناوراته ومخاتلته…يتساءل الشاعر:أوحان قطافي اذن مثل فاكهة نضجت في الأوان وتدلّت ليقطفها عابر في المكان ويقطع آخر خيط لها بالزمان؟الشاعر غير خائف، فهو يعرف النهاية الحتميّة لكّل انسان علي هذه الأرض، وهو لا يري في الموت وحشاً بأنياب رهيبة، بوجه قبيح مروّع:لست غولاً كما قيل عنك ولا أي شيء مخيف وأنا لست في فزع منك أو جزع من طيوف تتراءي لعينيّ حين تطوف..هذه القصيدة الطويلة، التأمليّة، تحاور (الموت)، وما بعد الموت، تتأمّل حياة الانسان، والزمان، الخلود والفناء :كنت أسأل : ماذا هنالك؟ ماذا وراء السكون؟والغموض المعبّأ بالصمت والصامتين؟عالم مثل عالمنا؟عالم مثل ما يصفون؟ثمّ ماذا سنفعل بعد الرحيل اليه وماذا ستكون جرايتنا فيه،ماذا نكون؟هي الأسئلة التي شغلت عقول الفلاسفة لقرون ولم يهتدوا الي ايجابيات شافية حولها، وهي الأسئلة التي نشأت منها الأساطير الميثولوجية العراقيّة القديمة، هي أسئلة (قلقامش)، ولوعته، ورغبته بالخلود، وهي، حتّي، أسئلة الناس العاديين، اللهم الاّ اذا سلّموا بقدرهم، وما يعدهم به دينهم فعندئذ يقبلون ما تخبّئه لهم أقدارهم بتسليم ورضي.لا يغرق الشاعر في الأسئلة المجردّة، فهو يعيش زمنه، قل زمن العراق وبغداد الراهن، ومن خلاله يري أزمنة غبرت، أفلت بكل ما حملته:لا جديد هنا كالذي يصفونلا جديد سوي غزوة، صورة من تقاليد تاريخناولوازم رحلته في العصور، وما نحن نشهده اليومكنّا شهدناه من قبل…كم مرّةً؟!لست أذكرها كلّها…… …لا جديد اذن، فالغزاة يجيئوننا حقبةً بعد أخري،وقد يحبسون الهواء، اذا قدروا، في قوارير،أويجرحون السماء بما ملكوا من صواريخ..لكنهم يرحلون…يرحل الغزاة ويبقي كما في نشيد الشاعر الذي لم تهتّز ثقته بالحياة : النخيل، وانسان العراق، وأنهار خصب العراق، وحضارة وانتساب العراق…دائماً يرحلون..ونحن هنا، نحن والنخل والنهر والعشب والطين، نحن وآباؤنا، وقبور ذوينا، هنا منذ بدء الخليقة، منذ انبثاق الحقيقة، نحن هنا،نحن والله، نحن هنا راسخون…(من قصيدة :عند بـــاب بغداد، هناك، جلسنا وضحكنا).في قصيدة (كريولانيس)، نقرأ مونولوجاً للبطل التراجيدي الممتلئ بالكبرياء، والذي ليس هو بطل مسرحيّة شكسبير بتقلباته، ولكنه (بطل) الشاعر المضحّي، الكريم، الممتلئ كبرياء، المتسائل بحزن عن سر تقلبات (العامة):تبدأ القصيدة المونولوج بصيحات العامة الهائجة :كريولانيس كريولانيس فليمت كريولانيس فليمت..فليمت كريولانيس هنا يبدأ المونولوج :عجباً.. ما لهم ينفثون الضغينة حولي؟ما لهم يهدرون دمي ويبيحون قتلي أفلم يهتفوا أمس لي بالولاء وبطول البقاء؟……يا الهي..يريدون لي أن أبيع يريدون لي أن أضيع الذي لا يباع وأشحذ من كف جلف وضيع سلامة روحي بطل قصيدة كريولانيس متّهم بالكبرياء، ولذا يصيح وهو يري رقصة (الدهماء) وانقلابها عليه:وماذا أكون أنا ويكونون من دونما كبرياء؟!وهل كبريائي سوي كبرياء لهم ولروما؟!أثمّة روما بلا كبرياء؟!وانظـــروا الآن أي بلاء يحل لهم بعدما حطموا كبريائي!سامي مهـــدي يبحث عن المعني، عن الجـــوهر، ينأي بنفسه عن تفــــاصيل تافهـــــــة، عن صيحات الدهماء، فهو ليس شاعر ردود أفعال، أو انفعالات راهنة تمضي مع مسبباتها.بقيت لي من العمر أسئلة وقليل من المال لا يشتري غير دمع قليل نصفه للبكاء علي كوكب ضاع منّي ونصف أنا ضيّعته في اقتفاء الدليل وستبقي مؤجلة كّل أسئلتي تلكتبقي معلقّة بمسامير في أفق المستحيل (أسئلة معلقّة 34)(مدونات هابيل بن هابيل) شعر صاف، فيه خبرات شاعر نشر عمله الشعري الأوّل في العام 65، ومنذ ذلك الوقت وهو يغني حركة الشعر العراقي والعربي، شاعر كبير يأتينا صوته النبيل رغم سحب الدخان، والموت، والخراب..الذي يجتاح العراق.ـ صدرت هابيل بن هابيل عن منشورات أزمنة في عمّان نهاية عام 2006. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية