ان تعيش الحرب!
الياس خوريان تعيش الحرب!كبف يكون السلام في بلاد لم تعرف سوي الحروب؟فجأة تذكرنا في لبنان وفلسطين ان ما اسميناه سلاما كان خدعة. لا اريد ان اقول ان اللبنانيين خدعوا انفسهم بعد اتفاق الطائف، او ان الفلسطينيين صدقوا اتفاق اوسلو. لكن كان هناك ما يشبه العطش الي القليل من الهدوء والي الشعور بأننا يجب او يحق لنا ان نرتاح. لكن ذلك السلام لم يكن سلاما، كان مجرد هدنة. لذا ننظر الي الوراء فلا نجد لأنفسنا سوي ذاكرة الموتي والخراب.مشكلة الحروب الطويلة، كالتي تعيشها البلاد الشامية ومعها المشرق العربي، ليست الموت. الموت حق، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره/ تعددت الأسباب والموت واحد ، مثلما علمنا الشاعر، انها مشكلة الكلام. فالموت الحقيقي هو موت اللغة. وهذا ما تعيشه الحياة السياسية العربية منذ عقود. يتخذ موت اللغة شكل التكرار، بحيث تتلاشي المعاني، وتدور المعارك بين تكرار وتكرار آخر. وحين تموت المعاني، تبرز الاشكال الاجتماعية التقليدية: العشائر والطوائف والعائلات، لتصبح مرجعية وحيدة.صورة التكرار قد تكون طريفة بالنسبة لمعلق يعيش بعيدا، او لعالم اجتماع يدرس علامات الانحطاط، لكنها ثقيلة ولا تحتمل حين تعيش في وسطها، وتجد نفسك مجبرا علي كتابتها، كحال الميت الذي يصف موته بكلمات متحشرجة. قد ينتج هذا الواقع ادبا كبيرا، وهذه مسألة مرتبطة بالكتاب كأفراد، لكنه ينتج ايضا الما كبيرا.تعالوا مثلا نقرأ بعض علامات هذا الزمن التكراري، الذي اميل الي تأريخ بدايته بعام 1982، اي بسقوط بيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا. وهذا مجرد افتراض، اذ ينبغي ان نبدأ من نقطة محددة، قد لا تكون هي النقطة الصحيحة. اذ ان اقتراح الخامس من حزيران/ يونيو 1967، كبداية قد يكون اكثر شمولية. لأن الهزيمة العربية الكبري عام 1967، اسست لتكرارين متزامنين، شكلا سمات تاريخ المشرق الحديث:التكرار الأول، كان تحويل التجربة الانقلابية الناصرية الي مسوخ تتناسخ. فبعد هزيمة الناصرية بدأت تبرز ملامح طغاة صغار اعتقدوا انهم يستطيعون ان يرثوا عبدالناصر، من الديكتاتور الليبي الي جعفر النميري في السودان الي البعثين السوري والعراقي. وجاء موت ناصر عام 1970، ليفسح في المجال امام ولادة ديكتاتوريات وحشية، لم تتعلم من الناصرية سوي درسي القمع والفساد. ناصر الذي لا نجد له تمثالا واحدا في مصر، مسخ في تماثيل لا حصر لها لمن ادعي وراثته من الانقلابيين العرب. حتي وصلت الأمور الي اعلان الديكتاتور نفسه قائدا الي الأبد، والي ما بعد الأبد ايضاً، وتأسس النظام الجملكي ، الذي اطلق عليه رياض الترك اسم الجمهوريات الوراثية.التكرار الثاني، تمثل في انتقال الثقل السياسي والمالي والايديولوجي الي الدول النفطية الخليجية. انهيار الناصرية وصعود الساداتية، لم يعلنا انزياح مصر عن الزعامة العربية فقط، بل اتخذا شكل انتقام وهابي من محمد علي. لقد جاءت مرحلة الحقبة السعودية، كما اسماها صادق العظم، لتؤسس انقلابا ثقافيا شاملا، اتخذ شكل الانتقام من منجزعصر النهضة العربية، واكتمل هذا الانقلاب، مع المد الاصولي الذي اطلقته الثورة الايرانية، وتحوّل واقعا جديدا في الحرب الأفغانية، الذي كان تنظيم القاعدة احد افرازاتها.من الطريف ان نلاحظ كيف ادارت المملكة السعودية الوضع العربي الجديد، تحالفت مع البعث العراقي ودفعته الي الانزلاق نحو حربه الدموية ضد ايران، وتحالفت مع عدوه البعث السوري، واقتسمت معه التركة الفلسطينية في لبنان، بعدما تركت الفلسطينيين واللبنانيين لمصيرهم الفاجع في بيروت 1982.جذر التكرار اللغوي الذي نعيشه وسط الحروب والدم، يكمن في الهزيمة الكبري التي منيت بها مصر عام 1967. لم تفتح الهزيمة باب النقد الذاتي من اجل استخلاص عبرها والنظر الي الامام، بل فتحت ابواب الماضي كله، واعادت المشرق العربي الي لغة ما قبل النهضة.الانظمة الديكتاتورية تحولت الي انظمة تقلد الزمن المملوكي في انحطاطه. انتفخت بالفراغ السياسي الذي خلفته الناصرية، واستغلت ضعف الفكرة الديموقراطية في اوساط النخبة العربية، التي انهكتها الناصرية قبل ان تستوعبها، من اجل ان تحوّل اللغة الوطنية والقومية لغواً، وتفتح ابواب السجون وتؤسس لمنافي الثقافة العربية.اما انظمة النفط، فقد نجحت في تحويل الفكر الأصولي سيفا مسلطا علي الجميع، استولت علي الانتاج التلفزيوني قبل ان تستولي علي جزء كبير من الانتاج السينمائي، انفردت بالاعلام وحولت الجامعات مراتع لها، وفرضت ارهابا فكريا لا سابق له. ووصلت الي الحضيض عبر استغلال مغامرة احتلال الكويت من اجل وأد الفكرة العربية.لقد تأسس الموت التكراري في المتن العربي، اي في الاقطار الكبري: مصر، سورية والعراق، قبل ان يحاول ابتلاع الاطراف في لبنان وفلسطين، وقبل ان تدرج حماقة احتلال العراق بلاد الرافدين في سياق الحروب الداخلية والاهلية.هنا في الجناحين اللبناني والفلسطيني كان الثمن باهظا ولا يزال. وهنا بدأت منذ العام 1982، مرحلة تكرار المكرر، ومقاومة هذا التكرار ولو بالموت.ولنا متابعة. 0