هستيريا الحوار في السياسة
د. علي محمد فخروهستيريا الحوار في السياسةلا شيء يدمر روح مناقشة الحدث السياسي العربي أكثر من ظاهرة الاستقطاب المبالغ فيه عند تحليل ذلك الحدث أو التعليق عليه أو أخذ المواقف تجاه أبطاله. والاستقطاب في كل شيء لايمكن الاً أن يؤدّي الي التضاد والصراع لاقصاء الآخر وتدميره. ان ذلك لايلوث الحياة السياسية فقط، بل يجعل الممارسة الديمقراطية، المبنية علي الأخذ والعطاء وتعدد الرؤي، أمراً مستحيلاً. ومما زاد في ترسيخ عادة ممارسة الاستقطاب، بل والتفنن في تنويعها، برامج الفضائيات العربية التي باتت تعتقد بأن حيادها وموضوعيتها لايثبتهما الا عرض الرأي والرأي الآخر بصورة حادة وصاخبة وعدائية. وفي هذا العرض، أو الاستعراض المسرحي أحياناً، تضيع الوسطية ورؤية الأمور من كل الزوايا والموضوعية في الأحكام. وتؤجج تلك المناقشات الاستقطابية الاقصائية للفكر الآخر مشاعر المشاهدين فتتسم كل تعليقاتهم ومداخلتهم بالغلو والانحيازات الجاهلة المسطحة وبغياب أي تسامح. وهكذا يساهم الخطاب الاستقطابي في السياسة والاعلام في بناء عقبة ثقافية أخري أمام انتقال المجتمعات العربية الي الديمقراطية.وليست القضية هي الاختلاف في المنطلقات الفكرية الايديولوجية بين المتواجهين فمثل هذه الاختلافات مقبولة بل ومطلوبة لانضاج الحياة السياسية، وانما القضية هي ممارسة أسلوب متخلف لاعقلاني في الحوار، حوار، كما يقول الكاتب جوزيف جوبرت، ليس هدفه التقدم وانما الانتصار.مناسبة هذا الحديث هو الفوضوية والهمجية عند مناقشة ما يجري حالياً في الوطن العربي والشرق الأوسط. فقد اختلطت الأمور وتعقدت بحيث أصبح الخوض في مجريات الأمور يستوجب يقظة وتوازناً في الخطاب وشمولية وعمقاً في التحليل والفهم. دعنا نضرب عدداً من الأمثلة. فعندما يناقش الملف الايراني فان الغضب تجاه السياسات الخاطئة الثأرية الايرانية في العراق احتلال ايران لجزر عربية يلحق بها شتيمة الدولة الفارسية المجوسية الصفوية وتعمي البصيرة عن أن تري المناهضة الايرانية الناجحة للمشروع الصهيوني في الجنوب اللبناني وفي فلسطين والوقوف في وجه الهيمنة الامريكية علي مقدرات الشرق الأوسط العربي والاسلامي ومحاولة ايران ايجاد توازن الرعب النووي مع العدو الصهيوني بعد أن تخلي العرب عن ذلك. والأمر نفسه ينطبق عند مناقشة نظام الحكم السابق في العراق. فطريقة التفكير الاستقطابي لاتري فيه الاً الأخطاء والحماقات العسكرية التي ارتكبت بين الحين والآخر ولكنها ترفض رفضاً مطلقاً الحديث عن أي من الانجازات العلمية والفنية والصناعية والاجتماعية التي تحققت. وفي لبنان فان الاختلاف مع المقاومة في مواقفها السياسية المعارضة أو في تحالفاتها الاقليمية يقود المختلفين الي انكار انتصاراتها الرائعة في تحرير الجنوب اللبناني ومناهضة المشروع الصهيوني الامريكي الاستعماري. وفي فلسطين يؤدي الاختلاف مع حركة حماس في بعض مواقفها الي تشويه سمعتها وانكار سجلٍّها النضالي الساطع. وحتي عند الحديث عن الحكومات المحلية يؤدي الاستقطاب الي الهجوم العنيف المشروع علي الاخفاقات وعلي كل أنواع التقصير ويعمي البصر عن رؤية أية انجازات.في جميع الحالات السابقة يبدو بوضوح بأن لا أحد يؤمن بالتعددية التي يكثر الحديث عنها في هذه الأيام. ويخطئ من يعتقد أن التعددية، وهي من أهم أسس الديمقراطية السياسية، تقتصر فقط علي تعددية القوي السياسية، ذلك أن التعددية الفكرية والعقيدية والايديولوجية والتقييمية تسبق ذلك، بل وهي شرط من شروط التعددية السياسية الناضجة.هناك قول للرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت من أنه شيء جيد أن نطلب الحرية لأنفسنا ولمن يوافقوننا الرأي، ولكن أفضل من ذلك أن نعطي الحرية أيضاً لمن يخالفوننا الرأي. ثقافة الاستقطاب والتمركز عند الرأي الشخصي دون أدني اعتبار للرأي الآخر ستمنع ذلك التوجه الانساني الرفيع وستجعل مداولاتنا عبارة عن ممارسة لمرض الهستيريا بصراخها واغماءاتها وكذبها علي النفس، الأمر الذي يجعلنا وكأننا تحت تأثير تنويم مغناطيسي يمنعنا من اجراء أي نقاش أو حوار معقول.9