السؤال النهضوي في العصر المرآوي؟
مطاع صفديالسؤال النهضوي في العصر المرآوي؟في منعطف الزمان من سنة إلي أخري، لا يمل الفكر (العربي) بخاصةٍ من مواجهة الاستعصاء القديم والمتجدد. يقول خطابه: هل لا يزال السؤال النهضوي قائماً في ظل الانكسار العام، وبعد المزيد من إحباط مشاريعه. فهي التي لا تكف عن الطموح إلي أن تكون أجوبته المجسدة المتحققة. فقد يقال إن السؤال النهضوي يبقي من مستوي التاريخانية، أي الراهن دائماً. في حين أن أجوبته هي من طبيعة تاريخية، أي هي من سلالة الأحداث والوقائع، وما يمكن أن توصف عملانياً بأنها مجرد تجارب. حتي أن أكثرها قد لا يبلغ درجــــة التجربة. إذ أن غالبية المشاريع/الأجوبة لم تبرح عتبات التمارين الأولية. بل تنقذف إلي حمأة الممارسات بدون أية ضمانات سوي أنها رهانات مقنعة تحت حُلل براقة من ادعاء حتميات مأمولة أو مفتعلة.لكن السؤال النهضوي قد يمضي ولا ينقضي. يناور بالانسحاب الآني والمواربة. إلا أنه لا يتخلي عن نصوصه، وإن هو هجر وهاجر من تأويلاتها. فليس الخطر في تساقط التأويلات هذه، بل في التردي إلي تلك الحالة التي لا يموت فيها النص وإن تواري، وإنما ينعدم البحث عنه. عندئذ تنفقد البوصلة في خارطة من انعدام الجهات الأربع نفسها في ساحتها.وهنا في هذه اللحظة الهاربة، وقبل أن تضيع الخارطة، وتتجرد الوساعة الصمَّاء من جهاتها الأربع، يصير النداء علي الفكر كيما يعاود اختراع مهلته حتي في صميم الانسراع الفالت من كل توقيت. ولذلك، حتي لا يغدو البحث عن السؤال النهضوي التائه، مجرد تأويل جديد، لا بد من الاعتراف الصريح أولاً بالانكساد، ليس كإشكالية منغلقة علي ذاتها ومنتهية، بل كتهديد مستمر لأية فاعليات إنتاجية أخري قادمة، قيد الاعداد أو الانتظار. بهذا المعني وحده فقد يساعد الاعتراف علي ممارسة الارتداد إلي السؤال عينه، والتمترس وراء نصه. وفي حيّز السؤال وحده يمكن التقاط إشارة أخري للنهوض والتشبث بها كيما تبقي عالية فوق كل ما سوف يحمل اسمها من أفعال النهوض غير المتحققة بعد.في زمن الانكسار ليس للفكر من مهمة سوي انبعاث السؤال النهضوي، والتشبث به منزهاً ومنفصلاً عن كل الانتاجات/التمارين التي رفعته كشعار، وأخطائه كحقيقة. ومع أن كل منتَج لا بد أن يشي بفاعله، إلا أنه لا يمكن أن يختصر أو يختزل صاحبه. هنالك سبيلان لمواجهة الانكسار: إما في النبش تحت كل ركام عن سؤاله النهضوي واسترداد ذاكرته محررة من حمولات التهشيم العالقة بأذيالها، وإما الانسحاب من ساحة الفعل علي خشبة المسرح والانكفاء إلي مقاعد المتفرجين، وقد يكون ذلك هو السبيل الأغلب والجاذب لما يسمي بالأكثرية الصامتة لمجتمعات الانكسار. إنه التحويل الأخطر الذي تخضع له إنسانية العصر المرآوي، وخاصة منها شعوبها المقهورة والمقذوف بها إلي هوامش أوطانها وأقدارها؛ ههنا تلعب التلفزة، التي هي سيدة المنظور والمسموع، أدوار التحييد التام والمسبق لردود الفعل لدي الجمهور العاجز، والمعّجز أصلاً، عن أدني تدخل في مجري شؤونه الحيوية. فتمنحه تلفزةُ الكوارث لذةَ الموقع المنفصل عنها، المتفرج عليها وكأنها تحدث لغيره. هكذا يتنصّل جمهور الفرجة من أية علاقة بأحداثه عينها، من أية مسؤولية عن الحدثان الكارثي المعربد في أنحاء أوطانه. إنه إدمان الفُرجة علي قتل الفلسطيني فالعراقي فالسوداني فالصومالي، يصحبه إدمان الانشداد إلي تصايح وتشاتم فرسان المعارك اللفظوية، فيما يسمي بمجالس الحوارات التلفزية.إنه التحويل المرآوي للكتلة الجماهيرية الأوسع كيما تصبر علي التعايش مع مهالكها اليومية. لا تحيا أصلاً قلق النهضة، لا تدري بها أو بنكباتها، لا تعلم إن كانت النهضة حَيَتْ مرةً وأنها تموت مرات. يلذّ لها الإيغال في خدر الصورة والصوت. ههنا كل شيء موجود بلا وجود، لا يحلّ الا لينقضي. معلومة الصوت والصورة، رغم ماديتها المباشرة، ليس لها من ديمومةٍ إلا لحظة الحاضر الذي ما أن يهلّ حتي يتلاشي. كل لمحة صورة أو نبرة صوت إنما تعتمد علي التوالي الزمني الذي لا يتوقف عند حادثة الا ليمحوها بحادثة تتبعها. فالواقع يلعب في فضاء الفرجة، حيثما لا يتبقي منه الا ما تلتقطه ذاكرة للأشباح وللأصداء. ذاكرة الفرجة لن تكون أبداً مسرحاً للوقائع أو تحريضاً علي مواقف. الصور الضوئية تغتال بعضها. محكومة بالتوالي والتتابع الذي لا يقدم الآتي منها إلا علي أساس المعدوم والهارب والمختفي منها. الزمن لا يلتقطها، والمكان لا يمسك بها. تصير التلفزة بديل الواقع الذي تدَّعي نقله. بقدر ما تُبرز مادية المشهد، بقدر ما تغدر بها سريعاً وتلغيها. كل مشهد مكرس سلفاً لخسران ما يشهد عليه. مشهدة العالم بصرياً سمعياً تعني تحويله إلي عواصف أضواء وأصداء، أي إلي كل ما هو من مادة الفراغ وحده. إنها لا ترفع الجدار الرابع عن الحادثة، كما يفعل المسرح، بل تُسقط الجدران الأربعة، وخشبة المسرح معها.استبداد الفرجة قد يعوض عن استبداد واقعية الواقع. يحرر المتفرج من كلفة الحدثان، من وطأته، مهما كانت آتية بروائعها أو فظائعها. بل يجعل الانفعال بالرائع كما بالكارثي، مشابهاً لبعضه. فلا الجميل الضوئي المرآوي يثير متعة حقيقية، ولا الفظيع المرآوي يبعث النقمة علي فاعله، والرحمة علي ضحيته. بدلاً من تغيير الواقع يُصار إلي تغيير القناة إلي أخري. وحيثما تكون الشعوب ممنوعة من استخدام ألسنتها فإنها تترك ألسنة الصور تتحدث بالنيابة عنها. تفكر عنها، وتوجه. تطلق الأحكام والصفات، تصدر الأوامر اليومية بالكراهية والغضب أو بالاحترام والتمجيد. تحدد الاصطفافات السياسية مع هذا وضد ذاك. هكذا تتنازل حشود التلفزة كل ليلة عن حياتها البائسة، تسلّمها بآمالها ومآسيها لإيحاءات الحيوات الأخري المعروضة عليها، كما لو كانت – هذه الايحاءات – من صنع ذات العيون المشدوهة بالعوالم الشبحية المسفوحة علي سطوح الشاشات.وباء التلفزات، الفضائيات (العربية)، المتناسخة عن بعضها، يدفعها إلي التسابق فيما بينها علي اعتقال العدد الأكبر من رؤوس المشاهدين. تتحول شعوبنا المقهورة إلي شعوب من المشاهدين فحسب. يصير الناس في بلادنا مصنوعين بما يشاهدونه، كلّ ليلة، وهم أسري بيوتهم الباردة الفقيرة. لم يعودوا مجرد متفرجين علي (آخرين). إنهم و(الآخرين) محشورون في إطار الشاشة. بَطلتْ المسافة بين المتفرج والمشهد. الجميع صاروا من سكان الشاشة، من أهلها؛ الصورة وطن الجميع، حيثما يتحول الجميع إلي أشباح يخالطون أشباحاً.هل نقول إذن إنه التحويل التلفزي، أو المرآوي، قد غدا بديلاً عن التحويل النهضوي. أو أن الأول يجيء إنذاراً باستحالة الثاني أو استعصائه تحت مسلسل من سلالة الانكسارات وحدها، بدون أدني انتظار لمنعطف مغاير. ولعل أسوأ ما يمكن أن يفعله استبداد الصورة بجمهورها هو اعتياد المؤالفة مع المكروه كمشهد، تمهيداً لإلغاء حقيقته كواقع. بينما ليس ثمة موقف نهضوي بدون قوة الرفض ضداً علي قوة الموضوع المكروه. هنالك حاجة، تكاد تكون علمية، لبروز الواقع المضاد في معالمه المادية، دون أي تجريد لها، وإن بواسطة الصور أو الرموز والإشارات. فإن فجائية الواقع تعادل وجوده. وما تعنيه الفجائية هو حضوره كما هو. فكل ما هو منقول عن (الشيء) لا يأتي بالشيء عينه. عملية النقل تتدخل في بضاعتها. ولعل أعظم تدخل يشهده عصرنا ما بين الذات والموضوع هو سلطان المرآوية.النهضوي لا يكون بدون استحضار نقيضه الانحطاطي: النهضوي هو فعالية كشفٍ وانكشاف. إنه العدو الأخير للمرآوي. فالشاشة تخفي من حيث أنها تُظهر. تتواري من حيث أنها تضيء. ومع ذلك لا أحد يقول بإلغاء الشاشات الصاخبة شرط ألا تشوه صخب العالم. فقد عاشت الإنسانية آلاف السنوات قبل أن تخترع شاشات الأوهام. وكانت لها حضاراتها التي تثبت القدرة الانسانية علي التعامل المباشر مع الواقع وتغييره. لكن ما يحدث لإنسانية العصر المرآوي هو محاولة استنساخها في أشباحها. لن تكون فاعلة التغيير بقدر ما تكون مفعولةً به؛ والشعوب المستضعفة هي التي تتلقي قبل غيرها تمارين هذه المحاولة الجهنمية، فيجري استنساخها بإعادة صبّها وإنتاجها في قوالب انحطاطها المتوارث، مضافة إليها بعض الرواسب من نفاية العصر المرآوي المعاصر.9