التشيع السياسي في العراق يهدد سردية الأمة

حجم الخط
0

التشيع السياسي في العراق يهدد سردية الأمة

د. بشير موسي نافعالتشيع السياسي في العراق يهدد سردية الأمةليست القوميات نتاج وعي أزلي أو وراثي. تنشأ القوميات وتتطور في سياقات تاريخية معينة. وجد العرب والانكليز والألمان، مثلاً، منذ قرون بعيدة، ولكن وعي كل أمة بذاتها كأمة لم يأخذ في التبلور الا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وقد وفر تطور وسائل الاتصال، الكلمة المطبوعة، المدرسة والجامعة الحديثة، تضخم المدن، والانهيار التدريجي لروابط الاجتماع التقليدي، الظروف الموضوعية الضرورية لولادة الوعي القومي. في بعض الحالات، لاسيما خارج النطاق الأوروبي الغربي، حيث ولدت القومية للمرة الأولي، لعبت التحديات الخارجية دوراً رئيساً في نشوء ونمو فكرة الأمة. ولتوكيد وجود الامة، لانتشار الفكرة القومية من دائرة النخبة الي أوساط الشعب وفئاته المختلفة، لابد من بناء سردية خاصة بالأمة، سردية تكفل صياغة الهوية وتعيد الهوية صياغتها باستمرار، سردية تتسلل الي قاعات الدرس، الي سطور الصحف، الي نشرات الأخبار، الي الغناء والموسيقي، الي الرسم والمسرح، الي المتحف وكتب الجغرافيا، والي الشعر والرواية. سردية الأمة هي وعي الأمة الجمعي بذاتها كأمة؛ وما ان تكسر هذه السردية، تقوض، أو تنهار، حتي تتعرض الأمة ذاتها للانكسار أو التقويض أو الانهيار.خلال المئة عام الماضية، ومثل كل الأمم الأخري، بني العرب سرديتهم كأمة. لعبت أسطورة النقاء العرقي دوراً مركزياً في أغلب القوميات الأوروبية؛ ولكن الآباء العروبيين للفكرة العربية، وقد كان أكثرهم من المسلمين الاصلاحيين، رفضوا العنصرية المضمرة في موضوعة النقاء العرقي، وجعلوا الميراث التاريخي والثقافي واللغوي ركيزة الفكرة العروبية. السردية العربية هي سردية اللغة المشتركة؛ سردية المتنبي وأبي تمام؛ الفتوحات الاسلامية الكبري؛ النصوص المؤسسة للتاريخ العربي ـ الاسلامي، للفقه والحديث، للنحو والصرف؛ سردية الغزو المغولي والحملات الصليبية؛ سردية مقاومة الاستعمار الأوروبي الحديث؛ ولادة الحركة العربية في مواجهة التتريك وتقسيم المنطقة عشية الحرب العالمية الأولي؛ النضال من أجل الاستقلال والتوحد حول فلسطين والجزائر ومعركة السويس؛ وهي سردية هزيمة حزيران/ يونيو 1967 وانطلاق المقاومة الفلسطينية؛ سردية المقاومة في جنوب لبنان وانتفاضات الشعب الفلسطيني؛ سردية السياب وعبد الصبور ودرويش. تتجاوز هذه السردية حدود الدولة القطرية، تجمع أبناء الدار البيضاء بأبناء القاهرة ودمشق. ولا توحد هذه السردية مواقف العرب من الأحداث الكبري والتحديات التي تواجههم وحسب، بل تعيد هذه الأحداث والتحديات توليد سردية الأمة باستمرار لا ينقطع. يراقب العرب نشرة الأنباء ذاتها عبر الفضائيات الرئيسية، يحتجون معاً ضد غزو العراق، ويتظاهرون معاً لنصرة لبنان.بيد ان سردية الأمة تتعرض اليوم لمخاطر غير مسبوقة. ما لم تستطع الدولة القطرية ونخبها الحاكمة وامتيازاتها كسره او اضعافه، يواجه الآن أكبر تحد له في العراق. الذين ساهموا في الحركة العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، الذين رفدوا سردية الأمة، لم يكونوا سنة أو شيعة، مسيحيين أو مسلمين، لبنانيين أو يمنيين؛ كانوا كل هؤلاء. ولم يكن غريباً بالتالي ان يضم الجيل الأول من العروبيين سنة وشيعة ومسيحيين، أن يلعب مسيحيون عرب دوراً رئيسياً في تأسيس عصبة العمل القومي، حزب البعث، وحركة القوميين العرب؛ أو أن يكون العراقيون الشيعة مكوناً رئيسياً من مكونات الأحزاب القومية في العراق، من حزب الاستقلال الي حزب البعث. ولكن تداعيات احتلال العراق منذ أكثر من ثلاث سنوات، وصعود القوي السياسية الشيعية علي موجة طائفية بشعة، يهدد رؤية العرب لأنفسهـــم كعرب.القوي السياسية الشيعية في العراق ليست بالضرورة شيعة العراق، وتبني هذه القوي خطاباً طائفياً لا يعني بالضرورة وجود مسوغات أيديولوجية متجذرة أو واقعية لهذا الخطاب. لا تمثل هذه القوي شيعة العراق لأن هناك معارضة واسعة لها في أوساط العشائر العربية الشيعية كما في أوساط رجال الدين والمثقفين الشيعة العرب؛ بينما تستمد هذه القوي سندها من خطاب ابتزازي روجت له من بداية الاحتلال في أوساط البسطاء، من سلطة ميليشياتها ووسائل الارهاب التي توظفها ضد معارضيها، ومن الاستخدام واسع النطاق وغير الأخلاقي للمال السياسي. وليس هناك شك ان تاريخ العراق عرف لحظات توتر سنية ـ شيعية، ولكن تلك اللحظات لم تتحول مطلقاً الي أيديولوجيا طائفية، لا أيديولوجيا العزل ولا الابادة؛ والا فكيف يمكن تفسير استمرار الشيعة في العراق طوال أكثر من ألف عام في ظل سلطة سنية مطلقة، أو حتي انتشار التشيع بين عشائر الجنوب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحت عين وسمع المسؤولين العثمانيين السنة. بل ان ما عرفه العراق من تداخل اجتماعي، تعليمي، وسياسي، منذ قيام الدولة العراقية الحديثة في 1921 لم تعرفه حتي المجتمعات الأوروبية الحديثة. ثمة عشائر عراقية تتوزع بين التسنن والتشيع، وآلاف من الأسر العراقية المختلطة. وحتي بروز القوي الشيعية السياسية، لا تكاد توجد حركة سياسية واحدة في التاريخ العراقي الحديث لم تضم سنة وشيعة معاً.بيد ان القوي السياسية الشيعية قامت عن وعي وتصميم، حيناً، وعن جهل، حيناً آخر، باعادة صناعة تاريخ العراق، وصياغة هذا التاريخ في شعارات طائفية وفئوية، تنطلق ابتداء من تصور العراقيين الشيعة كجماعة تفترق عن بقية العراقيين. سوغت القوي الشيعية السياسية تأييدها الغزو الأجنبي والتحالف مع ادارة الاحتلال بدافع التخلص من نظام عراقي مستبد؛ وهو تسويغ يوحي بتوجه عراقي جمعي ودفاع عن حقوق العراق والعراقيين، بغض النظر عن الاتفاق والاختلاف مع الموقف من الغزو والاحتلال. ولكن هذه القوي سرعان ما كرست نفسها كقوة دفع طائفية طاغية، تستهدف فصل شيعة العراق عن باقي العراقيين، سياسة وثقافة وجغرافية وحكماً. ولعل حادثة اعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين تحمل بعض ملامح هذا التوجه. فقد تصور البعض ان البشاعة الطائفية المقززة التي أحاطت عملية الاعدام، من التوقيت الطائفي والصيحات الطائفية الي السلوك البدائي البذيء، مجرد خطأ. ولكن الحقيقة ان أجواء الاعدام ليست عفوية، بل مقصودة، بوعي أو بدون وعي، بنتها القوي الشيعية السياسية العراقية حجراً حجراً. القوي السياسية الشيعية لا تريد لشيعة العراق ان يشعروا بارتباطهم بمحيطهم العربي، لا تريد لهم تقديم اسلامهم علي طائفتهم، ولا تكترث هذه القوي أدني اكتراث بمشاعر العرب والمسلمين. هذه قوي طائفية مغلقة، قوي مريضة، وهي قوي يسيطر عليها شعور بالضعف، تجد في الكهف الطائفي المظلم وسيلتها الوحيدة للبقاء وتأسيس الشرعية.هذه القوي خطر علي العراق، علي الشيعة، وخطر بالغ علي العرب كأمة. هي خطر علي العراق لأن أحلامها المجنونة في السيطرة دفعتها الي مشروع تطهير طائفي وحشي لخلق واقع عراقي منقسم علي ذاته، واقع يكسر مفهوم الوطن، يضع العشيرة في مواجهة ذاتها، يؤدي الي انهيار آلاف الأسر العراقية الشريفة المختلطة، ويزرع تراب العراق بمئات الآلاف من جثث الضحايا. وهي خطر علي الشيعة لأنها تجرهم الي المجهول، تجرهم الي مواجهة لم يريدوها ولا هي في صالحهم بأي حال من الأحوال، مواجهة لا أفق لها ضد أشقائهم العراقيين والعرب والمسلمين.وهي خطر بالغ وغير مسبوق علي العرب كأمة، علي السردية العربية، وعلي طموح العرب في التقدم نحو مستقبل أفضل. باستمرار المشهد الطائفي الدموي في العراق ليس ثمة من وسيلة لتجنب تفاقمه واتساعه ليطال محيطه العربي. فبعد شهور قليلة من التفاف العرب حول مقاومة حزب الله للعدوان الاسرائيلي، تشهد العواصم العربية، وللمرة الأولي في التاريخ العربي الحديث، تصاعد خطاب طائفي مرير. شيعة البحرين، احدي أول دول الخليج تسيساً وتحديثاً، يصوتون في الانتخابات البرلمانية ككتلة واحدة بلا ألوان سياسية. السنة، الذين لم يروا أنفسهم مطلقاً كطائفة، يتذكرون أنهم سنة؛ ودعاوي الهلال الشيعي ، التي اعتبرت مجرد أداة أجنبية لزرع الفتنة والشقاق بين شعوب المنطقة، ينظر اليها الآن بجدية. السياسة الايرانية في لبنان وفلسطين، التي وجدت دائماً دعماً شعبياً عربياً واسعاً، تغرق الآن في ايحاءات الميراث الصفوي تجاه العراق. التدافع السياسي في لبنان يتحول شيئاً فشيئاً الي تدافع طائفي. القوي السنية الطائفية، التي لم تكن أكثر من قوي هامشية بالنسبة للجسم السني الكبير والمتنوع، تكسب أرضاً جديدة كل يوم. ان استمرت الأمور علي وتيرتها الحالية، فليس من المستبعد ان تشهد المنطقة العربية انفجارات طائفية متلاحقة؛ بل وان يتسع نطاق الانفجار الي بلدان اسلامية أخري. وبدلاً من ان يري العرب أنفسهم عرباً يعتزون بميراثهم التاريخي التعددي، الذي سمح لأن تكون هذه المنطقة من العالم الأكثر تنوعاً، طائفياً ودينياً واثنياً، يأخذون في رؤية أنفسهم سنة وشيعة.وليس من المستبعد ان يعاد تصور ايران في الوعي العربي من كونها حليفاً اسلامياً الي اعتبارها مصدر خطر وتهديد طائفي وقومي. وبدلاً من ان يكون التوجه نحو تخليص العراق والمنطقة من قوي الغزو والاحتلال الأجنبية، يصبح من المبرر والمسوغ التحالف مع القوي الأجنبية لايقاع الهزيمة بايران وحلفائها. وليس ايران وحسب، بل فتح المجال العربي ـ الاسلامي كله علي أبواب حقبة مظلمة من التحالفات التي تلعب القوي الخارجية فيها دور الحكم والمرجع والمايسترو. مثل هذا المستقبل، لن يؤسس لتشظ داخلي فلكي الأبعاد، بل سيدفع المنطقة عقوداً عدة الي الوراء. المشهد العربي لم يصل الي حالة من الاصطفاف الطائفي؛ ولكن أحداً لا يعرف الي متي يمكن للقوي العربية والاسلامية الرافضة للحالة الطائفية ان تحافظ علي مواقعها، بينما الاعصار العراقي العاتي يطال الفضاء العربي ـ الاسلامي كله.فما المخرج اذن من هذا المصير؟ طوال العامين الماضيين، ومنذ اتضحت ملامح المشروع الطائفي للقوي الشيعية السياسية في العراق، كتبت وكتب غيري كثيرون، نطالب برفع الغطاء الاسلامي الشيعي عن القوي الطائفية والارهابية. لو ان القيادات والدوائر العلمائية الشيعية خارج العراق وقفت من القوي العراقية الشيعية الطائفية والارهابية موقفاً شبيهاً من ذلك الذي أعلنته القيادات والدوائر العلمائية السنية من القوي الطائفية والارهابية السنية في العراق لربما ما كانت أوضاع العراق وصلت الي ما وصلت اليه، وربما كان من الممكن محاصرة تلك الأوضاع وتحصين الوضع العربي من أثرها المدمر. ما زال هناك بالطبع فسحة قصيرة من الوقت لتلافي ما وقع؛ ولكن حجم المشكلة أصبح أكبر كثيراً مما كان عليه حتي قبل عام واحد. الموت والتطهير الطائفي اللذان تشهدهما بغداد، وباقي مناطق العراق الأخري، تسللا الي غرف جلوس الأسر العربية، من الرباط الي مسقط. لقد تعامل الكثير من العرب، أنظمة وقادة رأي، مع العراق باستخفاف خلال السنوات الأخيرة، ولم يروا النتائج الوخيمة التي استبطنها مشروع الغزو الأمريكي للعراق نفسه ولكل جواره العربي والاسلامي. وبات من الضروري الآن ان يتحرك الجميع، الأنظمة الحاكمة، قادة الرأي، العلماء، الأحزاب، الدبلوماسية الرسمية والجهود الشعبية وغير الرسمية، لمحاصرة الخطر الطائفي الداهم واعادة بناء الخطاب العربي الواحد.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية