الخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (2)
تضليل اعلامي مارسته فوكس نيوز.. وبحث شعبي امريكي عن اعلام بديل… والجزيرة اصبحت مدفعا منفلتاالتركيز علي فكرة عراق صنعه البريطانيون بقوة السلطة ليس صحيحا لكن وحدته اليوم عرضة للخطرالخـروج مـن العـراق: خطـة عمليـة للانسحـاب الآن (2)جورج ماكغفرن ووليام بولكتنشر القدس العربي بعض فصول الكتاب الذي سيصدر عن مركز دراسات الوحــــدة العربية في بيروت وضعه الباحثان الدكتور جورج ماكغــــفرن والدكتور وليام بولك، ويقترح الباحثان في كتابهما خطة عملية للانســـحاب من العراق الآن .صحافة الفنادقلم يذهب إلي العراق إلا قلة من الصحافيين الذين يعرفون اللغة العربية، لذا لم يكن ممكناً الحصول علي آراء معظم العراقيين وملاحظاتهم. إنما نميل إلي القبول بهذه الحقيقة باعتبارها من المسلّمات، لأن العربية هي لغة صعبة لا يعرفها إلا قلة من الأمريكيين. ولكن علينا أن نسأل أنفسنا كيف نقيّم التقارير عن الشؤون السياسية الأمريكية التي يكتبها صحافي صيني لا يعرف اللغة الإنكليزية؟لم تكن اللغة هي العائق الوحيد أمام الاتصال بالعراقيين. ذلك أن الخطر الكامن في مغادرة المدينة الأمريكية المحصنة، وهي المسماة المنطقة الخضراء الكائنة في وسط بغداد، يمنع إجراء أي اطلاع مستقل علي ما يجري. فقد ذكر الصحافي الجريء روبرت فيسك الذي يكتب في جريدة الإندبندنت اللندنية أن المراسلين الغربيين (في بغداد) قد باتوا يمارسون صحافة الفنادق . وكتب صحافي، وكان عميداً لمدرسة للصحافة الأمريكية، بعد أن قام بزيارة إلي العراق قائلاً: إن الصحافيين يجدون أنفسهم قابعين في داخل حيّز صغير يخلقونه لأنفسهم لاجئين فيه ، أما إذا خرجوا منه في غزوةٍ ما فهم يذهبون محاطين بحرس مسلح في سيارات مدرعة. وكتب صحافي آخر هو فرناز فصيحي في جريدة وول ستريت جورنال نادباً حظه يقول: إن كون المرء مراسلاً أجنبياً في بغداد هذه الأيام يجد نفسه كالسجين في منزله… كنت أتجنب الذهاب إلي بيوت الناس الآخرين ولا أسير في الشوارع قط. لم أعد أستطيع الخروج لشراء الفواكه والخضروات، أو الدخول إلي مطعم لتناول وجبةٍ ما، أو أن أبدأ محادثة مع غرباء، أو أن أبحث عن شيء يروي، ولا أستطيع الركوب في سيارة إلا إذا كانت مصفحة تماماً، ولا الذهاب إلي أماكن حدوث الأخبار العاجلة، ولا التوقف في زحام الشوارع، ولا التحدث بالإنكليزية خارج مكان إقامتي، ولا يمكنني أن أقول إنني أمريكي، أو التوقف أكثر مما يجب عند نقطة تفتيش، ولا أستطيع أن أكون فضولياً بشأن ما يتحدث عنه الناس أو ما يفعلونه أو ما يشعرون به. ولا أستطيع.. ولا أستطيع.. ولا أستطيع.. . وأقرت مراسلة جريدة الغارديان ، ماجي أوكين، قائلة: لم نعد نعرف ما يجري من حولنا، ولكننا ندعي أننا نعرف . أما الأكثر إثارة للاضطراب فهو المقال الذي كتبه مارك وانر في مجلة New York Review of Books وجاء فيه إن المراسل الذي تشاهدونه يوقع مقاله المسائي من منطقة الحرب ويكتب اسمه والصحيفة التي يراسلها وتاريخ رسالته في بغداد هو في العادة يخاطبكم من أرضية فندق محوط بحماية كاملة من الحراس أو من سطحه ـ وقد لا يكون قد غامر بالخروج من الفندق طوال اليوم.. أما إذا حدث وغادر الفندق فهو لا يغادر إلا بسيارة مسلحة محوطاً بحماية من حراس مسلحين، وتكون وجهته إما لحضور مؤتمر صحافي أو للاستماع لإيجازٍ ما أو لإجراء مقابلة معدَّة سلفاً في الملجأ الشاسع الذي يحكمه الأمريكيون المعروف باسم المنطقة الخضراء . هذا وعلي الرغم من الاحتياطات التي يتخذها الصحافيون، فقد قتل منهم واحدٌ وستون منذ الغزو الأمريكي. وهكذا فإن المراسلين الأمريكيين والبريطانيين صاروا ينسبون التقارير التي يكتبونها إلي مصادر موثوقة محلية. لذا فنحن حين نقرأ رسالة صحافية مرسلة من مراسل اعتدنا علي الوثوق بما يكتبه، صرنا نعلم الآن أنه في غالب الأحيان أخذ يعتمد علي شخص آخر لا نعرفه نحن. وقد علّق أحد المراسلين عند مغادرته العراق قائلاً بأنه إنما يعتمد علي آخرين في ما يكتبه لأنه لا يستطيع الادعاء بأنه يغطي بنفسه الأخبار في بغداد، وأن الادعاء بخلاف ذلك لم يعد عملاً صادقاً .بين الجزيرة وفوكس نيوزطالما وجد هؤلاء المراسلون الذين يخاطرون بحياتهم من أجل تزويدنا بالأخبار أن ناشريهم لا يفسحون لهم المجال ليسمعوا منهم ما يقولون. إن جريدتي نيويورك تايمز و واشنطن بوست اعترفتا بأنهما لم تكونا مفتوحتي الصدر بما فيه الكفاية لما يكتبه مراسلوهما من المستقلين في الرأي، ولا كانتا تتخذان موقفاً ناقداً لأن بعض المراسلين قد خسروا استقلاليتهم وغدوا بمثابة ناطقين باسم الحكومة الأمريكية. فحين أصبحت مراسلة وول ستريت جورنال في بغداد منتقدة شديدة لهذه الحكومة لجأت الجريدة إلي نقلها إلي مكان آخر. أما هيلين توماس، كاتبة العمود في إحدي جرائد هيرتس والتي تعتبر عميدة الصحافيين في البيت الأبيض، فقد كانت قاسية تجاه زملائها المراسلين قائلة: إن وسائل الإعلام باتت صدي لما يصرح به البيت الأبيض .أما في التلفزيون، فإن هناك لأخبار العراق محطتين متعارضتين هما فوكس نيوز و الجزيرة التي تبث من قطر. كانت فوكس نيوز قد أصبحت بمثابة جهة تابعة للمكتب الصحافي العسكري سواء في قطر أو في ما بعد في بغداد. أما الجزيرة فكانت شوكة في خاصرة العسكريين. كانت مجلة نيوزويك قد قالت: إن الجزيرة المحطة التلفزيونية المعروفة بالنسبة إلي الحرب في العراق شبيهة بما كانت عليه محطة CNN بالنسبة إلي حرب الخليج ـ أي أنها المصدر الرئيس للأخبار في العالم . إن التغطية الإخبارية التي تقوم بها الجزيرة المحطة التلفزيونية المعروفة أثارت حفيظة الرئيس بوش إلي درجة أنه بحث مع رئيس الوزراء البريطاني بلير رغبته بقصف تلك المحطة. يقول السيد بلير إنه أثني الرئيس بوش عن القيام بذلك. لكن حقيقة الأمر هي أن القوات الأمريكية كانت قد قصفت مكاتب الجزيرة المحطة التلفزيونية المعروفة مرتين، الأولي في أفغانستان، والثانية في العراق حيث قتل أحد الصحافيين. كان تفسير الجانب العسكري للحادثين بأنهما وقعا عن طريق الخطأ، علي الرغم من أن الجزيرة المحطة التلفزيونية المعروفة كانت قد أخبرت المسؤولين عن موقع مكتبها بشكل دقيق. إن القوات الأمريكية كانت كذلك قد اعتقلت واحداً وعشرين من موظفي المحطة ومراسليها وسجنتهم مؤقتاً. كما أنها قامت باعتقال أحد مصوري الجزيرة وأحد مراسليها وأرسلتهما إلي سجن أبو غريب حيث خضعا للتعذيب، وقامت أيضاً بالإغارة علي مكتب المحطة في بغداد وختمت عليه بالشمع الأحمر ومنعتها من البث من العراق. وأخيراً فإن كبار المسؤولين الأمريكيين وبضمنهم نائب الرئيس ووزير الدفاع ووزير الخارجية كانوا قد ضغطوا علي دولة قطر في الخليج، وهي المالكة لمحطة الجزيرة، لغلقها. علماً أن القاعدة الأمريكية الرئيسية موجودة هناك.فلماذا يا تري أغضبت الجزيرة القيادة الأمريكية غضباً شديداً؟ سنجد الجواب لدي پول بريمر، الحاكم الإداري الأمريكي في بغداد، وذلك في كتابه المعنون: عامٌ قضيته في العراق . يقول بريمر إن محطة الجزيرة كانت تسجل أحداثاً غير ملائمة لنا، إذ كتب قائلاً عن حصار الفلوجة حيث نشبت معركة كبري في ضواحي المدينة: إن الجزيرة كانت توثق كل شيء عند اشتداد القتال وتزايد عدد الإصابات . والأنكي من ذلك أن هذه المحطة أذاعت مقابلة مع الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي. إن الجزيرة كانت بنظر الحكومة الأمريكية باختصار عبارة عن مدفع منفلت . إن هذه المحطة كانت أسوأ المخالفين للدروس التي تعلمها العسكر خلال حرب فييتنام، وهي: أن ما يشاهد علي شاشات التلفزيون وما يقرأ في صفحات الجرائد هو جزء من المعركة. لذا علي العسكر أن يسيطروا علي الأخبار. كانت القيادة العسكرية الأمريكية في العراق في تصميمها علي القيام بذلك قد فرضت قيوداً علي المحادثات التي يجريها المراسلون حتي مع الجنود الأمريكيين.البحث عن اعلام بديلما إن أدرك الكثير من الأمريكيين أنهم لا يحصلون علي الحكاية الكاملة لما يجري، أو أنهم في الغالب لا يحصلون حتي علي الحقيقة، فقد أخذوا يقومون بما قام به من قبلهم الروس المناهضون للسوفييت قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، إذ لجأ هؤلاء إلي وسائل اتصال أخري. كان الروس يستخدمون آلات الاستنساخ لنشر الأخبار في ما بينهم. ونحن الآن نتجه إلي الإنترنت، لكي نطلع علي ما لا تنشره صحف الرأي السائد. هناك الآن مئات إن لم نقل آلاف من مواقع الإنترنت علي جانبي الأطلسي وحتي في العراق.وعندما وجدت إدارة بوش أنها غير قادرة علي السيطرة علي وسائل الإعلام أو علي الإنترنت لجأت إلي تحريف الأحداث الإعلامية لغرض توصيل رسالتها الخاصة بها. ففي 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2005 مثلاً ظهر الرئيس بوش علي التلفزيون وهو يسأل مجموعة من الجنود الذين جري اختيارهم كيفما اتفق كما قيل عما يرونه بشأن مجري الحرب في العراق. ولكن هذه المجموعة لم يجر اختيارها كما اتفق، كذلك كانت إجابات الجنود معدة سلفاً: إن المشاركين كانوا قد اختيروا بعناية، كما شوهد أحد موظفي وزارة الدفاع وهو يدربهم قبل العرض. وفي مناسبة أخري أراد الرئيس بوش أن يؤكد للجمهور أنه يبتغي المشورة من كبار الساسة القدامي المؤهلين. أظهرته عدسات التلفزيون مجتمعاً مع عدد من وزراء الخارجية السابقين ومسؤولين كبار آخرين، ولكن الاجتماع لم يدم سوي نحو عشر دقائق بما يكفي فقط لالتقاط الصور. لقد كانت الصور بذاتها هي المشورة إياها.وعلي هذا، فكيف يمكن لمواطن ذكي أن يعثر علي ما يحتاج إلي معرفته لكي يؤدي واجباته المدنية المطلوبة منه؟ كيف يمكن له أن يفرق بين الدعاية والحقيقة؟ هل يستطيع الفرد أن يعثر علي وسائل لاكتشاف ما يحدث حقاً؟الجواب المختصر علي ذلك هو الاجتهاد والوقت، إضافة إلي جرعة سليمة من الشك. هذا، فحتي المعلومات التي تحاول الحكومة حجبها تتسرب في النتيجة بطريقة أو بأخري. فالمسؤولون الحكوميون الذين خابت آمالهم، والذين يطلقون التحذيرات، والمهنيون المتقاعدون، لا بل حتي مسؤولو الوزارات يجدون أنفسهم مدفوعين في نهاية المطاف ـ بدافع الوطنية أو غيرها ـ إلي القيام بمشاركة غيرهم بما يعرفونه. لكن كلفة التصريحات العلنية هي كلفة باهظة أحياناً: لقد جري تدمير الحياة العملية لعدد من كبار الضباط ورجال الاستخبارات والدبلوماسيين. لقد جري طرد أحد مؤيدي بوش، الذي كانت تغدق عليه الأماديح، من عمله في إحدي المؤسسات الفكرية الخاصة .بيد أن مجتمعنا التعددي يتيح المجال للتعبير عن جميع الآراء، وحتي المعارضة منها. إنه لحسن الحظ مجتمع فيه من الغني والتضاد ما يكفي للتسامح، لا بل حتي لدعم منظمات ملتزمة بالدعوة لأجنداتها ذات الاختلاف. إنه حتي مصادر المعلومات غير الدقيقة تقدم لنا آراء مختلفة ومتناقضة تدعونا بذاتها إلي تثقيف أنفسنا وإلي المطالبة بمزيد من المعلومات الجيدة والأفضل مما يقدم لنا. هناك لدينا ما هو أكثر أهمية، مثل: مئات الكليات والجامعات المنتشرة في طول الولايات المتحدة وعرضها والتي تقدم برامج عن الشؤون الدولية أو عن الدراسات الإقليمية بما في ذلك عن الشرق الأوسط. إن عدداً من هذه المؤسسات تقدم برامج دراسية موسعة وتقيم ندوات عامة. كما يقوم أساتذتها باقتراح ما يجدر الاطلاع عليه من الكتب والمقالات والخرائط، فضلاً عن إلقائهم المحاضرات عن التاريخ والثقافة وأحداث العالم. وعلي هذا يكون بوسع المواطن الذكي أن يحصل بالمثابرة علي فكرة معقولة عما يجري حوله. أما التحدي فيكمن بتكريس الوقت. غير أن الجمهور الأمريكي والكونغرس أيضاً لم يكرسا كما هو واضح هذا الوقت لموضوع الحرب في العراق.فشل الحزب الديمقراطيإن مؤلفَيْ هذا الكتاب أصيبا بخيبة الأمل من جراء فشل الحزب الديمقراطي، ولا سيما أعضاؤه في الكونغرس، في تطوير معارضة مخلصة، ذكية، وذات معلومات عن سياسة الإدارة الأمريكية بشأن قصف العراق وغزوه واحتلاله. علماً أن اثنين وعشرين عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ ومئة وستة وعشرين عضواً من الديمقراطيين في مجلس النوّاب عارضوا قرار الحرب. كما أن عدداً من الشيوخ والنوّاب تكلموا بشدة ضد الحرب. ولكن، وعلي الرغم من الخطابات الفردية، وما جري من تصويت معارض في الكونغرس، فإن المعارضة المخلصة، معارضة الحزب الديمقراطي، كانت معارضة خجولة. والأهم من هذا لم يتم إجراء تحقيق في الكونغرس عن الحرب في العراق علي غرار ما جري من جلسات استماع عامة موسعة في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ برئاسة السناتور وليم فولبرايت عن الحرب في فييتنام. لقد أدت تلك الجلسات التي غطتها الصحف تغطية واسعة إلي تثقيف الكونغرس والجمهور عن وقائع تلك الحرب وحماقاتها. إن الافتقار إلي مثل هذا الجهد الموثوق والمتواصل قد حرم الأمة من الكثير من المعلومات والثقافة التي يحتاجها المواطنون لتكوين فهم موضوعي لقضايا العراق اليوم.لقد كانت أصوات الديمقراطيين خافتة حتي حين انضمت إليها أصوات بعض الجمهوريين الجريئة والصريحة جداً مثل السناتور الجمهوري جاك هيغل الذي قال عن العراق إنه إعادة مطلقة لفييتنام . إن مشاعر الاستياء التي كانت تبدي في الكونغرس لم تنتج شيئاً شبيهاً بعاصفة المعارضة التي هبت ضد حرب فييتنام وانفجرت في الكونغرس وحرم الجامعات والكنائس والصحافة وفي أرجاء الأمة كلها. ولا بد من الاعتراف بأن التسويق المضلل والفعال الذي قامت به إدارة بوش قد جعل العديد من الأمريكيين يؤيدون الحرب علي العراق.في خلال النزاع حول فييتنام قام الكثير من الشباب الأمريكي بمعارضة تلك الحرب بسبب سريان نظام التجنيد العسكري الإلزامي في ذلك الحين. وبعد أن ألغي ذلك النظام لم يعد الأمر يشغل بال الشباب الأمريكي وأسرهم، إذ لا يوجد تجنيد إجباري خلال الحرب في العراق، لذا لم يعد لدي هؤلاء ما يكفي للوقوف ضدها.وقد لعب التاريخ السياسي للمرحلة منذ الحرب العالمية الثانية دوراً كذلك. إن الجمهوريين وأصحاب استراتيجياتهم، وبعد أن عجزوا عن الحيلولة دون انتخاب فرانكلين روزفلت أربع مرات متعاقبة خلال فترة الكساد الاقتصادي والحرب العالمية الثانية، وفشلهم أمام انتخاب هاري ترومان في عام 1948، أقلعوا عن مهاجمة الأجندة الليبرالية المتمثلة بالصفقة الجديدة (New Deal) والصفقة المنصفة (Fair Deal) لكلٍ من روزفلت وترومان علي التوالي. وعوضاً عن هذا تحولوا في توجيه نيرانهم السياسية نحو الديمقراطيين والليبراليين زاعمين في البداية أنهم “غير صلبين بشأن الشيوعية” وزاعمين مؤخراً أنهم “غير صلبين بشأن الإرهاب” فما إن لدغوا بهذه النعوت السياسية الزائفة والتي أدت أحياناً إلي هزيمتهم، اتجه عدد من الديمقراطيين نحو الظهور بمظهر المحاربين والمقاتلين حين توجه الدعاية السياسية ضدهم.إن جهود الديمقراطيين في الظهور بهذا المظهر مع اتخاذ موقف العداء تجاه الشيوعية في البداية، ثم تجاه الإرهاب الآن لم ينفع الشعب الأمريكي كثيراً. إن ما ينفع مواطنينا نفعاً أكبر ويخدم مصلحتنا الوطنية خدمة أفضل يتمثل بقيام المعارضة الأمينة بجهد قوي وشجاع ومتواصل لتقرير وقائع الأمور المتعلقة بالحرب وكشفها للكونغرس والجمهور والصحافة.سلبية الصحافةوفي حين آثار بعض الصحافيين البارزين عدداً من الأسئلة وطالبوا بالإجابة عنها، فإن الصحافة بشكل عام كانت في الغالب، كما أشرنا سابقاً، سلبية، أو أنها فرضت رقابة غير رسمية علي ما تنشره. وبالتالي لم تعد لدي الجمهور المعلومات الصحيحة ولم تواجه الحكومة الأمريكية معارضة قوية لسياساتها في العراق كالتي واجهت الحكومات السابقة بشأن فييتنام. وبما أن نظامنا السياسي قد صمِّم لتمكين الشعب من المطالبة بالمعلومات ولتصحيح السياسات الخاطئة للحكومة، فقد أصبحنا أسوأ حالاً من جراء فشل الكونغرس ووسائل الإعلام. ولسوء الحظ لم تقم المعارضة السياسية الأمينة ولا الصحافة بخدمة الأمة خدمة حسنة في سنوات الحرب في العراق. إنها فشلت إلي حدٍ كبير بتلبية حق المواطنين والجنود بالمعرفة.إننا ندرك أن عدداً من أعضاء الكونغرس ورجال الصحافة يؤيدوون بصدق قصف العراق وغزوه واحتلاله كما كان الحال بشأن الحرب في فييتنام. غير أننا لسنا معنيين هنا بالمستويات الأخلاقية الشريفة. إن بعض أعضاء الكونغرس يعتقدون، علي ما هو واضح، بأن معاملة المسؤولين الأمريكيين المهينة لأسري الحرب وتعذيبهم لها ما يبررها. إلا أنهم تعرضوا للتوبيخ من قبل المحكمة العليا الأمريكية في قرارها الصادر في 29 حزيران/يونيو 2006 والذي جاء فيه أن رئيس الجمهورية لا يمكن أن يكون فوق الدستور الأمريكي. إن علينا أن نتذكر ذلك لأن البعض علي استعداد لحروب إضافية ضد إيران وكوريا الشمالية. إن من الضروري أن نكرر أن الصورة التي ترسم من أجلنا تستند إلي معلومات ناقصة، كما أنها في الغالب معلومات مشبوهة. علينا دائماً أن نتذكر القول المأثور: أنت ستعرف الحقيقة وأن الحقيقة ستجعلك حراً . ولنا أن نضيف له أن الحقيقة ستعزز من أمننا ورفاهنا.وللأسف فإن حكومتنا لم تساعدنا علي العثور علي الحقيقة. ويصح وصف موقفها كالآتي: “إننا سندير الحرب؛ ومهمتكم هي البقاء علي المسار، ودفع الفواتير”. وإذ تحولت الأشهر إلي سنين منذ أن قيل إن المهمة “أنجزت” وذلك في شهر أيار/مايو 2003 والحكومة ما فتئت تكرر لنا أن الضوء يمكن أن يري في نهاية النفق. ولكن، ما هو ذلك الضوء؟ قد لا يكون ضوء النصر بل أضواء قطار قادم محمل برجال ونساء من الذين حولهم الغزو الأمريكي والاحتلال إلي إرهابيين مناهضين لأمريكا. فكيف حدث ذلك؟ هذا هو السؤال الذي سنجيب عنه في الفصول الثلاثة التالية التي تؤلف بمجموعها ما قد يسميه رجال الاستخبارات “تقييماً” لما نواجهه أمامنا وما علينا عمله، تقييماً لقوتنا وضعفنا، ولما سيقوم الشعب العراقي بدعمه أو القتال ضده، ولما سيوافق عليه أصدقاؤنا وحلفاؤنا أو لا يوافقون عليه، ولمواقفنا ومصالحنا ذاتها. إننا نرمي إلي القيام بذلك النوع من تقدير الأضرار الذي يطالب به قائد سفينة بعد معركة بحرية أو بعد اصطدام. إن إجراء تقدير للأضرار بحيث يكون تقديراً واقعياً ومتزناً لن يكون سهلاً، ولكنه ضروري إذا أردنا أن نصون أمتنا.مـا هـو العـراق، ومـن هـم العراقيـون؟إن فهم جغرافية العراق وبنيته السكانية هما من الأمور الضرورية لتفهّم التغييرات التي أحدثها الغزو الأمريكي ـ البريطاني له ومن ثم احتلاله، ذلك أن ردود فعل العراقيين الدينية والثقافية والسياسية تجاه تجاربهم التاريخية هي التي تكوّن العدسات التي من خلالها ينظرون إلي بعضهم بعضاً وينظرون إلينا. إن عدم الفهم لـ، لا بل عدم الاهتمام بالكيفية التي ينظرون بها إلي أنفسهم وإلينا، كانا أحد الأسباب لفشلنا في العراق. إن الأمريكيين ما زالوا يعملون وكأن العراق هو عبارة عن صحراء جرداء يمكننا أن نسلط عليها قوة أمريكية لكي تصب شعبها الذي لا شكل له علي شكل صورتنا. هذا في حين أن العراق هو أمة من الأمم السحيقة القدم في العالم، وكان قبل خمسة آلاف سنة من الزمن هو الجنينة التي منها نشأت حضارتنا.العراق اليوم هو قطر صغير وناءٍ، وهو بحجم ولاية تكساس، وعدد سكانه يبلغ 27 مليون نسمةً، وعاصمته بغداد تبعد نحو ستة آلاف ميل من نيويورك. إن العراق باستثناء بقعة ضيقة يصب فيها نهراه في الخليج الفارسي، هو قطر محاط بالبراري والصحاري والجبال الوعرة. كان الأوروبيون يسمونه في الأزمنة القديمة وحتي الحرب العالية الأولي باسم ميسوبوتاميا (Mesopotamia) ، وهي كلمة إغريقية تعني بين النهرينش. وكان هذا اسماً لائقاً لأن دجلة والفرات وروافدهما كانا دائماً ما يحدد شكل البلاد ويشكل نمط الحياة لسكانه.في شمال العراق تمتد الأرض مرتفعةً إلي الهضاب وإلي جبال طوروس (Zagros) في جنوب تركيا وغرب إيران. والمناخ بارد هناك معظم أيام السنة ويكون قارص البرد في الشتاء. إنها منطقة أنعم الله عليها بمطر غزير، والسكان فيها قرويون مستقرون يعملون بالزراعة في الوديان السحيقة المتعددة التي تمتد في سلسلة التلال الجبلية. إن نحو سدس العراقيين يعيشون في هذه المنطقة، وهم أكراد العراق، أما بقية الأكراد فيعيشون في الأقطار المجاورة. إن نحو خمس السكان في تركيا هم أكراد، كما إنهم يعدون عشرة في المئة من سكان إيران وسوريا، فلو أنهم اتحدوا في قطر واحد لشكّل “كردستان” إقليماً بحجم ولايتي كاليفورنيا وبنسيلفانيا مجتمعتين، أي أنه أكبر حجماً من حجم العراق الحديث. إن الأكراد يتكلمون لغة هندو ـ أوروبية (ذات صلة بعيدة بالإنكليزية) وهم ورثة ثقافة متميزة تميزهم عن أغلبية السكان للأقطار الأربعة التي يعيشون فيها. لقد اشتهروا خلال التاريخ بكفاحهم الضاري من أجل الاستقلال ولكنهم منقسمون بعضهم عن البعض الآخر بفعل أراضيهم الوعرة، لذا لم يتمكنوا من تحقيق وحدتهم. إن الأكراد الذين يعيشون في العراق اليوم يبلغ عددهم نحو أربعة ملايين نسمة، ويدينون بالإسلام، وهم في أغلبيتهم الساحقة من الطائفة السُنيَّة.أما وسط العراق، فهو سهل يبلغ حجمه بحجم ولاية لويزيانا. وهذه المنطقة، علي خلاف المنطقة الجبلية الشمالية، لا تسقط فيها الأمطار إلا بالكاد، لذا يتجمع سكانها في قري وبلدات ومدن علي ضفاف الأنهار. ينبع نهر الفرات من تركيا ويمر بسوريا، أما نهر دجلة فينبع من جبال طوروس بمحاذاة الحدود الإيرانية. وإنه لمن خلال مواجهة التحديات التي تفرضها السيطرة علي هذين النهرين الكبيرين أن ظهرت أولي الحضارات في تلك الأرض السحيقة القدم، ونعني بالحضارة هنا ظهور المجتمعات المنظمة ذات السجلات المدوّنة وتقانة الريّ. إن السكان الذين يقطنون اليوم في هذا السهل الأوسط هم كلهم من الناطقين بالعربية، وهم، شأنهم شأن الأكراد، جلّهم من المسلمين السُنَّة.وفي الجنوب يتقارب دجلة والفرات أحدهما من الآخر، ثم يلتقيان بالقرب من مدينة البصرة. والجنوب سهل منبسط كالوسط، ولكن تنتشر فيه القنوات المائية بين النهرين. كانت هذه المنطقة منذ القدم بمثابة سلة خبز العراق، والمعتقد لدي السكان أنها مكان جنة عدن. غير أن سكانها كانوا علي مدي التاريخ المسجل من الفقراء، كما كانوا في غالب الأحيان من المضطهدين. وفي القرن الأخير صُيِّر عدد منهم إلي ما يقرب من العبودية. إن سكان هذه المنطقة هم من الناطقين بالعربية كسكان السهل الأوسط، ويبلغ تعدادهم خمسة عشر مليون نسمة، وهؤلاء الجنوبيون متأثرون دينياً وثقافياً بإيران المجاورة، وهم من المسلمين الشيعة شأنهم شأن الإيرانيين البالغ عددهم خمسة وستين مليون نسمة. وفي غرب الفرات تمتد صحراء كبري إلي سوريا والأردن، وتمتد غرباً إلي السعودية. وبالنظر إلي قلة المياه فيها فإنها لا يقطنها إلا البدو الرحالة. وهي اليوم تكاد تكون غير مأهولة إلا في واحات بمحاذاة الفرات، ذلك لأن معظم البدو الرحالة قد أقلعوا الآن عن طريقة حياتهم التقليدية وانتقلوا إلي العيش في الأراضي المستقرة.إن دولة العراق كما كنا نعرفها قبل الغزو الأمريكي كانت قد تأسست من قبل بريطانيا العظمي في عام 1921 بضم ثلاث ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية المهزومة في الحرب. كان الناس في هذه المناطق يتمركزون في ثلاث مدن هي الموصل وبغداد والبصرة، ويختلفون في طرق كسبهم لمعيشتهم وكذلك في دياناتهم، وفيهم المسلمون الشيعة والسُنَّة والمسيحيون واليهود ومجموعات صغيرة أخري تنتمي إلي ديانات أخري، كما يختلفون في تقاليدهم الثقافية. هناك اليوم 80 في المئة من العراقيين الناطقين باللغة العربية و20 في المئة منهم من الناطقين باللغة الكردية. ثمة أعداد قليلة تتكلم الفارسية ولغات “توراتية” مختلفة. إن لدي السُنَّة العرب علي الدوام وشيجة قربي مع الأقطار العربية الأخري، في حين أن الشيعة حافظوا علي علاقات وثيقة مع إيران. أما سكان الشمال من الناطقين باللغة الكردية، فقد كانوا ينساقون بعنت إلي السياسات التركية أو يحملون علي الإحساس بالزخم الخارجي للقومية التركية.وقد حدا هذا التنوع بعدد من المعلقين علي التشديد علي صفة الاصطناع للعراق. إنهم علي حق في اعتبارهم الدولة مصطنعة، ولكنهم علي خطأ في تفكيرهم بأن هذه سمة تقريرية أو سمة فذة لا نظير لها. لا يوجد في عالم اليوم سوي بضع دول تعتبر مجتمعات منفردة محددة تحديداً ثقافياً، أي أنها تعتبر أمماً باستثناء بعض الجمهوريات في جزر صغيرة المساحة جداً. إن معظم الدول مكونة من أمم متعددة، فالصين تضم 56 أمة مختلفة، وروسيا تضم في الأقل عشرين أمة، وحتي فرنسا، وعلي الرغم من نحو قرنين من فرنستها الشديدة، فهي ما زالت تحس بقوة دفع القوميات المنفصلة. أما نحن في أمريكا فإننا فخورون بشعارنا القائل بـ الأمة التعددية ، ولكننا كافحنا طويلاً من قبل وجود العراق للتأكيد علي وحدتنا المدنية، ولم نزل بعيدين عن الوحدة دينياً أو ثقافياً أو اجتماعياً. إن الولايات المتحدة الأمريكية، إذا اضطررنا إلي المقارنة بالعراق، من الممكن أن توصف كذلك بأنها مصطنعة. وعليه، ففي حين أن العراق مصطنع فإن ثمة تأثيرات مهمة تمسكه موحداً.إن العراق كمعظم الدول الأخري إنما تمسكه موحداً مؤسسات الدولة، فوجود الأسواق وأنماط الاستخدام ونظام الخدمة المدنية والجيش وقوات الشرطة والنظام الصحي المشترك والطرق والمدارس ونظام البريد والجرائد والتلفزيون والعملة الواحدة وحتي الرياضة وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصي من الارتباطات والعادات، كل هذه بمجموعها شبكة مقاومة للتغيير. ولكن هذه الشبكة يمكن بالطبع أن تتمزق إرباً إرباً، والعراق اليوم يواجه خطراً كهذا، ولكنه علي مدي الزمن ثبت وأصبح قوياً.إن العاطفة المشتركة الأقوي التي يتمتع بها العراقيون هي النفور من الحكم الأجنبي. ونادراً ما تُرك العراقيون وشأنهم طوال تاريخهم. كان العراق المعروف الآن قد جري في السابق غزوه واحتلاله وتخريبه والسيطرة عليه وتغيير معتقداته وارتداده عنها. والكفاح ضد الأجنبي هي الملحمة الوطنية غير المكتوبة للأكراد، في حين أن العرب قد قاتلوا من أجل الاستقلال خلال فترة طويلة من القرن الماضي. وبالتالي فإن العراقيين كأنهم أسرة متخاصمة ولكنهم حتي حين يأخذ العرب والأكراد، السنَّة والشيعة، سكان المدن والقري، الأغنياء والفقراء، أحدهم بخناق الآخر، فهم يتفقون علي إخراج الأجنبي من بلادهم. إن كراهيتهم للأجنبي لم تبدأ بالأمريكيين ولا هي ستنتهي بخروجهم. والحكاية قديمة، ولكن التجربة الحديثة تشكل العدسات التي من خلالها يري العراقيون الأحداث الجارية، شأنهم في ذلك شأننا جميعاً. إن تلك الفترة قد بدأت بالنسبة إلي العراقيين عند الغزو البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولي.7