القاهرة ــ «القدس العربي» حاولت الأديان دوماً بعد صراع طويل تطويع الفن لصالحها، لترسيخ وجودها الجمالي في الوعي، ونشر تعاليمها من خلال الفنان، سواء اليهودي أو المسيحي وصولاً إلى المسلم. ولم تختلف الأديان التوحيدية عن غيرها من الديانات الأخرى في التوسل بالفن وشعائره السابقة على الدين في توطيد الصلة بين الحِس الإنساني وأتباع ديانة معينة.
تزامن بمناسبة شهر رمضان أن يُقام معرض للخط العربي بعنوان «إبداعات كوفية» للفنان «أحمد عبد العزيز» بـ (قاعة الأرض) في (ساقية الصاوي)، حيث يستعرض خلال لوحاته جماليات الخط العربي، والكوفي منه على وجه خاص. من ناحية أخرى يٌقام حالياً معرض للتصوير الفوتوغرافي بعنوان «مجمع الأديان» بـ (مركز البلد الثقافي) في (مكتبة البلد) بالتحرير. وهو عبارة عن لقطات لـ «مجمع الأديان» بمصر القديمة، لكل من الفنانين «أحمد بيرو» و»كريستين صفوت»، وقد قدم كل منهما لقطات تجمع إنتاجات الفنان المصري خلال رحلته عبر الأديان الثلاثة، والآثار التي خلفتها الشخصيات المقدسة التي زارت او انوجدت على أرض مصر.
التوسل بالحرف
جاء الإسلام وحرّم التصوير والتجسيد نكاية في تراث جاهلي كان لم يزل قريباً وقتها، وكان لابد من محو كل آثاره في نفوس معتنقي الدين الجديد آنذاك، لذلك لم يجد الفنان المسلم سوى الحرف ليتوسل به إلى الله، ويصبح فنه هذا في خدمة أهم مظاهر الديانة وهو الآيات القرآنيـــة، فكان الحرف وكان فن الخط العربي.
ويُطالعنا الفنان «أحمد عبد العزيز» بالعديد من اللوحات الكبيرة لاستعراض جمايات (الخط الكوفي) الذي يحمل المعرض اسمه، نظراً لما يحمله هذا الشكل الخطي من زخارف تتفوق على أنواع الخطوط الأخرى، وبالتالي يتيح للفنان استعراض إمكاناته الفنية وقدراته الابتكارية على صياغة الآيات القرآنية والأدعية في شكل جمالي مُبهر. إضافة إلى أن استخدام الخط الكوفي يُعد من أقدم الخطوط العربية التي عبّر بها الفنان المسلم عن هويته الجديدة ــ يُنسب هذا الخط إلى الكوفة وهو في الأصل مأخوذ عن الخط الأسطرنجيلي الآرامي ــ فهو تحدٍ كبير للفنان في الوقت الحالي، الأمر الذي يعتمد على خياله ومدى حريته في الابتكار والتجديد. وتعد اللوحات المعروضة استعراضاً شبه احتفالي بهذه الجماليات وتمكّن صاحبها من أسرارها، فهناك القوة والرصانة في الخط مع الامتزاج التام بالزخرفة العالية.
والفنان «أحمد عبد العزيز» من مواليد عام 1949، حاصل على دبلوم الخط العربي عام 1999، ودبلوم التذهيب عام 2001، كما التحق بكلية الفنون الجميلة بالزمالك ــ القسم الحُر ــ تخصص تصوير زيتي وغرافيك. وشارك في أكثر من أربعين معرضا جماعيا داخل مصر وخارجها.
التوحيد من خلال الفن
نظراً لتاريخ الفن الطويل على أرض مصر، لم يجد الفنان المصري مُعضلة في تطويع المُتغيرات الكبرى التي تطرأ على حياته الاجتماعية من الناحية الفنية، وربما (مجمع الأديان) خير دليل على قدرة هذا الفنان على تحوير أساليبه وفق الديانات المتعددة التي طالت أرضه، بل ونقل وتطعيم مفرداته وبثها خلال الأديان التوحيدية، مع الحفاظ على خصائص الطرز المعمارية لكل منها، كتحوير شكل الأعمدة المُصممة منذ عهود الفراعنة، لتصبح أعمدة لمعبد يهودي أو دير، وصولاً إلى مسجد إسلامي. من ناحية أخرى نجد الزخارف المتباينة التي تتميز بها عمارة كل ديانة على حدة، أضافة إلى شكل القباب الذي تطور من المسيحية حتى الإسلام.
الأمر الذي يهدف إليه المعرض الفوتوغرافي (مجمع الأديان) هو استعراض رمزي لكيفية تعايش هذه الأديان معاً على أرض مصر، وعدم إهدار واحدة لحساب أخرى، أو نفيها نفياً مطلقاً، ولعل الفن يقوم بدوره ويرقى بحس الإنسان الذي يصنّف الآخر حسب ديانته، وهي آفة طالت مصر رغم كل الأحاديث الباهتة في وسائل الإعلام.
كل من الفنانين «أحمد بيرو» و»كريستين صفوت» قاما بالتقاط صور متباينة تمثل التطور الفني من حيث طبيعة التصميم المعماري واختلافه، كما في المعبد اليهودي (معبد إبراهيم بن عزرا)، وجامع عمرو بن العاص، والكنيسة المعلقة والمتحف القبطي، وكنيسة مار جرجس. هذا بخلاف الأيقونات القبطية التي تحمل الصليب أو وجه السيدة العذراء والسيد المسيح، والقديسين. ورغم تشابه بناء الكنائس والمعابد المصرية القديمة، إلا أن هذا التشابه يتحوّر إلى أعمدة تفصلها فراغات أكثر عن مثيلاتها في المعابد، ولعل السبب يعود إلى أن البناء تم في وقت دخول الديانة المُنتصرة، وفي ظِل قوة عسكرية تحميها، كانت تريد ترسيخ وجودها عبر أهم تجسيد لها وهو (المساجد).
رحلة مجمع الأديان هي رحلة في روح الحضارة المصرية، والفنان المصري الذي لم يوقفه شيء عن التعبير بالفن، حتى ولو كان هجرة للتجسيد المولع به، في سبيل التجريد الذي أعطاه من روحه تكوينات حِسيّة لا تخفى على أحد.
محمد عبد الرحيم: