ألطاف النوم الطويل

حجم الخط
0

ألطاف النوم الطويل

عزت القمحاويألطاف النوم الطويلنام الشاعر أسامة الدناصوري نومته الأخيرة الممتدة. لن يكون لديه بعد الآن مشكلة العثور علي مكان في شرايينه وأوردته لم يتليف بوخز سابق كي يعلق فيه جهاز تنقية الدم. لم يعد بحاجة إلي عمل كليته الحرون أو إلي غيرها. ولن يتألم بعد. وأسامة ليس أول كاتب شاب يُفرض عليه هذا القرار بالانسحاب في عز عطائه، كما أنه لن يكون الأخير. بالتوازي مع مرض أسامة ورحيله، يطلق الأدباء الصيحة تلو الصيحة لإنقاذ المبدعة نعمات البحيري، صاحبة ارتحالات اللؤلؤ وغيرها من أعمال تطرح الوحشة كما لم تكتب من قبل، وإنقاذ القاص والمترجم خليل كلفت الذي أهدي المكتبة العربية عديداً من المسرات الإبداعية والعقلية عبر كتاباته وترجماته الجميلة بينها ماشادو ده أسيس وبورخيس. العد التنازلي الذي حدده الأطباء لخليل يكاد ينتهي، وسفينة الأدباء تطلق إشارات الاستغاثة وليس علي الشاطيء سوي الفاسدين واللصوص الذين يمتلكون القدرة علي منح خليل كبد جديد بدلاً من كبده المسرطن، لكنهم لايفعلون، فلا أحد يسعده أن يخون عاداته، ومن اعتادوا جلب الموت لن يهبوا الحياة أبداً، وإلا كانوا وفروا مجهودهم من البداية وحافظوا علي فقرهم. مات وائل رجب ومجدي الجابري وسيد عبدالخالق بالسرطان دون الثلاثين أو حولها. ولاعب أسامة الدناصوري موت كليتيه وهدهده حتي السادسة والأربعين، ثم قرر أن يرثي بقية أعضائه بصفاء، وأن يعتب علي كليتيه ويسجل تقاعسهما بشجن محبب للموت. نص اسامة الدناصوري كلبي الحبيب .. كلبي الهرم الذي يصدر هذه الأيام كان من الممكن أن يعنون علي طريقة أكثر الكتب مبيعاً دليلك إلي الموت اللطيف ففيه الصعود الرهيف للشاعر من مقام الألم إلي مقام العدم. ويستطيع كل من لديه مواقف مضادة من الموت أن يقرأ موت أسامة ليعرف أنها حاجة بسيطة خالص.ليس أسامة فقط، أو من يستطيعون الكتابة فقط من يعتقدون ببساطة الموت، كل المصريين صاروا هكذا. وتستطيع الشعوب التي تتوهم أن الموت بلا فضائل أن تأتي إلي أم الدنيا لتتعلم بهجة الموت.. البهجة التي لاينتظر المصري الموت حتي يتأكد منها، لكنه يحدسها من عناء عيشه، من عناء محاولة الحفاظ علي حياة من دون لذة. عناء البحث عن لقمة العيش، ثم انهيار القوي والدخول في مذلة العلاج. وهو مذلة حقيقية ورعب إذا كنت لاتمتلك تكاليفه، ورعب من دون مذلة إذا كنت ميسوراً. ويستطيع قتلة الشعوب الأخري أن يأتوا إلي مصر ليتعلموا كيف يكون القتل خدعة. وكيف يكون الخوف من العلاج أكثر من خشية المرض. في أثناء موت أسامة ومرض نعمات وخليل (متعهما الله بمعجزة) في هذه الأثناء تفجرت ما تسمي بـ فضيحة الدم الكبري علماً بأن وصف فضيحة بـ الكبري صار نوعاً من لزوم ما لايلزم، فليست هناك فضائح صغري في مصر. كل الفضائح كبري ومنها فضيحة أكياس الدم غير المطابقة للمواصفات، والتي تتسبب في نمو الفطريات وتغيير مكونات الكيس، حتي أنها لاتصيب متلقي الدم فقط، بل مانحه أيضاً. وما ظهر حتي الآن يقول بأن الشركة المتهمة سربت ثلث مليون كيس من هذا النوع، من شأنها أن تكــــون أوقعت ثلثـــــي مليون إنسان بين قتيل ومصاب. ولاتتـــــوقف المفاجـــــآت في القضية، حيث أعلن أمس أن الإبر المستخدمة في هذه الأكياس بيطرية! الشركة اسمها هيدلينا، وليس عزرائيلا، يوحي لطف اسمها برقاعة الحياة الناعمة المتغربة وليس ببؤس الموت الذي تزرعه. وصاحبها عضو في مجلس الشعب، وهذه أيضاً من المعلومات التي لاتحتاج إلي تأكيد في هذا الزمن المصري. أما المفاجأة فقرار اللجنة التشريعية بمجلس (الشعب والله) برفض رفع الحصانة عن العضو، والسماح له بسماع أقواله أمام النيابة. وهذا هو ذات المجلس الذي رفع في دقائق الحصانة عن النائب طلعت السادات لأنه تقوّل في فضائية بشأن موت عمه الزعيم الذي نحنّ الآن إلي خفة دمه، علي الأقل خفة الدم إذا كان من المستحيل العثور علي فضائل أخري. نحن الآن في عصر مختلف. وأمام بداية قوية للعام تضارع في تفاصيلها قضية العباّرة التي استفتحت العام الماضي بألف وأربعة عشر نفساً راحت في عرض البحر، كما تفوق بالتأكيد قضية عصابة قتل واغتصاب أطفال الشوارع علي أيدي حكومة التوربيني الخفية التي اختتمت العام. لكن القاتل المسكين رمضان التوربيني لم يضع في اعتباره يوم الحبس فيحتاط له بجنسية أجنبية، فهو بالأساس لم يدرك أنه يتمتع بالجنسية المصرية. وهكذا هو حظ متهمي نهايات الأعوام، بينما متهمو البدايات شأنهم مختلف، فلن تنتهي التحقيقات حتي يكون هاني سرور صاحب هيدلينا قد انتهي من تأسيس قصره في لندن بجوار قصر صاحب العبّارة الغارقة. الأمر أقسي من قضية شاعر يموت أو روائية أو مترجم ينتظر، فكلنا ذاهبون إلي هناك. المسألة في أن ملاك موت المصريين صار يتخفي في كل شيء، في صدامات السيارات وفي قمرات السفن وفوق أسطح القطارات وفي جوفها، في الماء والرغيف وفي حبة الفاكهة، وحتي في العلاج. ولم يدع يعطيهم الفرصة لتحديد موعد سابق لأي لقاء، فالمصري لايضمن إذا ما أعطي موعداً في الغد هل سيتمكن من الوفاء به أو يمنعه عنه السير في جنازة، حاملاً أو محمولاً.ولكل ما تقدم فالموت لطيف، وألطف ما فيه أنك لاتعود تنتظره. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية