مثقفون لبنانيون عن اللحظة السياسية الراهنة كأن المثقف كائن خرافي متحول فمن كان شيوعيا صار امبرياليا ومن كان امبرياليا صار اصوليا!

حجم الخط
0

مثقفون لبنانيون عن اللحظة السياسية الراهنة كأن المثقف كائن خرافي متحول فمن كان شيوعيا صار امبرياليا ومن كان امبرياليا صار اصوليا!

ناظم السيدمثقفون لبنانيون عن اللحظة السياسية الراهنة كأن المثقف كائن خرافي متحول فمن كان شيوعيا صار امبرياليا ومن كان امبرياليا صار اصوليا!بيروت ـ القدس العربي المثقف جزء من الحياة السياسية. انه واحد من صانعي السياسة سواء بمعناها المباشر أم غير المباشر، سواء كان في موقع القرار أم في موقع الكتابة النظرية. انه يجلس هناك أيضاً خلف التاريخ: وراء الحاكم أو بين حاشيته، ضد الحاكم وحاشيته، وراء عصر التنوير والثورة الفرنسية وراء الاختراعات والاكتشافات العلمية. ثم هناك المثقف الحزبي والمثقف العضوي الذي تكلّم عنه غرامشي والمثقف المنتمي والملتزم. هناك المثقف الحر والمثقف المنسحب من الحياة العامة والمثقف المشارك بيديه وعقله. هناك مثقف السلطة والمثقف المنفي والمسجون والقتيل والمحرّض. هناك المثقف الذي يعمل علي بثِّ الوعي السياسي في الجماهير أو المواطنين، وربما في وعي الطبقة السياسية نفسها. أجل، قد يكون فعل المثقف في معظم الأحيان بطيئاً يأتي عبر التراكم. لكنه فعل تأسيسي. ولما كان الانسان حيواناً لغوياً فلا بدَّ أن الكتابات الكثيرة تشارك في صناعة هذا الكوكب. ألم يكن نيتشه الأب الثقافي لهتلر؟ علي الأقل هكذا فهم هتلر مواطنه الفيلسوف الذي يكره الألمان الخاملين والانكليز الباردين والمرأة. ألم يساهم شعراء كبار في دعم أنظمة وأحزاب بعيداً عن محاكمة هؤلاء: ماياكوفسكي، عزرا باوند، لوركا، ناظم حكمت، نيرودا، ريتسوس، وربما الجاحظ وأبو تمام والمتنبي وبالطبع ابن المقفع، وصولاً الي حنة أرنت وميشال فوكو وبريخت وبيكيت وروجيه عساف وساراماغو وغونتر غراس وبول أوستر وادوارد سعيد ومحمود درويش وغسان كنفاني وأحمد فؤاد نجم وصنع الله ابراهيم والياس خوري وداوود عبد السيد ومارون بغدادي وبرهان علوية ومحمد ملص والشيخ امام وزياد الرحباني وغيرهم، كلٌّ من موقعه ورؤيته. من العبث ألا تؤدي أطنان النتاجات في الشعر والرواية والمسرح والفكر والفلسفة والموسيقي والسينما والرسم والغناء والدراما التلفزيونية والصحافة، الي تغيير ولو بطيء وتراكمي ليس في السياسة فحسب وانما في مفهوم السياسة وبنيتها ووظيفتها ودورها وعملها. سؤال طرحناه علي عدد من المثقفين اللبنانيين في مجالات مختلفة عن دور المثقف في الحياة السياسية وطبيعة هذا الدور خصوصا في هذه اللحظة السياسية اللبنانية الراهنة وما تشهده من استقطاب وانقسامات. هنا اجابات متنوعة، بعضها غاضب وسلبي وبعضها متفائل وتحريضي، بعضها ساخر وناقم وبعضها منهمك وجاد، لكنها في النهاية تؤكد هذا الدور الذي لعبه المثقف عبر التاريخ في أي موقع كان، سلباً وايجاباً، تواطؤاً وفضحاً، صمتاً وصراخاً. تقويض الأطر السياسية والاجتماعيةحمزة عبود(شاعر) أعتقد أن الحديث عن دور المثقّف في الحياة السياسية يعيدنا، (ينبغي أن يعيدنا) الي طبيعة العمل الثقافي نفسه. وان ما يغيب عن أذهاننا في تناول هذا الدور هو أن سلطة الثقافي لا تتعيّن في حدود العلاقة بين المثقّف والسياسي بقدر ما تنشأ وتتحقق علي نحو مستقل في اطار هذا العمل (الثقافي).ومن هنا فانّ دور المثقّف في الحياة السياسية يكاد يكون بديهياً. الا أن هذا الدور (الذي يتجلّي في المنجز الثقافي) لا يقحم نفسه (بالضرورة) في اعتراضات مباشرة بقدر ما يهيّء لتقويض الأطر السياسية والاجتماعية السائدة.هذا اذا كنا نتحدّث عن دورٍ للمثقّف من خلال أعماله في أحد الميادين (الثقافية أو الفكرية او الأدبية او الفنيّة)…ولكن دور المثقّف لا ينبغي أن يقتصر علي تأثير هذه الاعمال وتعبيراتها، ولا ينبغي أن تحول هذه الاعمال دون انخراطه في الحياة اليومية و الأزمات التي تمنح تجربته أبعادها الانسانية.في أوضاعنا الجائرة منذ عقود طويلة يبدو المثقّف كائناً خرافياً. فانت لا تكاد تجدهُ في يوم أو مناسبة مشهودة في حياة الأمّة. وهو امّا منزّهٌ عن الأحداث والوقائع التي تبدو هامشاً في سيرته الذاتية والثقافية من جهة، وامّا علي حدود المنفي الذي لا يُفقده دوره فحسب، بل يهدّد حياته أيضاً.السلطة تعبير انساني وبديهي. وهي، كما يقول فوكو، حاضرة في كل مكان… تتولّد في كل لحظة ونقطة، بل في علاقة كل نقطة بأخري . وان غياب دور المثقف في العالم العربي، اذن، يكمن في مصادرة سلطة الثقافي التي يمارسها سياسيو أنظمتنا غالباً أو اخضاعه (اخضاع المثقّف) للسلطة السياسية من قبل المثقفين أنفسهم.المثقفون أولاً ثم السياسيونهنري زغيب(شاعر ) يتكرر، عند كل منعطف مصيري، السؤال نفسه: ما دور المثقف في هذه الأزمة؟ وهل فعلاً له دور ؟وتروح الأجوبة تتالي، من كل زاوية وكل منعطف، من كل جهة وكل اتجاه، من كل مثقف وفق موقعه، ومن كل قلم وفق ميوله.علي أنني اليوم، في هذا المنعطف القاسي من تاريخ لبنان الحديث، لا أري أُفُقاً لهذا السؤال وجوابه الاّ واحداً: وجه لبنان.الخطر اليوم هو علي وجه لبنان: لبنان الكيان، لبنان الصيغة، لبنان النظام، لبنان الرسالة الحضارية لكل محيطه.المثقف اليوم، كاتباً كان أم محترفاً في أيّ قطاع ثقافي، عليه الالتزام بهذا الوجه للبنان، لبنان الذي (أخيراً!!!) تنبّه اليه الكثيرون من ساسته فأعلنوا ايمانهم (وأكاد أقول: تابوا بل ثابوا الي ايمانهم) بـ”لبنان أولاً”، وأخذوا به يبشِّرون، واليه يَدْعُون، بعدما كانوا (طوال حقبات متتالية) مشيحين عنه الي قيادات الآخرين وقوميات الآخرين وهويات الآخرين وأوطان الآخرين، ينادون بها ويجاهرون بها ويتظاهرون لأجلها ويعتصمون في سبيلها ويعلنون ولاءهم لها، مشيحين عن لبنان، لبنانهم، مبتعدين عن الولاء له، كرمي لهذا أو ذاك من الزعماء العرب، أو انقياداً لهذه أو تلك من القوميات الأخري، أو انتماءً الي هذه أو تلك من الأيديولوجيات، حتي ثبُت لهم – متأخرين؟ لا يهم، المهم كونهم فهموا – أن وطنهم لبنان كاد يرحل من أمامهم ويرتمي في المجهول حتي يكادوا بعده أن يصبحوا مهمَّشين علي أرصفة البلدان وأعتاب الدول، فهرعوا الي الجهر بتوبتهم وايمانهم بـ لبنان أولاً ، لا يرضون عنها علاقة ولا انتماءً.لهؤلاء نقول: صح النوم ! ودور المثقف اليوم هو هذا: أن ينهر السياسيين: صح النوم . وعند هذه المرحلة الخطرة من تاريخ لبنان، علي المثقف التَّنَبُّه الي دوره الرئيس اليوم: أنه هو القائد لا أهل السياسة، وأنه هو يقود الرأي العام لا أهل السياسة، وأنه هو الذي يعرف كيف يحلم بوطن سعيد قوي متماسك لا أهل السياسة، وأن الرأي العام يتأثر بالمثقف المبدع لا بأهل السياسة الذين أثبتوا افلاسهم وترهُّلهم الفكري وعقم تصوُّرهم وعجزهم عن بناء الوطن السعيد والقوي.المثقف اليوم هو الرائد. فليجهرْ قبل كل الناس بلبنان الوطن الوجه والكيان والهوية والرسالة، وليعلن رأيه في كل محفل ومناسبة ومنبر، ولتتوقّف هذه الخرعةُ في المناداة بأوطان الآخرين قبل الوطن، والارتماء في أحضان الأيديولوجيات التي تذيب الوطن في محيطه حتي يذوب الوطن هويةً وكياناً في محيطه ويصبح نقطة يجرفها محيطه، وليفهم المثقفون أن يقودوا شعبهم الي الايمان: الايمان بلبنان الذي لا سقف لهم سواه، ولا أرض لهم سواه، ولتسقط جميع أيديولوجيات الدنيا أمام آخر طفل من شعب لبنان، وآخر شبر من أرض لبنان، وأعتق زيتونة وسنديانة من بساتين لبنان، وليفهموا جميعاً – مثقفون ومن ورائهم السياسيون – أن التمسُّك بالوطن لا يكون بالشعارات ولا باليافطات ولا بالاعتصامات ولا بالمظاهرات والمظاهرات المضادة، ولا بالشعائر والشعائر المضادة، ولا بالتصاريح والتصاريح المضادة، بل يكون ببناء جيل جديد يؤمن أن وطنه هو لبنان اللبناني من دون أية هوية أخري يلصقونها به، ومن دون هذه المقولة السخيفة: لبنان وطن نهائي للبنانيين . فهل يعقل أن يقال لأميركي ان الولايات المتحدة هي الوطن النهائي للأميركيين، أو لألماني ان المانيا هي الوطن النهائي للألمان؟ وكيف سينظر هذا الأميركي أو هذا الألماني الينا ونحن نقول له هذا القول البديهي الذي ليس يحتاج الي اثبات ولا حتي الي ذكْر، لأن من الطبيعي أن تكون الولايات المتحدة وطنَ الأميركيين وألمانيا وطن الألمان، فلماذا الحاجة الي تأكيد أو اثبات ما هو بديهي؟التأكيد أو الاثبات عند الآخرين نافل، لكنه عندنا كان ضرورياً بعدما الكثيرون من السياسيين والأيديولوجيين اللبنانيين قدّموا أوطان الآخرين علي وطنهم لبنان فلا هم انتموا الي تلك الأوطان أو هي قبلت بهم مواطنيها، ولا عادوا منتمين الي وطنهم لبنان، فأصبحوا علي أرصفة اللامكان، وعندها استفاقوا تابوا صارخين: لبنان أولاً .دور المثقفين اليوم؟ أن يضيئوا علي هذا الأمر: لبنان الوجه والكيان والهوية والرسالة، وأن ينقاد وراءهم جميع السياسيين.قادة الرأي العام هم المثقفون.فليقوموا بدورهم، والا- اذا كانوا سيبقون أتباع السياسيين والسياسيون يقودون- فلا كان هؤلاء، ولا كان المثقفون.أساتذة الحياةضد أنواع الموتجمانة حداد (شاعرة، مسؤولة صفحة أدب فكر فن في صحيفة النهار )يقول الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا: الأدب موجودٌ لأن الحياة لا تكفي ، ويقول الكاتب الفرنسي جان جيونو ان الشعراء هم أساتذة الأمل : جملتان تجسّدان أكثر ما تجسّدان بالنسبة اليَّ دور الثقافة في حياتنا، خصوصاً في خضم الزلازل المصيرية التي تجتاح لبنان اليوم، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وعلي الأصعدة كافة. في هذا المعني، لا يهدف العمل الثقافي في رأيي الي توليد منبر وملتقي فحسب، بل يتوق الي اختراع وطن أدبي و فني مواز لأن وطن الحياة والواقع والسياسة لا يكفي. عملنا الثقافي في جريدة النهار ، وعملي الشخصي، يجتهد في سبيل توليد هذا الوطن الثقافي المتعدد الهوية والوجه والتوجّه. في هذا المعني لا يعود المثقف محض مثقف فحسب. انه ضمير وضوء في العتمة. ولا تعود الصفحة الثقافية محض صفحة ثقافية. انها وطن. ومن طبيعة الوطن أن يكون بيت الذات والآخر في آن واحد، وأن يكون منفتحاً ورحباً ومتعدداً ومتنوعاً. وأن لا يكتفي بنفسه. وأن لا يطمئن الي ما هي عليه هذه النفس، بحيث يصنع مناخاً تتوالد فيه حيوات كثيرة ومختلفة. في غمرة ما يتهدد الأوطان، وخصوصاً ما يتهدد وطني لبنان، من أخطار وتحديات، أخذنا علي أنفسنا في صفحتنا الثقافية أن نشيّد لنا وطناً لا يستطيع أيّ خطر وأيّ ارهاب وأيّ حروب وأيّ مآزق سياسية أن تنال منه: انه وطن الثقافة والخلق والبحث والحرية والسؤال والانفتاح علي الآخر و الحوار الحقيقي. ولا يستطيع أيّ طغيان، مهما بغي، أن ينال من هذا الوطن في شيء.لأجل ذلك، تكمن احدي أهم مسؤوليات المثقف وأرقاها، في أن يكون أستاذ حياة . وأجمل عملية مقاومة يمكن أن يقوم بها هي أن يعلّم الناس حبّ هذي الحياة، ضد كل أنواع الموت التي تهددنا. وما أكثرها.تعزيز ثقافة التمرّدأحمد قعبور (مغنٍّ ملتزم وموسيقي) اذا كان المقصود بمصطلح المثقف هو الانتماء الي أيديولوجيا معينة أو مشروع سياسي معين، فلا يمكن أن يشكل ذلك مساحة للنتاج الأدبي والثقافي، اذ ان هذه المساحة هي مساحة انسانية حقيقية تتجاوز بحدودها الأيديولوجي والعقائدي لتطال قيمة الانسان التي طالما انتهكت من الأيديولوجيات والعقائد. وبالتالي يكون دور المثقف الفعلي هو التأكيد علي معني الحرية والكرامة الانسانية من دون أن يعفيه ذلك من اتخاذ موقف سياسي واضح كي لا يتحول الي بوق متلوّن.المثقف يساهم بشكل فعلي في تعزيز ثقافة التمرد علي البشاعة، بالتأكيد علي قيمة الجمال وعلي قيمة الحق مقابل الباطل. وهذا لا يعني أبداً أن يظلَّ المثقف كتلة جامدة علي مرِّ السنين. عليه أن يتجاوز نفسه ويتمرد عليها أسوة بتمرّده علي كل ما هو جاهز. وهذا التجاوز لا يمكن أن يكون انقلاباً، انما مواكبة حقيقية لتطور الحياة وايقاعها اليومي. سقوط المثقف اللبنانيعبيدو باشا (ناقد مسرحي) ليس التريض مقتصراً علي علوم الفلك والبصريات الدارجة في الحياة الثقافية اللبنانية. وسع سجال التريض منذ سنوات. أضحي سجال التريض سجال المثقفين اللبنانيين الذين هاموا شوقاً – قبل ذلك – بكل ما له علاقة بالشعارات والانتفاضات والقضايا. تريضهم تريض القافز من ضفة الي ضفة. أضحوا في الفترة الأخيرة، من جرّاء ذلك ـ علي علاقة واسعة بكل ما له علاقة بالمحن.وعليه، باتوا يحتقرون غيفارا بعدما مجّدوه طويلاً. ولعلهم أضحوا من ألد أعداء الثورة الكوبية القديمة. ولن يعوزهم بعدُ أن يسمعوا ببريخت أو بما له علاقة بالرواية الجديدة أو بماضي الانشاءات في بيروت والعالم، بعدما روّجوا لكل جديد في القديم. انهم أصحاب فلسفة طبيعية في الراهن، نقلتهم من متن كتاب الي متن كتاب آخر. لا فرق بين المتنين عند المثقفين طالما أن المتنين هما متنا سلطة.علاقة المثقف بالسلطة تدوّرت زواياها. وهي حقيقة تتجلي بوضوح تام عند تأملنا مسيرة بعض المثقفين، وبيروت تتأمل هذه المسيرة. لقد خطوا في انحيازهم هذا منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية في طبعتها الأخيرة. باتوا براغماتيين أكثر. ويعرفون من أين تؤكل الكتف بلحمها الحي أو مملحاً بالأطايب وليس بالملح وحده. سقطت في ميكانيكاهم الجديدة هذه شواهدهم المغبرة المقيدة عداءهم للسلطة علي الاطلاق. أنجزوا هذه المرحلة قبل أن ينتقلوا الي المرحلة الجديدة، مرحلة الالتحاق بالسلطة. ولبنان سلطات متنازعة علي السلطة. أصبحوا أو أمسوا أبناء السلطة، اثر تمردهم عليها لسنوات طويلة. لا صلة لهم بعد بالعلم الأفلاطوني أو بمدينة الفارابي أو بالعلم الفيثاغوري.لن يأبهوا بعدُ بأرسطو ولا بابن الهيثم أو البيروني. لأن مهاراتهم الراهنة مهارة ركوب الموجة فوق الماء الطائفي والمذهبي. سقطت في طرقاتهم، بل انتهت أوصاف المثقفين القديمة. لا مثقفَ عضويا بعد ولا هو هامشي. انه ما هو عليه. ونقطة علي السطر. الأمثلة كثيرة. غير أننا لن نخوض في مجال الأسماء، اذ ان المثقفين هم مثقف واحد تقريباً في لبنان أو في بيروت بالتحديد. لا علامات علي اختلافهم وهم في حركة أوجهم يروّجون لهذا الزعيم أو ذاك. يرفعون هذا الزعيم أو ذاك، أو يشتمون هذا الزعيم أو ذاك، في مصلحة هذا الزعيم أو ذاك. هذه أرضهم الجديدة. هذه سماؤهم الجديدة. لذلك قلّت الترجمات. لم يعودوا بعد في حاجة الي أفكار الآخرين الجديدة لكي يختبروها في حيواتهم السديمية. وهذا غير ما يُشاع في الأوساط الأكاديمية الراقية وغير الراقية في أحيان. تتواتر الأخبار – من جرّاء ذلك – عن بطلان العلاقات القديمة بين مثقف وآخر. لقد استنفدت لجنة الحوار المسيحي – الاسلامي (وهي لجنة متواضعة الدور وكاريكاتورية الدور) آخر حواشي المثقف في متن السلطة. لم يعد الأخير صاحب خيار العقل الخالص والأنسنة ورفض الفكر الأرسطوي والمناهج الرياضية الجامدة وهـــــم يتراشقون بالألسن أو الأيدي في المؤسسات العامة والخاصة وفي الصحف. لا خوف عليهم، أبطال المرحلة الجديدة – وكل المراحل – لأنهم غالباً ما استندوا علي خطط التناسب والهندسة المعمارية في العلاقات القائمة بينهم. الشيوعي صار امبريالياً بالوصفات الأميركية الراهنة. والامبريالي القديم صار أصولياً لا يهمه سوي التطابق بين الأعداد والأشكال.أستطيع أن أبشّر بأن المثقفين اللبنانيين شفوا في الآونة الأخيرة من سم الفلسفة ومن سم العلمانية ومن سم الانفتاح والتواصل والتواضع. ولن يبحثوا عمّن معهم وعمّن يخون وهم يستبدلون أقدامهم بأقدام الأرانب. رحمة الله علي حسن قبيسي الذي توفي نفسه منذ فترة قصيرة لأنه تحسس – علي الأرجح – ما سوف تؤول اليه أحوال المثقفين بعدما آلت اليه. رعبه من صورة المثقف قتله. لا صفة مختلفة لأشكال المثقفين. انتهي عهد ذلك. أصبح من الكماليات الفاضلية خارج حسابات الاحتمالات. انهم خارج الشوط الخاص بالعلم الحديث والمعاصر. سقطت تواريخ الميلاد النسبية لديهم. باتت تواريخ ميلادهم تاريخاً واحداً، هو تاريخ التعنت النيوتوني. أخطر ما في الراهن اللبناني – من وجهة نظر المثقفين اللبنانيين – سقوط الأطاريح الخاصة باحتمال وجود امكانات أخري وعديدة. مثقّفو اليوم يقودون التقاتل في لبنان بغطرسة وعنصريّة هائلتين. شيء خارج التصوّر أن تري مثقّفاً يقود سياسياً الي ترويع المواطنين. آخر المشاهد المختزنة لدي: مثقّف يعاني من عقد نقص يروّج للعنصرية. ويقود سياسياً الي حرب ليست حرباً والي أن يخلع عن نفسه وناسه قصص التوحيد والوحدة والواحديّة في صالح تواترات وتوتّرات وتقلّبات ارادة القوّة. العلوم تنافس المثقفصقر أبو فخر(كاتب صحافي، سكرتير مجلة الدراسات الفلسطينية ) جميع الحركات السياسية الكبري التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين قامت علي أيدي مثقّفين ومفكّرين من مشارب شتي. هكذا كانت الحال مع الأحزاب القومية ومع الأحزاب الاشتراكية في الدرجة الأولي. ان ساطع الحصري وميشال عفلق وقسطنطين زريق وأنطوان سعادة، علي سبيل المثال، هم مفكرون ومثقّفون قبل أن يكونوا سياسيين. والأحزاب الشيوعيّة منحت المسألة الثقافيّة أهميّة خاصة في ميدان عملها. ولهذا احتدمت السجالات الفكرية والعقائدية بين التيارات السياسية المختلفة، الأمر الذي أخصب الحياة الفكرية العربية اخصاباً ثقافيّاً غنيّاَ. وبهذا المعني فان المفكّر يؤثّر مباشرة في الحياة السياسية ما دام اختار لنفسه أن يكون مثقفاً طليعياً. لكن، لن يكون له أي تأثير مباشر حينما يختار مسلك المثقّف المعزول أو المستقل. وفي هذه الحال، فالمفكّر يؤثّر، لكن علي المدي الطويل، تماماً مثل الخمائر النافعة التي يظهر أثرها بالتدريج. في جانب آخر، كان للفكر الديني تأثير قوي في المجتمع والأفراد. لكن هذا الفكر بقي مجرّد فكر استعادي، لا تجديدي علي غرار الفكر القومي العلماني أو الفكر الاشتراكي الثوري التغييري. لذلك ظلَّ الفكر الديني غائباً عن الوعي المتجدد، وحاضراً في الجوامع والكنائس والتكايا وأحياء الفقراء في المدن الرثة.غير أننا نلاحظ أن بعض الحركات السياسية الكبري لم تستند الي أي نص فكري في تأسيسها، ولم تنتج نصاً فكرياً لامعاً. فحركة فتح مثلاً يكاد لا يوجد في أدبياتها التأسيسية أي نص فكري، ما عدا بعض اللمحات العامة. وحتي جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي، مؤسسو حركة القوميين العرب، لم يصوغوا أفكاراً تجديدية ثاقبة في ميدان التفكير، وجل ما صنعوه هو تحويل الفكر القومي العلماني كما ظهر علي يدي قسطنطين زريق الي حركة سياسية غير مفكرة الا بالقدر القليل. مهما يكن الأمر، فانّ السياسة الواقعية في العالم العربي تحط من قدر المفكر، وتمنعه من التفكير باستقلاليّة، وتقصي روح الابداع والتجديد والنقد لديه، وهي الشروط التي لا بد منها لأي تفكير جديّ. وفي هذا السياق اهتزّت صورة المثقّف كثيراً في نهايات القرن العشرين، ثمّ فقدت بريقها وجاذبيّتها، فما عاد أحد يثق بقدرة المثقّف علي التنوير والتأثير، لأن ما يجري الآن يتم بخلاف ما كان يقوله أو يدافع عنه أو يطالب به أو ينتظر حدوثه. وصار المثقّف مثل السياسي: صاحب سلطة ويمارس العنف ومن دون مصداقية. صحيح أن سلطة السياسي مادية، بينما سلطة المثقّف رمزيّة، غير أنّ العنف الرمزي لدي المثقّفين هو نوع من التسلّط علي العقول، تماماً مثل تسلّط السياسي علي الأجساد. وفي أي حال، فانّ تأثير المثقّف العربي في الأحداث بات في الحضيض ولا سيّما بعد الخيبة الفكرية التي حاقت بالمثقّفين الطليعيين، وجراء الفشل المعرفي لهم وتخطّي العلوم الحديثة دورهم. وفوق ذلك فانّ العصر الجديد نفسه راح يُقصي المثقّف عن دوره التقليدي. فقد حلّت العلوم الدقيقة وثورة المعلومات والاتصالات وعلم الجينات وتطبيقاته في مجال الغذاء والانسان محل النظريات الكبري. وللأسف، فانّ ما يلائم هذا العصر هو الابتكارات العلمية والأفكار الخلاّقة لا النظريّات الكبري. وها نحن، في العالم العربي، نكتشف أن مفهوم المثقّف العضوي، الذي سحر البعض في احدي المراحل، انّما ينطبق علي رجل الدين بالتحديد الذي عاد الي الظهور بقوّة الآن، وكأنّ العالم العربي لم يبدأ بعد رحلة الخروج من قفص الماضي ومن الارتباط الخرافي به.ان الصورة الغالبة للمثقّف العربي هي صورة مثقّف الأحزاب صاحب العقيدة والمدافع عنها والمروّج لدعايتها. وهذه الصورة انهارت تماماً وباتت بلا تأثير مع انهيار المثال القومي التحرري وصعود أفكار الهويّة التي تغتذي علي الفقه وعلي التدين الشعبي وايمان العجائز وركام التراث ومزابله، وكذلك مع انهيار المثال الماركسي وانحسار أفكار النهضة والتقدّم.انّ المثقّف الحقيقي هو المثقّف النقدي المستقل الذي ينتج ثقافة مناوئة للركود. وهذا المثقّف ما زال الميدان أمامه فسيحاً في عالم هائل من الاضطراب والبلبلة. الأجدي السؤال عن ميول الناس السياسيةصباح زوين(شاعرة ) علي الرغم مما هو سائد وقائم في الأوساط الثقافية، وهو أنه غالباً ما تكون علاقة المثقف بالسياسة علاقة يسار في المعني الضيق أو الأوسع لهذه الأيديولوجيا، فعلاقتي أنا بالسياسة، الطويلة، والحرّة، والوثيقة، لم تنطلق يوماً من جهة اليسار. واذا ارتبطت دائماً كلمة مثقّف بمفهوم اليسار ، فلأنّ معظم المثقّفين هم يساريوّن، موالون أو ملتزمون. الا أنني لم أنظر يوماً الي الثقافة والسياسة بهذه العين، بل لم أرَ يوماً ضرورة هذه الصلة التي أصبحت شبه تلقائية لدي الجميع تقريباً. وفي أي حال لم ألتزم يوماً مع أيٍّ من التيارات الأيديولوجية الأخري، الشبيهة أو غير الشبيهة، ايماناً مني بالحريّة المطلقة. مع ذلك لا أقصد بالحريّة، الحيادية أو عدم الاكتراث علي الاطلاق. بل أكثر من ذلك وعكس ذلك، فأتحمّس كثيراً لبعض السياسات وأنفر من بعضها الآخر لكني أفعل كل هذا ضمن هامش حريّتي الفردية حيث لا قسم يمين ولا ارتباط واجب وفرض وما شابه. واذا لم أكن يوماً يساريّة فلأنّي لم أؤمن يوماً بأي نوع من أنواع الجمود، أعني جمود الدوغما التي لا تستطيع سوي أن تكون كذلك. وأكثر ما يزعجني في الدوغمائيات والأيديولوجيات هو تعسّفها وشموليّتها وتوتاليتاريّتها، أي عدم قبولها الآخر، شأنها شأن كل دين أكان سماوياً أم سياسياً. لذا لم ألتزم يوماً، لا يساراً ولا يميناً. لكني تكلّمت علي اليسار بشكل خاص اذ كما قلت آنفاً، كلمة يسار ارتبطت دائماً بالمثقّف هنا وعالمياً. لكن في النهاية ما معني يسار ؟ وهل هو أمر ضروري لا مفرّ منه الي أن أصبح مفخرةً أن نفكّر بهذه الطريقة : أنا مثقّف، اذا أنا يساري أو أنا يساري، اذاً أنا مثقّف ؟! بكل صراحة ، وبكل بساطة، لم أفهم يوماً، أو لا أفهم حتي اليوم، ما علاقة هذا بذاك. لذا من المفترض أن أطرح أيضاً هذا السؤال : ما معني مثقّف ؟ وهل يجوز للمثقّف أن ينتقل حراً بين الأفكار، آخذاً منها ما يحلو له، مصطفياً من كل واحدة ما يروق له، ورامياً في البحر ما لا يتلاءم ونظرته الي العالم؟ كتبت قبل سنوات مقالاً انتقدت وقتها فيه كلا الاتجاهين، أي الشيوعية والرأسمالية وحتي كنت أكثر عنفاً مع الثانية منه مع الأولي. الا أن أحد القراّء، كما يفعل ربما معظمهم، لم يرَ في المقالة سوي السلبية التي تناولت بها الشيوعية أو اليسار، وانتقدني. فلم ألبث أن ذكّرته بأني كنت أيضاً جداً سلبية ازاء الرأسمالية، لكنه أبي أن يفهم أو أن يسمع أو أن يستوعب. خيّبني ردُّ الفعل هذا لأني أيقنت أن بعض المثقفين ليسوا مستعدّين لاعادة النظر في أمور كثيرة، منها الأفكار الخشبية في السياسة وفي غيرها. زرت روسيا أيام الاتحاد السوفييتي ، فخيّبتني الشيوعية، وعشت في أميركا الشمالية، فأخافتني الرأسمالية. وقد يكون أفضل نظام، هو نظام الـ ويل فير ستايت وقد أسمّيها اشتراكية بعض بلدان أوروبا الغربية، ولمَ لا كندا، الا أن الغول الرأسمالي هو الذي يسيطر عليها في النهاية. تماماً كما سيطرت لعقود الشيوعية علي بذور الثورة الأولي أو البولشيفية، بحيث أنني تساءلت مرّة في نقاش حول طاولة مستديرة، لماذا الشيوعية في مسقط رأسها قمعية وتسلّطية في حين أنها في البلدان الأخري من أوروبية وسواها تقتبسها، تكون ثورةً حرّةً وصوتاً صارخاً مطالباً بالعدالة؟! هذا يعني أن الشيوعية لا تستطيع أن تعيش وأن تستمّر سوي كهامش رافض في المجتمعات غير العادلة ، اذ ما ان أصبحت مؤسسة ودولة وسلطة تحوّلت الي القمع، شأنها شأن كل سلطة تصطبغ بالشرعية الدستورية. رأيت بأمّ العين أن الشيوعية، في فيلم دكتور زيفاغو ، وفي البيان، وفي المظاهرات الطلابية، ليست سوي حلم ثورة نعشقها في حقبة من حقبات حياتنا، ثم نستيقظ منه خائبين. أما الرأسمالية فهي كابوس حقيقي من أوّله الي آخره، كابوس خفيّ، في حين يكون ظاهره ملوّناً بأحلام الرفاهية الكاذبة. لكني لا أنكر أنه مع الشيوعية علي الأقل، الفرد يعتاد علي الكسل (بائعة في السوبرماركت مثلاً لا تهتم بالزبون ولو أتيح لها أن تركله فلا تتأخّر : بكلام آخر، لا يهمّها ان اشتري او لم يشترِ، فراتبها مؤمَّن في نهاية الشهر. بينما البائعة في سوبرماركت كندا مثلاً، تعيش ضغطاً كابوسياً اذ انها إن لم تفلح في البيع الكثير قبل نهاية الشهر تُطرد)، بينما مع الرأسمالية علي الفرد أن يقوم بمجهود يوميّ هائل كي لا يفشل. لكن اليوم اليسار عامةً اندثر ولا يبقي سوي الوجه الجديد للرأسمالية، ألا وهو العولمة الطاغية والفاحشة. وعودة الي علاقة المثقّف بالسياسة اليومية، وقد تكلّمتُ أعلاه عن سياسات عامة، أعتقد أن الالتزام يضيّق الآفاق حتي يصبح بعد بضعة أعوام فارغاً من مضمونه وتصبح الأيديولوجيا شعاراً باهتاً. لذا لم تشدّني يوماً اليها التيارات الحزبية، من حيث المواظبة أو الايمان المطلق، ولو أني مع ذلك أحبّذ هذه السياسة أو تلك، بل أتحمّس لها ضدّ غيرها،الا أني أترك دائماً مسافة، هامشاً لي. ثم ليس ثمّة من علاقة بين النتاج الفني أو الفكري للمثقّف وعواطفه السياسيّة. رأينا هذا خصوصاً في ألمانيا، وصدم العالم عندما علم أن هايدغر الكبير كان علي علاقة وثيقة بالنازية. كذلك الأمر بالنسبة الي غونتر غراس. وأعتقد هنا أنه بدل أن نتساءل حول طبيعة نظرتنا الي السياسة، أن نتساءل علي الاختلاف في طبيعة الناس وفي السبب الذي يجعلهم يختارون هذا الاتجاه السياسي أو ذاك. ما الذي يجعل فيلسوفاً كبيراً يرتبط بفكرة سياسية تؤمن بالغاء الآخر وبالعرقية؟ ما الذي يجعل روائياً أو شاعراً مهماً يؤثر التيارات اليمينية؟ يقولون في علم السوسيولوجيا، انّ هذا النوع من الناس يكون متسلّطاً. لنفترض أن هذا صحيح، فكيف جمع شخص واحد بين الفكر الواسع والعاطفة الضيقة (أليس الانتماء السياسي انتماءً عاطفياً ازاء شعبنا أو جماعتنا أو عرقنا أو بلدنا؟)؟ لذا أضيف أسئلة علي أسئلة، وأتساءل من هو المثقّف، ما هو دوره في السياسة علي ضوء تناقضات كهذه، ثم أوليس اليمين نوعاً من الرومنطيقية الحنينيّة، في حين أنّ اليسار هو نوعٌ من اليوتوبيا، أي الرومنطيقية المستقبلية؟ في أي حال، وأياً كانت الأجوبة، ثمّة واقعٌ لا مفرَّ منه، وهو أن المثقّف (وغير المثقّف) لا يعيش من دون سياسة، ولا يمكنه أن يكون خارجا في حياته اليومية. فالسياسة جزءٌ من حياتنا للأسف. أقول للأسف لأنّ غالباً ما يكون الأمر مضنياً، لكن هذا قدر المثقّف: أن يتنفّس سياسة وشعراً معاً (قد يكون المثقف الذي أتكلم عنه الآن شاعراً)، أن يفكر سياسة وشعراً في آن، حتي لو أنّ السياسة لا تدخل بالضرورة ودائماً الأعمال الفنية أو الفكرية. وكأن السياسة جزء من الهواء الذي نتنفسه، فهو حاضر حتي من دون عمل فني. انّه حاضرٌ بقوة، وعلي حياتنا أن تتقولب بحسب تقلباته. وما نعيش اليوم في لبنان ليس سوي ذلك، نحن الحالمين والراغبين في الحياة نري أنفسنا وقد حشرنا أكثر من مرّة ورغماً عنّا في نفق يصعب الخروج منه. ما نعيشه اليوم هو هذا الجزء المضني من السياسة، حيث القلق يتأكّلنا والخوف يحوطنا وليس من حيلة في يد المثقف سوي أن ينتظر، وأيَّ انتظار! وفي حالات كهذه، قد تكبر طاقة المثقّف الداخلية فيترجمها شعراً أو دراسة، انّما طاقته الخارجية، الجسدية، فتتضاءل. قد يكون من ناحية أخري هذا مصيرَ المثقّف، أن يعيش انفصاماً دائماً، ومن الانفصام يأتي القلق والأفكار.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية