الاقتصاديات العربية في مهب الريح
د. لويس حبيقةالاقتصاديات العربية في مهب الريح لبنان ليس الاقتصاد الوحيد في المنطقة الذي يمر في أزمة. جذور المشكلة الاقتصادية في لبنان هي سياسية في معظمها، وناتجة خاصة عن سوء المعالجة عبر الزمن وعن ضبابية الحوار والتشاور السياسيين اللذين لم يؤديا الي أية نتائج عملية تذكر. يحتاج الاقتصاد اللبناني الي تنفيذ العديد من الاصلاحات في القوانين الاقتصادية والمالية كما في الادارة العامة. يحتاج لبنان الي الحوار الصريح والشفاف ضمن المؤسسسات الدستورية التشريعية والتنفيذية. من غير المقبول أن تطول الفترة التي لا يستطيع فيها مجلس الوزراء الاجتماع لمعالجة الأمور الطارئة والأساسية مهما كانت الأسباب، كما من غير المقبول أن لا يدعي مجلس النواب للاجتماع لمعالجة ودرس ومناقشة المشاكل التي نمر بها. وجدت المؤسسات الممولة من الشعب اللبناني لتهتم بمصالحه وتقوم بدورها ليس فقط في الظروف العادية والسهلة، وانما خاصة في الظروف الدقيقة كالتي نعيش فيها. تشجيع الحوار ضمن المؤسسات يريح الشارع ويعيد الطلاب الي مدارسهم وجامعاتهم كما يعيد العمال الي شركاتهم ومؤسساتهم. يجب أن يعود لبنان الي الأوضاع الطبيعية التي تسمح للمواطن بالتركيز علي أعماله أو دروسه لهدف رفع الانتاجية التي وحدها تحفز النمو وتحسن الرفاهية الاجتماعية وتنقل الاقتصاد الي مستويات أفضل.لبنان ليس الوحيد الذي يقع اقتصاده عمليا في مهب الريح. فمشاكل الاقتصاديات العربية الأخري تنبع أيضا من السياسة، الا أن الغالب عليها اليوم هي القوانين القديمة التي يجب الغاؤها وتبديلها أو تحديثها. يجب أن تصبح المنطقة العربية منطقة اقتصادية بكل ما في الكلمة من معني، أي يتطور فيها التبادل التجاري والمالي ليصل الي الحدود المعروفة في أمريكا اللاتينية وآسيا. فالمنطقة العربية مفككة اقتصاديا اليوم ليس فقط بسبب السياسة وانما أيضا بسبب سوء تطبيق الاصلاحات في الأنظمة المصرفية والتأمين والاتصالات والنقل والجمارك وخاصة في المعلومات. في الخصخصة مثلا، التأخير النسبي واضح في المنطقة مقارنة بأمريكا اللاتينية وذلك بالرغم من التقدم الذي حصل بين فترتي 1990 ـ 1999 و2000 ـ 2003. تأتي مصر والمغرب والسعودية والأردن في مقدمة الدول التي خصخصت قطاع الاتصالات. لا شك أن دول المنطقة تنفق علي الأمن والدفاع كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي أكثر بكثير من غيرها 14% أو 21 مليار دولار للسعودية و14% لعمان و12% للكويت و11% لسورية. بالأرقام دوليا، تأتي الولايات المتحدة في طليعة الدول التي تنفق علي الدفاع 522 مليار دولار في السنة الماضية ثم الصين وروسيا 62 مليار دولار لكل منهما وبريطانيا 51 مليارا واليابان 44,7 مليار. هنالك ورشة عمل يجب المباشرة بها لوقف التراجع النسبي وتخفيف اعتماد المنطقة علي النفط كمصدر رئيسي للنمو ولتمويل الانفاق العام.تمر المنطقة العربية عموما في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة نتيجة الأوضاع الخطيرة القائمة في العراق وفلسطين ولبنان. أسباب هذه الأوضاع كما نتائجها تتخطي الحدود الجغرافية التي تجري ضمنها لتصل الي النسيج السكاني والاجتماعي لكل الدول العربية. فالأبعاد الاقتصادية معروفة وتؤدي دون شك الي زيادة الفقر والبطالة في المنطقة. لا يكفي أن تكون الأوضاع المالية جيدة في الدول النفطية وحدها، اذ أن الأهم للاستقرار العام الدائم المشترك هو تحسن أوضاع الدول الأخري. فالفقر والظلم هما دائما مصدران أساسيان للتوتر الأمني والسياسي كما للعمليات الارهابية في كل الدول.اذا قارنا مثلا الدخل الفردي الاجمالي لبعض دول المنطقة، نري انه لا يتعدي 1720 دولارا للجزائر و1470 دولارا لمصر و1130 دولارا لسورية 4 ألاف دولار للبنان مقارنة بـ 16510 دولارات في اسرائيل و33550 دولارا في اليابان. ما يقلق بالنسبة للمنطقة هو توسع الاقتصاد غير الرسمي الشرعي وغير الشرعي الذي يقارب حجمه في مصر مثلا 35% من الاقتصاد الرسمي 34% في لبنان، 36% في المغرب و38% في تونس) مقارنة بـ 22% في اسرائيل و19% في ايران و9% في الولايات المتحدة. من الضروري أن تبذل الحكومات العربية كل الجهد لادخال هذه النشاطات غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي ليس فقط لتحسين الاحصائيات وانما لتفعيل هذا النشاط لمصلحة السكان ككل. هنالك أسباب هيكلية وقانونية ومعيشية لتوسع النشاطات غير الرسمية يجب معالجتها، ربما عبر تجربة الاقتصادي محمد يونس الذي حصل علي جائزة نوبل للسلام هذه السنة.أدخل محمد يونس الفقراء الي النشاط المالي الرسمي عبر اقراضهم أموالا قليلة لكنها كانت كافية لمحاربة فقرهم والانتقال الي أوضاع أفضل. أعطيت هذه القروض لأشخاص يفتقرون الي الضمانات المتعارف عليها في الأنظمة المصرفية التجارية العادية. توسع مصرفه غرامين في بنغلادش ليحتوي اليوم علي 6,7 مليون مقترض مع محفظة قروض بلغت 6 مليارات دولار، مما يعني أن متوسط القرض الفردي كان أقل من 200 دولار. يتوسع نشاط غرامين اليوم ليشـــــل الودائع وبالتالي يتحول تدريجيا الي مصرف تجاري عادي مع تحسن أحوال المقترضين. ما زالت هذه التجربة خجولة جـــدا في الأقطــــار العربية، خاصة الفقيرة منها، ليس بسبــــب عـــــدم توافر الأموال وانما بسبب غياب المؤسسات الشفافة والشرعية التي يمكن أن تقوم بهذه الأعمال لمصلحة الفقــــراء. لا بد من نقل تجربة محمد يونس عبر المنظمــات غير الحكومية الي كل الاقتصاديات العربية.من أسباب ضعف النمو الاقتصادي العربي هو صعوبة تأسيس شركات جديدة. عالميا، تشير الدراسات الي أن الشركات الفردية والصغيرة هي مصدر الأفكار الجديدة وبالتالي يجب تسهيل تأسيسها في التكلفة والوقت. اذا أخذنا عدد المراحل الادارية التي يجب المرور بها لتأسيس شركة، نري انها تبلغ 18 في الجزائر و13 في مصر و14 في الأردن و6 في لبنان و11 في المغرب مقارنة بـ 5 في كل من اسرائيل والولايات المتحدة. أما الوقت الذي تتطلبه هذه المراحل فيتعدي 43 يوما في مصر و98 يوما في الأردن و42 يوما في سورية مقارنة بـ 4 أيام في الولايات المتحدة و18 يوما في بريطانيا. علي الدول العربية أن تبذل جهدها لتخفيض هذا الوقت الضائع الي النصف قبل انتهاء هذا العقد بحيث يتشجع الممولون المحليون والدوليون أكثر علي الاستثمار في المنطقة. أما تكلفة الاجراءات الادارية كما الحد الأدني للرأس المال المطلوب لتأسيس شركة، فيبقيان نسبيا مرتفعين جدا مقارنة بالدول الصناعية وحتي الناشئة. تحتوي المنطقة العربية علي فرص استثمارية كبري في كل القطاعات، الا أن ضبابية المعلومات وضعف المؤسسات ونوعية القوانين تعوق تدفق الاستثمارات.أما في الاجراءات اللازمة لتوظيف العمال وتسريحهم وفيما يخص أسواق العمل عموما، تبقي المرونة في الدول العربية من الأضعف في العالم بسبب القوانين القديمة وسوء اداء المؤسسات القضائية المتخصصة. في مؤشر البنك الدولي، يظهر جليا التأخر في هذا المضمار. لا يمكن تشجيع الاستثمارات في غياب آليات لتنفيذ العقود، اذ ماذا تنفع هذه العقود اذا كانت غير قابلة للتنفيذ أو اذا اراد احد الفرقاء التهرب من واجباته. في عدد المراحل الواجب اتباعها لفرض تنفيذ أي عقد، تسجل المؤشرات الدولية الرقم 20 للجزائر و32 للأردن و27 للبنان و36 لسورية مقابل 23 لايران و21 لفرنسا و12 فقط في بريطانيا. لا شك أن المدة التي يتطلبها فرض تنفيذ العقود ضمن القوانين المرعية الاجراء، كما التكلفة تبقيان مرتفعتين مقارنة بالدول الغربية. أخيرا ستبقي الاقتصاديات العربية في مهب الريح ليس بسبب العولمة أو الانفتاح، وانما بسبب التباطؤ في تنفيذ الاصلاحات في القوانين والمؤسسات.ہ كاتب من لبنان8