هل أصبحت الفوضي طريقة حياة في الوطن العربي؟

حجم الخط
0

هل أصبحت الفوضي طريقة حياة في الوطن العربي؟

د. عصام نعمانهل أصبحت الفوضي طريقة حياة في الوطن العربي؟ تعمّ الفوضي دنيا العرب، لا سيما في الأقطار حيث لأمريكا وجود أو نفوذ أو وكلاء. هذا لا يعني ان صناعة الفوضي حكر علي الأمريكيين وحدهم. فللقوي المحلية، ولا أقول الوطنية، يد ودور وتأثير. صحيح ان الفوضي الخلاّقة سياسة معلنة لجورج بوش، يمارسها منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001. لكن أعداء أمريكا المحليين، كما وكلاءها وعملاءها، سقطوا في لجتها وانخرطوا في لعبتها مختارين أو مضطرين. لكأن الفوضي مناخ عام شمولي، كالحرّ أو القرّ، لا يجد المرء مناصا من التعامل معه بشكل او بآخر حتي لو كان متأذيا منه. بل هو يحرص علي التعامل معه إذا كان متأذيا لئلا يضيع في متاهاته وتعقيداته وتقلباته. وعندما تكون الفوضي من صنع قوة عظمي كالولايات المتحدة فإن قدرة الإنسان، فردا أو جماعة، علي تجنب مواجهتها تصبح أقل فعالية عموماً.الفوضي هي حال العراق اليوم. هي حال فلسطين. هي حال لبنان، هي حال السودان (دارفور)، وهي حال الصومال بقدْر ما يتصل حاضره بالجسم العربي العليل. لم تكن الفوضي حال العراق قبل الاحتلال. بالعكس، كان ثمة نظام فرض الأمن وصان السلامة العامة بصرامة بدت أحيانا قاسية. لكن سرعان ما انهار الأمن مع تمدد قوات الاحتلال الي شتي أنحاء بلاد الرافدين. غير ان الفوضي لم تندلع وتسود إلا بعد ان قامت سلطة الاحتلال بحل الجيش العراقي. لماذا؟ لأن الجيش كان العمود الفقري للدولة والمصهر الجامع لأفراد المجتمع وفعالياته والاداة الضامنة للأمن الوطني. وإزداد الأمر سوءاً مع قيام ادارة الاحتلال بتنظيم السلطات العامة، من خلال كتابة الدستور المؤقت، علي أساس مكوّنات المجتمع الاثنية والدينية والمذهبية. فثمة عرب وكرد وتركمان، وثمة مسلمون ومسيحيون وصابئة، وثمة اخيراً وليس آخراً سنّة وشيعة. علي أساس هذه التقسيمات جري تنظيم السلطات وتوزيع المناصب وتقليد الوظائف وإحتساب المزايا والامتيازات وتحديد الإعتمادات وبناء قوات الأمن والشرطة. غير ان سياسة التفريق ما كانت لتأخذ مجراها ومداها لولا ان قوي سياسية محلية ارتضت العمل بموجبها بل طالبت بها وغالت في تدقيق تنفيذها حتي بات المجتمع الأهلي مجاميع من فئات متمايزة، متنافسة، متخاصمة، ومتعادية في آخر المطاف. إذ أخفقت سلطة الإحتلال في إعادة بناء العراق بحسب النموذج الذي كانت وضعته له في كواليس البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية)، وجدت إدارة بوش وقواتها في العراق نفسها في خضم حرب متصاعدة مع قوي وطنية وإسلامية توزعتها منظمات مقاومةٍ متعددة المذاهب والمشارب إنما تجمعها وحدة الكفاح ضد العدو. الأمر نفسه تقريبا حدث في فلسطين، ذلك ان إسرائيل أفلحت في تجويـــف خريطة الطريق التي كانت وضعتها اللجنة الرباعية الدولية الأمر الذي زاد من سخط الشعب الفلسطيني ودفعه إلي مضاعفة دعمه لقوي المقاومة الإسلامية التي رفضت الإنزلاق الي أي مساومة أو تسوية مع عدو إسرائيلي وأمريكي احترف نكث الوعود ونقض العهود والتغوّل علي حقوق الشعوب. إذ ترجم السخط الشعبي نفسه بالتصويت ضد حزب السلطة في الإنتخابات العامة، وجدت المقاومة الإسلامية نفسها وقد أضحت حزباً حاكماً ، نظريا علي الأقل، في وضعٍ مربك ضاعف من مسؤولياتها. لكن اسرائيل، ومن ورائها أمريكا التي أدركت المعني الحقيقي لفوز حماس ، فرضت حصاراً سياسياً ومالياً علي الحكومة الجديدة التي حظيت أيضا برفض حركة فتح التعامل معها كثمرة طيبة لإنتخابات ديمقراطية. النتيجة؟ إشتداد الصـراع بين حماس و فتح وانزلاقه إلي ما يمكن تسميته فوضي مسلحة. في لبنان حاولت أمريكا تجريد المقاومة من السلاح بحمل إسرائيل علي شنّ الحرب علي لبنان في الصيف الماضي، لكن محاولتها باءت بفشل ذريع. ذلك حملها علي تأليب قوي سياسية تقليدية وانتهازية علي إقامة تحالف غرضه محاصرة المقاومة بنشر قوات دولية في الجنوب اللبناني، والسعي لإقامة محكمة ذات طابع دولي لملاحقـة قادة مؤيدين للمقاومة تحت ستار التحقيق مع قتلة الرئيس رفيق الحريري، ورفض إقامة حكومة وحدة وطنية لإجراء إنتخابات مبكرة. ردّت المقاومة وقوي المعارضة المؤيدة لها بتنظيم تحركات شعبية واعتصامات واسعة في الساحات العامة وحول الإدارات والمرافق العامة بقصد الضغط علي الفريق الحاكم من اجل التسليم بضرورة إقامة حكومة وطنية جامعة.في الصومال تخوفت أمريكا من انتصار المحاكم الإسلامية علي حكومة عبد الله يوسف وأمراء الحرب الفاسدين المؤيدين لها، فأوعزت الي اثيوبيا بمهاجمة قوات المحاكم وإستعادة المناطق المحررة ووضعها مجدداً تمت سلطة الحكومة الموالية لواشنطن.في كل هذه الساحات يمكن ملاحظة بروز ظاهرات ثلاث:الأولي، ان أمريكا اعتبرت حركـات المقاومـة الناشطـة ضـدها جزءا من الإسلام الراديكالي المعادي لها أو رديفا فاعلا له. لذلك فقد اعتبرت الإسلام عدواً أساسيا في دائرة حربها علي الإرهاب، وهي تحاول الآن شق الإسلام السياسي إلي إسلام سنيّ وآخر شيعي لإضعاف حركات المقاومة عموما والتمهيد لهجوم صاعق تعتزم شنه علي إيران التي تتهمها بأنها راعية الإسلام الراديكالي وممولة منظمات المقاومة في فلسطين ولبنان والصومال.الثانية، ان مخطط أمريكا هو الهيمنة علي المنطقة كونها مستودعا ضخما للنفط والغاز. وفي حال فشل مخطط الهيمنة فإن المخطط البديل هو تعميم الفوضي للحؤول دون قيام دول قادرة يمكنها السيطرة علي مواردها الطبيعية. هذه الفوضي، الخلاقة أو البناءة ، التي تعممها أمريكا في معظم دول المنطقة باتت طريقة حياة لم تستطع معها حتي قوي المقاومة المعادية للمشروع الأمريكي الصهيوني ان تكون بمأمن من مضاعفاتها السياسية والأمنية.الثالثة، ان الأقطار العربية التي تشهد صراعاً مريراً بين أمريكا وحركات المقاومة فقدت نتيجة الهجوم الأمريكي الصهيوني الوحشي والمدمر أعمدتها الفقرية ومرجعياتها الوطنية. العراق فقد الجيش من جهة، ومن جهة أخري لم تستطع منظمات المقاومة حتي الآن بناء جبهة سياسية وكفاحية موحدة فيما بينها لتشكّل مرجعية وطنية قائدة للمرحلة الراهنة. فلسطين فقدت عمليا مرجعية منظمة التحرير ونفوذها، كما عجزت منظمات المقاومة فيها عن إقامة جبهة وطنية موحدة فيما بينها لتكون مرجعية وطنية بديلة. لبنان يتجه إلي تدارك هذا النقص بإقامة هيئة قيادية للتنسيق بين المقاومة وسائر قوي المعارضة المؤيدة لها في مواجهة الحكومة وفريقها السياسي المعادي. الصومال فقد أرضه المحررة ومعها فقد مرجعيته الوطنية التي كانت متجسدة في المحاكم الإسلامية . أما الأقطار العربية الأخري التي تمارس فيها قوي التحرر والديمقراطية نضالاً سلمياً فإنها تفتقد ايضا الي مرجعيات وطنية مؤهلة لقيادة المرحلة. ان الدرس المستخلص من هذا الظاهرات الثلاث هو ان الفوضي سلاح بيد أمريكا وإسرائيل ولا يمكن ان يكون ذا فائدة لقوي المقاومة والتحرر والديمقراطية. لذلك يقتضي التركيز علي مهمة بناء جبهات موحدة للمقاومة والتحرير والديمقراطية في كل الساحات الناشطة أو المتحفزة للنشاط والعمل كونها الأدوات السياسية والكفاحية الكفيلة بمواجهة حال الفوضي والخروج منها وتفعيل الكفاح ضد القوي المعادية.ہ سياسي وكاتب لبناني9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية