زهران سلامة فنان كبير علي فراش المرض والعزلة: طردوني من المسافر خانة عن طريق الشرطة!
زهران سلامة فنان كبير علي فراش المرض والعزلة: طردوني من المسافر خانة عن طريق الشرطة!القاهرة ـ القدس العربي من محمود قرني: اختار الفنان التشكيلي الكبير عزلته، ومنذ عدة سنوات ذهب الي أقصي الشرق حيث البحر الأحمر، وعلي شاطيء مدينة الغردقة حيث السكون شبه المطلق أقام بيتا ومرسما وحديقة صغيرة، لكنه منذ عامين أصيب في حادث سير مروع لازال يعاني من آثاره حتي الآن، انه شبه قعيد حتي الآن، ويعاني من آلام شديدة بالعظام، فقد تجاوز الستين من عمره، لكنه لازال يثابر ويكابد لأنه لازال قادرا علي الامساك بالفرشاة وفيما يبدو أن سنوات سلامة الراهنة هي سنوات السلام حسبما يعبر هو نفسه عندما يقول: أنا الآن أعيش اليقين العميق وأعلن هدنة مع القلق المزمن، حيث يتقدس وجوده، ويعيش تجربة الانقسام للحقول والنهر والسهول، للضوء والظلال والحركة، حركية الحياة الأبدية، تتسع العين وترهف الأذن، وتشحذ الحواس، وهكذا يتجدد الوجود عمقا واتساعا .كان المعرض الأخير للفنان زهران سلامة علامة مضيئة حول تاريخ قصر المسافر خانة المحترق، اذ كان مديرا سابقا لها، وكان يحمل لها حنينا يمثل روحا محتقنة بالمكان، انها روحه الهاربة في تاريخ مصر المكتظ بالجروح والحرائق المشبوهة التي لن يكون آخرها حريق المسافر خانة.ضم معرض زهران سلامة أكثر من ثلاثين لوحة تستعيد قدرة التصوير المصري ومدرسته التليدة، وتقدم فيها الفضاءات الداخلية لمشاهد ساحرة وشجية من داخل أروقة المسافر خانة، انه بالفعل معرض استطاع أن يوائم بين اللوحة وموضوعها من جانب وبين فنانها من جانب آخر، وكما يعبر الناقد والكاتب عبدالمنعم عبدالقادر فان اللوحة تبدو وكأنها تجسيد للمصالحة بين الذات والموضوع كما تجسد التجاوز الفني لطرفي العملية الابداعية.وقد جاءت جميع لوحات زهران سلامة غير موقعة وغير مؤرخة وقد علل ذلك بأنه يترك لنفسه فرصة الاضافة والتعديل قبل توقيع اللوحة وكأنه يريد القول أن جرح المسافر خانة لا يزال مفتوحا وسيظل كذلك، وربما كان رفض زهران بيع أي من لوحات المعرض هو تأكيد علي هذا المعني.ولم يتوقف توثيق عبدالمنعم عبدالقادر للحدث عند ذلك السقف، انه أقرب المقربين الي قلب زهران سلامة، انه يري أن سلامة يواصل البناء الذي وضع لبنته الأولي رواد عظام ويقول: كنت شاهدا علي ارتكاز زهران في رحلة البحث علي بداهات انسانية عريضة تسعي نحو اكتشاف الجمال عبر خصوبة الحياة، ورأيت كيف كون ذاته الفنية بموارد استمدها من كفاءة الحواس، ورهافة المشاعر، واستقلال الفكر، والثقافة الواسعة، والمعرفة العميقة، بأبعاد الابداع الانساني وتنوعاته وبينما هو يكتشف في ارتياده العظيم سطوح الانسان وتجلياته في علاقته بالأرض، ويكدح الي جماليات هذه التجليات ويجسدها بابداعاته. ثم يؤكد عبدالقادر مرة ثانية: كنت شاهدا علي صبره علي ما يصفون، حتي أسس ـ ولأول مرة في تاريخ الحركة التشكيلية ـ ما أسميه رؤية واقعية مصرية متكاملة في انجاز ريادي يحقق التجاوز الصحيح الذي استوعب العصر وخصوصية الوطن فاتحا الطريق واسعا للأجيال الجديدة نحو ابداع تشكيلي مصري .أما المسافر خانة تلك البقعة من الفن المصري الاسلامي التي وثقتها لوحات معرض زهران سلامة، فهي ذلك البناء الذي كان قائما وسط حي الجمالية بدرب الطبلاوي بمنطقة مصر القديمة الي جوار شارع قصر الشوق، وقد بنيت علي مرحلتين الأولي كانت عام 1193 هجرية ـ 1779م حيث بنيت السراي الواقعة في الشمال ثم بنيت السراي الثانية الواقعة الي الجنوب في عام 1202 هجرية ـ 1789م ويمثل القصر في مجمله ـ حسبما يؤرخ له عبدالمنعم عبدالقادر ـ تراثا معماريا وفنيا وثقافيا يُعد واحدا من الطرز العربية الأصيلة، ويقدم صورة حية لطبيعة الحياة الاجتماعية لطبقة التجار في أواخر عصر المماليك، وهو طراز يعالج خصوصية البيئة بكل مستوياتها الطبيعية والاجتماعية والنفسية، وكان هذا القصر شاهدا حيا علي جوانب من هوية طبقة التجار المصرية باعتبارها طبقة قائدة ورشيدة، ويضيف الكاتب عبدالمنعم عبدالقادر القول: ان هذه الشهادة المعمارية كانت تبلغ من قوة التأثير في فكري الي الدرجة التي تجعلني أتشكك في قيمة وادعاءات التنوير الذي جاءتنا به الحملة الفرنسية.هذه هي الأبعاد التاريخية الشكلية للمسافر خانة أما رؤية عبدالقادر لها في السياق المعماري فيدفعه الي القول: كان لنا بغير شك طرزنا المعمارية فانظر الي بؤس حالنا ونحن نسبح في فوضي معمارية بائسة وشاملة القبح عدوة لسعادة الانسان.ويري عبدالقادر أن نقطة البدء لدخول زهران سلامة الي العلاقة بالمكان كانت كلماته الاثيرة: أنت لن تعرف خصائص هذه العمارة الا اذا جربتها بجسدك، هنا يتكامل الاحساس بالتوازن بين الجمال والوظيفة، اني كنت أعرف التكامل النظري بين الجمال والوظيفة في كتابات هربرت ريد حين تناول هذا الموضوع في حديثه عن الحرفي القديم، غير أني لم ألمس هذه التجربة في مكان له سمات جامعة لعدد كبير من الحرف لقصر المسافر خانة فالمرء هنا يعيش ويجرب وظائف هذا المعمار وهي تتبادل الحوار مع الانسان بحيث تكون في خدمة نموه وهو يعيش حياته اليومية.يصف عبدالمنعم عبدالقادر احدي زياراته لزهران سلامة في المسافر خانة كاشفا عن هذه العلاقة الفريدة بالمكان فيقول: ذات مرة قصدت زيارته، فوجئت به منكبا علي هذه الأرضية المزخرفة مفترشا عددا من أوراق الكلك العريضة يضغط عليها بأقلامه ليستخرج بصماتها وتصميمها باحترام وتوقير جعلني أجلس بالقرب منه ولم يرفع رأسه نحوي سوي مرة واحدة، وأكمل ما كان يستغرقه، بعدها قام وجمع أوراقه ودخلت معه مرسمه فبسط ورق الكلك بترتيب معين أكمل نواقصه بسرعة فبدت بصمة الرخام جلية من خلال خطوطها المتوازنة والمتقاطعة والمتعانقة.ويضيف عبدالمنعم عبدالقادر أن زهران سلامة كان يترك بيته بعد صلاة الفجر حتي يدرك أول لقاء للنور يقع علي المسافر خانة ويكون قد أعد أدواته وحامل رسمه قبلها بيوم ليكون في حضرة حوار الأنوار المباشرة والمصفاة والمرقشة دوائر ومثلثات ذهبية اللون من خلال فتحات خشب المشربيات ـ موسيقي وضوء ونور، وظلال وأشباها، وموسيقي آتية من خارج مجهول متداخلة ومتموجة متمازجة بأصوات حمائم وطيور وبشر.أما زهران سلامة الذي أثري الحركة التشكيلية المصرية كواحد من أهم فناني حركة التصوير المصرية الي جانب الفنان الكبير حسن سليمان فقد أصدر كتيبا صغير باهداء بالغ الرقة والقسوة في آن معاً، فهو علي جانب التشكيل صاحب قلم بارع بحق ومثقف عميق الثقافة، وهو ما يعكس في نفس الوقت قدرة سلامة اللغوية، وهي قدرة ليست جديدة بالطبع اذ أنه واحد من التشكيليين القلائل الذين يحسنون التعامل مع النص الأدبي وعلي تواصل دائم معه يقول زهران في اهدائه:الي مصر، هذا التجلي من تجليات كنزها المستور، أيا مصر، كم استباحك البداة الغزاة من أبنائك ومن غير أبنائك، الذين ركبوا مراكب القوة الغاشمة والنهزة المختلسة، والذين قد تردعهم المعرفة اذا كان لهم نصيب في الرحمة.والي أصحاب النوايا الطيبة من أبنائك المخلصين الذين تراءي لهم أن طريق النهضة هو في اقتناء سر غير سرك المستور، فانتهوا بنا الي ما نعيشه من شقشة وفوضي..!والي أبنائك الذين أنكروك فأحبوا المال حبا جما، وأكلوا تراثك أكلا لما، وتصوروا أنهم اذ يفعلون هذا قد أباحوا قدسك لأولاد الحرام.يقدم زهران سلامة معرضه بتذكر ما قاله له أحد أصدقاؤه من أن يقيم معرضا لأعماله عن المسافر خانة في مناسبة كارثة احتراقها، لكن زهران رأي أن ذلك من الممكن يبدو نوعا من المتاجرة بالمأساة فتعفف عن فعله، وحسبما يعبر هو لم أفعلها خجلا من حب انقطعت أواصره بيني وبين المسافر خانة أولا، وحزنا كابسا ممن شاركوا في الجريمة البشعة، وخيبة أمل من أن من فعلوا أفلتوا من القانون أو هم فوق القانون، ويذكر زهران سلامة أنه لم يذهب أبدا لرؤية المسافر خانة بعد احتراقها ـ وحسبما يعبر ـ كان ذلك احتراما لعريها الفاجع ولخيالي أن تتأبد فيه صورتها البائسة، ويضيف زهران: الآن أقيم معرضا عنها بعد ست سنوات ونصف وقد تكيفت حياتي بشكل مغاير، أحد أسبابه الرئيسية هو المسافر خانة كاطار أول ثم هناك أطر أخري عديدة ساهمت في هجرتي نحو الصحراء.الجدير بالذكر أن زهران يعيش الآن في صحراء رأس سدر علي البحر الأحمر وسط بيت متواضع ومرسم لا يتجاوز هذا التواضع، لكنه يحاول دائما أن يجعله جنة من نوع خاص، وذلك منذ أن تم طرده وجميع التشكيليين المصريين من قصر المسافر خانة.ولا يخشي زهران سلامة أن يذكر بل يؤكد أن حريق المسافر خانة كان مدبرا ولا يمكن لحريق خارجي في أحد مقالب الزبالة ـ حسب الصحافة الرسمية ـ أن يلتهم المسافر خانة ويقضي عليها قضاء مبرما، ويذكرنا زهران بأن هذا المكان كان محط أحلام وزراء الثقافة منذ يوسف السباعي أن يحولوه الي مطعم سياحي أو فندق، ولن تسنح فرصة عمل ذلك الا بتدميره حتي لا يعود اليه أحد للمطالبة به، ويذكر أن وزير الثقافة في تصريحاته عقب الحادث قال انه سوف يخصص ثلاثين مليون جنيه لبناء مسافر خانة جديدة، وهذا لم يحدث منه شيء حتي الآن، هذا فضلا عن عبثية التصريح نفسه الذي لا يعني الا الاستخفاف الكامل بالقيمة التاريخية لمثل هذا المكان الذي لن تفلح كل أموال العالم في اعادته الي الحياة بعد تدميره.ويذكر زهران سلامة أن هذا المصير الذي لاقته المسافر خانة لم يكن مفاجئا علي أي نحو، ويشير هنا الي أنه ومنذ أن كان مراقبا للمراسم داخل هذا الأثر كان يرصد عدم الادراك لأهمية المكان لدي موظفي المركز القومي للفنون التشكيلية الذي يتبعه الأثر، وكانت هذه المسؤولية تتحصل في دفع فواتير الماء والكهرباء ويضيف انه بسبب كثرة مطالباته بتحسين شروط المكان كان لابد ـ بعد ترك الفنانين للمكان ـ أن يغادر زهران سلامة نفسه مقر مرسمه وقد فعلت الوزارة ذلك بالفعل وعن طريق الشرطة.ويذكر زهران سلامة أن تدمير التاريخ المصري ليس جديدا علي الحكومات المصرية المتعاقبة ويضرب عددا من الأمثلة علي ذلك منها احتلال وزارة الداخلية لواجهة بيت القاضي وتحويله الي قسم شرطة الجمالية، واحتلال وزارة التعليم لسبيل محمد علي بالنحاسين وتحويله الي مدرسة، واحتلال وزارة الصحة لـ بيمارستان قلاوون وتحويله الي مستشفي للرمد.أما عن المعرض فيقول زهران سلامة: انها المرة الأولي في حياتي التي أرسم فيها مناظر داخلية، كانت التجربة جديدة تكتنفها غوامض لم أتبين لها طولا جاهرة، قلت لنفسي لم لا اقفز في بحرها لاكتشف الحلول المناسبة، كان المنظر أمامي بالغ الاختلاف عما كنت اعتدت ارتياده في المناظر الخارجية في كل أرجاء مصر، فكل ما ترسب لدي من خبرات فنية في معالجة ألوان وأضواء وعمق وقرب عناصر هذه المناظر الخارجية لم أستفد منه في تجريد المنظر الداخلي، وكان عليّ أن أبدأ بلا رصيد، أتلمس خبرات طازجة تبني لوحة تؤكد أصالة كشوفاتي فاحترم عقلي واحساسي.ويضيف زهران سلامة: في البداية واجهت خمسة سطوح متعانقة هي ثلاث جوانب رأسية حوائط للمكان وخلف حائط ليس داخلي في الرؤية، وسطحان أفقيان يجمعان هذه الحيطان الثلاثة هما الأرضية والسقف، وكان النور والظلمة والألوان متناثرة في خمسة أبعاد في هذا المكان بشكل كاد أن يتأبي عليّ فلا أمسك بتلابيبه، وفي النهاية تكون لو حتي مجرد وهم.وتبدو تجربة زهران سلامة القلقة بحث في الدور أو الوظيفة المنوطة بالفن منذ قديم الزمان، وقد تغيرت ـ بالطبع ـ مواضع التصور الانساني لهذه الوظيفة تاريخيا وكان المعيار الحاكم مختلفا في ظروف زمنية متصلة متناقضة، وفي نفس الوقت فان المعرفة النوعية التي طرحتها معايير جمالية لمدارس فنية مختلفة ساعدت علي تبلور وتجذر الوظيفة وان لم تثبت مشهدها بأي شكل من الأشكال، غير أن التاريخ يؤكد أنه رغم عدم ثبات هذه الوظيفة الا أن التراكم النسبي لقوانين وتعقيدات الفن رسخت بعض القواعد والتقاليد غير الحاسمة، غير أن هذه التقاليد وهذه القواعد ثبت فشلها المطلق عندما اعتقدنا أن الفن يمكن أن يقود الثورات، ويقتاد الفاسدين من أقبيتهم الي غياهب الظلمة، ان مثل هذا القول يمكنه أن يناسب سياسيين فاشلين يعلقون فشلهم علي شماعة الفن.وما نحب أن نختتم به حديثنا عن زهران سلامة هو سؤال نوجهه لوزارة الثقافة ووزيرها التشكيلي، ما الذي فعلتم بزهران سلامة وهو في محنة الاعتزال والمرض، متي سيتم تكريمه، ومتي ستمنحه الوزارة جائزتها، ومتي يتم الانتباه لمشروعه الكبير، أم أن زهران لابد أن يقدم أولا رقبته لقاء هذه الأعطيات، أعلم تماما أن زهران لن يفعلها، وعلي من يتمسحون بالفن في وزارة الثقافة أن يصدقوا لمرة واحدة.0