تنافس عالمي علي منطقتنا فأين حصتنا من الأثير العربي؟

حجم الخط
0

تنافس عالمي علي منطقتنا فأين حصتنا من الأثير العربي؟

أنور بدرتنافس عالمي علي منطقتنا فأين حصتنا من الأثير العربي؟لفت انتباهي الحوار الذي أجرته صحيفة تشرين في 11/12/2006، مع السيد ماجد حليمة المدير العام لهيئة الاذاعة والتلفزيون في سورية، اذ تضمن مشروعاً يبدو متكاملاً لتطوير الاعلام المرئي والمسموع في سورية، خاصة وأنه استبق ذلك بحزمة من التغييرات الادارية والبرامجية لتفعيل عمل الهيئة، وكل ذلك في خطوطه العامة وفي التفاصيل المشار اليها يستحق وقفة مطولة، لكن الأهم في اعتقادي ما جاء في حديثه حول اطلاق قناة فضائية اخبارية جديدة، ما زالت برسم المستقبل والاجراءات البيروقراطية التي قد تعيق ولادتها في اللحظة الأخيرة،كما حصل في مشروع الدمج الذي أقرته وزارة الاعلام وصودق عليه في مجلس الشعب وصدرت تعليماته التنفيذية دون أن يري النور. مع ذلك اعتقد أن أهمية هذه الفكرة التي جاءت متأخرة كثيراً، تتضح في سياق الصراع علي تقاسم الأثير العربي، بين محطات وفضائيات تقف وراءها دول وتروستات ضخمة، فيما لا نزال نحن أهل العريس في موقف المتفرج الحيادي.يكفي أن نذكر في هذا الصدد حجم الاهتمام الاعلامي والدبلوماسي الذي بذلته الحكومة الفرنسية للاعلان عن اطلاق فضائية فرنسا 24 التي تبث الآن باللغتين الفرنسية والانكليزية، علي أن تحجز حصتها من الأثير العربي في منتصف العام الجاري. بالمقابل أعلن موقع الكتروني مصري بأن حكومة اسرائيل رصدت مبلغ مئتي مليون دولار لاطلاق فضائية اسرائيلية جديدة علي قمر نايل سات العربي، وهي تهدف – بحسب الموقع الالكتروني- الي نبذ العنف والتحريض علي السلام، أي تسويق السياسة الاسرائيلية وتعبيراتها الديماغوجية، لذلك هي لن تكون ناطقة باللغتين العبرية والعربية فقط، بل ستفتح مكاتب لها في العديد من العواصم العربية التي قبلت التطبيع مع اسرائيل بصفة أو بأخري، لكن ارسالها سيصل الي كل المواطنين العرب حتي هؤلاء الذين تعلن أنظمتهم رفضها للتطبيع. وحينها لا نعرف كيف ستتعامل هذه الأنظمة مع القمر العربي نايل سات ، أو مع مواطنيها الباحثين عن الحقيقة ليس في الصين، بل عند عدوهم الذي يخاطبهم باللغة العربية هذه المرة. تتزامن هذه الأخبار الفضائية مع نجاح شبكة الجزيرة بعد عشر سنوات علي اطلاقها الناجح باطلاق محطة فضائية جديدة باسم الوثائقية بداية هذا العام في اطار سياسة التوسع الأفقي لشبكة الجزيرة، الذي يستدعي بدوره قناة وثائقية تقدم المعلومات المختلفة بشكل وثائقي، وبصورة أكثر عمقاً وتحليلاً كما أعلن المشرف علي هذه المحطة الجديدة السيد توفيق قوني. ارقام وان كنت لا أملك احصائية حول تكاليف اطلاق هذه المحطة الوثائقية، فان محطة فرنسا 24 بدأت عملها بميزانية تشغيلية سنوية تبلغ (80) مليون يورو أو ما يعادل أكثر من مئة مليون دولار سنوياً. فيما رصدت الحكومة الاسرائيلية مئتي مليون دولار لاطلاق فضائيتها الجديدة التي تستهدف تسويق السلام الاسرائيلي الي المواطن العربي. وهي علي العموم ليست ميزانيات ضخمة بالقياس لشبكات CNN الأمريكية، أوBBC البريطانية، لكنها تشير الي احتدام الصراع حول تقاسم الأثير العربي، واستعداد تلك الشبكات أو الحكومات لانفاق المزيد من الأموال والدولارات بغية التحدث الينا باللغة العربية، فماذا رصد السيد حليمة أو الحكومة السورية لاطلاق الفضائيات الاخبارية الجديدة؟ السؤال الآخر أن شبكة الجزيرة الوثائقية انطلقت بـ70 عاملاً فقط، فيما يضم فريق فرنسا 24 (170) عاملاً من 27 دولة وهم من كبار المعدين والمذيعين الذين يجيدون أكثر من لغة، ويجيدون تقنيات عالية للعمل. بينما نستطيع القول أن مبني الهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون في دمشق يضم أضعافاً مضاعفة لتلك الأرقام السابقة، دون أن نلمس أية فعالية موازية، فما هو عدد الكادر الذي قرر السيد حليمة تفريغه لاطلاق القناة الجديدة ـ فيما لو أُطلقت ـ وما مدي خبرته الفنية والتقنية؟ وما مدي التدريب الذي حصل عليه؟نحن لا نطرح علامات الاستفهام السابقة من باب التشكيك بمصداقية المدير العام لهيئة الاذاعة والتلفزيون السوري، لكن نثيرها كمساهمة في حوار يهدف الي تعزيز مشروع السيد حليمة، وتوفير ضمانات النجاح له، لأن أهمية هذا المشروع تنبع من تعاظم دور الاعلام الذي لم يعد مجرد ناقل للخبر أو الحدث، بل هو طرف فاعل في صناعة الرأي العام وتوجيهه، هو طرف فاعل ومؤثر في صناعة الخبر والحدث أيضاً، ولا أدل علي ذلك ما فعلته الـ CNN في حرب الخليج الأولي، وما فعلته الجزيرة في حرب الخليج الثانية، حيث كان الاعلام عبر تأثيره في الرأي العام مشاركاً في صناعة الأحداث والتأثير في مجريات الأمور، وبشكل خاص في بؤر الـتأزم والتي تقع المنطقة العربية من ضمنها. واذا كان ارتباط الـ CNN بالادارة الأمريكية غير خاف علي أحد، وكلنا يعرف قرار تشكيل الـBBC البريطانية، فان ذلك يفسر خلفيات توجه الرئيس الفرنسي جاك شيراك منذ عام 2002، لاطلاق محطة فرنسا 24 التي رأت النور هذا العام، لتقديم الرؤية الفرنسية المختلفة للعالم وما يحدث به. فالفرانكفونية الثقافية تفكر أخيراً أن تنافس في مجال الاعلام الذي كانت تسيطر عليه فضائيات أنكلوساكسونية لفترة طويلة من الزمن، بغض النظر عن توافق السياسات الفرنسية أو تعارضها في بعض الأحيان مع سياسات البيت الأبيض. أليست مفارقة أن الجميع يقاتل لاستغلال الأثير العربي- بمن فيهم اسرائيل- بينما تبدو الحكومات العربية آخر المهتمين بذلك؟ والمسألة من وجهة نظري لا تتوقف علي اطلاق قناة فضائية اخبارية جديدة، فكل الحكومات العربية تمتلك فضائيات تسبح بحمد الحكام العرب كل في عاصمته، دون أن تفكر- أو يفكر القائمون عليها- بكيفية المساهمة في تقديم رؤيتهم المختلفة لما يجري بين ظهرانيهم أو في العالم، هذا فيما لو امتلكوا رؤية لذلك، فالمسألة ليست في زيادة الجرعة الاخبارية فقط، بل هي تتعدي موضوع الأخبار الي الرسالة الاعلامية ككل، من منوعات ودراما وبرامج ثقافية واخبارية وصولاً الي الرياضة والنشرة الجوية، ويكون السؤال في كل ذلك: ماذا نقول؟ وكيف نقوله؟ تعبير بالتفاصيل التلفزيون السوري بفضائيته وأرضيتيه الأولي والثانية، ما زال يعتبر نفسه المعبر الرسمي عن السياسة السورية، ليس بخطوطها العامة أو العريضة فقط، بل تفاصيلها الاجرائية والبيروقراطية، حتي انه فقد استقلاليته تجاه الحكومة، كما فقد وظيفته الرقابية والانتقادية عليها ولصالح المجتمع، ليصبح بوقاً لأي اجراء أو موقف مهما كان ينضح برائحة الفساد، بما فيها الاجراءات الادارية والبيروقراطية داخل المؤسسات الاعلامية وداخل التلفزيون حصراً. حتي غدا أي انتقاد لرئيس جمعيّة فلاحية يبيع أراضي الدولة أو لمذيعة لا تفرّق بين شاعر ولاعب كرة قدم، هو جرم يطال السيادة الوطنية، ويُمكن أن يحاكم قائله بالخيانة العظمي.هذه النظرية الاعلامية الملتزمة بقضايا الجماهير والأمة كما يُعبر عنها الحزب الحاكم هي ميراث الحقبة السوفييتية التي قسمت المجتمع الي قطاعات من عمال وفلاحين، ومن طلائع وطلاب وصولاً الي المجندين والنساء. وباتت برامج المنظمات الشعبية في التلفزيون توجه حسب هذه القطاعات، لكن الاشكاليّة في الاعلام السوري أنه ما زال سادرا في كهف أحلامه الطوباوية، متجاهلاً ما حدث في العالم، وما يحدث في سورية بالذات، حيث نسمع دعوات اقتصادية مثلاً الي تجاوز تقسيمات العمل المصرفي وفق قطاعات زراعية وصناعية وأخري للعقاري أو التسليف الشعبي. بل نستطيع القول أنّ عملية الخصخصة في الصناعة المصرفية تجاوزت تلك التقسيمات، وفتحت حدود المصارف الرسمية بعيداً عن دلالة التقسيمات السابقة، فيما لا يزال الخطاب الاعلامي خجلاً من رؤية ما يجري علي أرض الواقع. مع أن برامج المنظمات الشعبية عاجزة عن استقطاب أي مُشاهد تدعي الحديث باسمه، فكيف عن المشاهد العام؟ ولا يُضارعها في هذا العجز الا رسائل المحافظات التي تحوّلت الي مهمة روتينية يؤديها موظف بيروقراطي بلا روح أو هاجس اعلامي.فاذا كان علي الاعلام أن ينافح عن قضايا الأمة، فلا يعني هذا أن يتحوّل الي ناطق رسمي باسم الحكومة، وكلنا نعلم أنّ ميثاقBBC الذي يضمن استقلالها الكامل عن الحكومة، هو الذي مكنها من انتقاد حكومة توني بلير ازاء ما يجري في العراق. تلك المعركة التي كادت تودي بالحكومة. فهل نجرؤ في قانون الاعلام المنتظر منذ سنوات أن ننص علي فك الارتباط ما بين الحكومة وبين المؤسسات الاعلامية. بحيث تعزز وظيفتها الرقابية ضمن المجتمع وقدرتها علي انتقاد الخطأ والتشهير بالفساد حتي لو صدر ذلك عن مسؤول؟ وهل نأمل باعلام يبحث عن الحقيقة حتي لو تجاهلها المسؤولون أم كانت تتعارض مع مصالحهم الشخصية؟! لماذا لا نستفيد من تجربة الدراما السورية، التي شكل تجاوزها للخطوط الحمراء ورفع سقف الانتقاد فيها أهم عوامل نجاحها؟ لماذا لا نعمم هذه التجربة أو نستفيد من ذلك النجاح علي كل المستويات الاعلامية؟ لماذا لا نسمح للكاميرا أن تدخل منطقة المحظورات، وأن تستنطق المسكوت عنه في مجتمعنا؟ لماذا نبتهج في سماع الرأي الآخر علي قناة الجزيرة ويغيب هذا الرأي عن قنواتنا المحليّة؟ لماذا لا نخجل من تعرية بؤر التخلف لدينا. وانتقاد السلبيات في حياتنا؟ لماذا يعشش الخوف فينا لمجرّد الحديث عن الحرية أو الديمقراطية، ونأخذ بالهجوم عليها بصفتها مقولات أو صناعة أمريكية؟ لماذا عجزت كل التغييرات الادارية السابقة عن تحرير الاعلام السوري واطلاق حريته المغتالة بقوانين الطوارئ وبقوانين الاعلام المعمول بها؟ أعتقد أنّ مشروع السيد حليمة لتطوير وتحديث الاعلام المسموع والمرئي لا يحتاج الي فضائية جديدة فقط، بل يحتاج الي مزيد من الحرية، ويحتاج الي تجاوز سقف المحظورات باتجاه ما هو مسكوت عنه. يحتاج الي تحرير الاعلام من سيطرة المؤسسة الحكومية أو الحزبية، فنحن لا نأمل أن يكون كادر الفضائية الجديدة من (27) بلداً في العالم كما صنعت فرنسا، بل نأمل فقط أن يستطيع ذلك الكادر تمثيل أطياف المجتمع السوري وتلويناته الديمقراطية، وأن يتقبل الرأي الآخر في سبيل تدعيم رأيه هو بأقل تعديل. وبذلك فقط نستقطب المشاهد السوري والعربي، وبذلك فقط نحجز حصتنا من الأثير العربي.كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية