بـعد عام علي رحيله: سيرة بول ريكور الذاتية الفكرية بعد طول تأمل

حجم الخط
0

بـعد عام علي رحيله: سيرة بول ريكور الذاتية الفكرية بعد طول تأمل

د. هيثم سرحانبـعد عام علي رحيله: سيرة بول ريكور الذاتية الفكرية بعد طول تأمل يُعدُّ الفيلسوف الفرنسي بول ريكور Paul Ricoeurرائداً من روَّاد الفلسفة الغربية الكبار في القرن العشرين وواحداً من أبرز فلاسفتها الإشكاليين العابرين للنظريات الفلسفية. إذ من الصعوبة بمكان تحديد الحقل الذي تندرج فيه فلسفة ريكور التي ظلـَّت تنفتح علي تاريخ الأديان، واللسانيات، والانثربولوجيا، والتاريخ، والسرديات، والفلسفات المختلفة. وقد استطاع ريكور قراءة الإرث الفلسفي الغربي كلـَّه؛ فقرأ الفلسفة الإغريقية باللغة اللاتينية، وقرأ الفلسفة الألمانية بدءاً من كانط وانتهاء بغادامير وهابرماس باللغة الألمانية، كما قرأ الفلسفة الإنجلوساكسونية بمختلف اتجاهاتها باللغة الإنجليزية. وقد دفعته ثورة الطلاب عام 1968 إلي الاستقالة بعد أنْ قامت مجموعة من الطلاب بإلقاء كيس من القاذورات علي رأسه عندما كان يشغل رئاسة جامعة نانتير، ورغم أنه كان مُتفهـِّماً لتطلـُّعاتهم وكان منخرطاً في التيار اليساري إلا أنَّ ذلك لم يمنحه أي حصانة فشعر بأزمة فلسفية دفعته إلي السفر إلي جامعة لوفان البلجيكية ومنها إلي جامعة شيكاغو الأمريكية التي عمل فيها مُدرِّساً للفلسفة مدة ثلاثين عاماً وبعد أن وصل إلي التقاعد عاد لفرنسا في مطلع التسعينات. وبسبب صعود البنيوية في الستينات لم يتح لريكور فرصة البروز والحضور، فقد كانت النخب مشغولة بميشيل فوكو، وسارتر، وشتراوس، وبارت، وجيل دلوز، ولويس آلتوسير. لكنّ البنيوين أنفسهم سرعان ما انكبوا علي قراءة ريكور بعد أفول البنيوية ليكتشفوا أنفسهم أمام فيلسوف عصيٍّ علي التصنيف وأمام أفكار مُتشعِّبة لا تعترف بالأُطر التقليدية. أما حضور ريكور في الثقافة العربية فناجم عن مواقفه المعتدلة من القضايا العربية، فقد كان من أبرز الفلاسفة الأوروبيين الـمناصرين للقضايا العربية، فكان ضد استيطان الجزائر، علاوة علي موقفه الإيجابي من القضية الفلسطينية إذ طرح فكرة قيام دولتين علي أرض فلسطين عام 1958، ومن المعارضين لقرار منع الحجاب في فرنسا، ومن المؤيدين لحقوق اللاجئين في أوربا، ومن الداعين إلي حوارات مع الثقافات الأخري.وأفكار ريكور مهمة لنا، في الثقافة العربية؛ لما تقدّمه من مبادئ وأدوات تساعد في مقاربة الموضوعات الشائكة التي أصبح بحثها أمراً مـُلحـَّاً أكثر من أي وقت مضي. إنَّ موضوعات اللغة، والهوية، والتراث، والانفتاح، والدين، والذات، والأخر، والصراعات، والعنف قضايا لا تأخذ أهميتها من راهنيتها فحسب بل من قدرتها علي كشف الـمخاضات العنيفة والتـّحولات المتسارعة التي تعيشها الثقافة والمجتمعات العربية وتسعي لتأمين إجابات عن أسئلتها المتداعية. أما عن تلقـَّي مشروع ريكور عربياً فقد استجابت الثقافة العربية لأفكار ريكور وتلقـَّته باهتمام كبير، فقامت فريال جبوري غزول، ومنصف عبد الحق، وسعيد الغانمي، ومنذر عياشي، ومصطفي نحّال، وعدنان نجيب الدين، وجورج زيناتي، وفلاح رحيم، وأحمد البحيري، وحسن بن حسن، وغيرهم بترجمة معظم آثار ريكور ودراساته علاوة علي ما كتب عنه من أطاريح أكاديمية في الجامعات العربية، وما كُتب عنه في المجلات والصحف العربية.وهذا الكتاب الذي نُقدم عرضاً له عنوانه “بعد طول تأمل” وهو من ترجمة الباحث الجزائري فؤاد مليت، ومراجعة وتقديم عمر مهيبل أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة الجزائر الذي كتب تقديماً يُضيء جوانب مهمة في أفكار ريكور. أما مقدمة الكتاب فقد عرض فيها المترجم فؤاد مليت السياقات التي تمت فيها ترجمة الكتاب، فقد ولدت فكرة الترجمة بعد حضور ريكور إلي تونس تلبية لدعوة الأكاديمية التونسية للآداب والعلوم والفنون “بيت الحكمة: للمشاركة في مؤتمر عالمي تم تنظيمه سنة 2003. وقد فاتح أستاذ الفلسفة الجزائري الربيع الميمون بول ريكور بموضوع ترجمة الكتاب فما كان من ريكور إلا أن أبدي سعادته وحماسه للفكرة. مفهوم الذات في كتابة السيرة الذاتيةلا تنفصل الذات، عند بول ريكور ، عن مسيرته الفكرية ومشروعه الفلسفي؛ فالذات مساحةٌ اجتاحتها الفلسفة ووسمتها بميسمها. لذلك لا يمكن، حسب ريكور، تناول ذاته تناولاً مُستقلاًّ عن أفكاره الفلسفية التي عايشها وطغت علي حياته وألحقتها بها لتصبح حياة ريكور نفسها جزءاً من الأسئلة التي ما فتئ ريكور يراكمها. فذات ريكور وحياته لا معني لهما إلا من خلال انخراطهما في سيرورته الفلسفية وتحوّلاته الفكرية التي تشكَّلت بفعل مواجهة النظريات الفلسفية والاحتكاك المباشر مع أصحابها.وعندما يقوم ريكور بتسمية سيرته بـ”السيرة الذاتية الفكرية” فإنما يموقع ذاته فلسفياً. يقول ريكور: ” فصفة “الفكرية” تـُنبـِّهنا بدءاً، إلي أنه لا مجال للحديث عن حياتي الخاصة إلا عمـّا كان موسولاً بفلسفتي وعاملاً علي إيضاحها. ثمّ إنّ الحديث عن ترجمةٍ ذاتية لا يجعلني أغفل عن مطبـَّات هذا الجنس من الكتابة، ذلك لأنَّ ترجمةً ذاتيةً هي، أوَّلاً، حكايةٌ لوقائع حياة ما، ومن حيث هي كذلك، فهي انتقائية ككلِّ عملٍ سرديّ…”.فالسيرةُ الذاتيةُ تنتمي، من حيث الجنس، إلي الأدب. ويتمثـَّلُ طموحها في إنجاز كتابة تطابقية من وجهة النظر الاسترجاعية وبين مُجريات الحياة اليومية. أما سيرة ريكور فتختلفُ عن السيرة الذاتية التي ” ترتكز علي الهوية، أي علي غياب المسافة الفاصلة بين شخصية السرد الرئيسية التي هي الذات، صاحبة الترجمة، وبين الراوي الذي يتحدَّثُ بضمير الأنا ويكتب بصيغة المتكلّم”. وعلي العكس من ذلك تماماً فإنَّ ريكور يقومُ بتأويل نفسه فلسفياً عبر مراحل تكوينه المختلفة. تأويل الذات التـَّعرُّفُ عليهايعود ريكور، لاكتشاف نفسه، إلي مُحددٍ زمنيّ مُتمثـِّلٍ في الموسم الدّراسي 1929/1930 حيث أمضي هذه السنة في قسم الفلسفة عندما كان في السابعة عشرة من عمره. لقد أُتيح لريكور، في هذه السنة، أنْ يتلقـّي تعليماً مُغايراُ لما كان قد عرفه وألِفَهُ في سنوات تعليمه الأساسي. وقد تجسَّدت هذه المغايرة في معرفة الأسباب العميقة التي كانت تقفُ خلف تصوّر الأدباء والكتـَّاب للعالم والأشياء. وفي هذا الجانب يري ريكور أنَّ المدخل الأدبي في تلقي النصوص ومقاربتها يظلُّ قاصراً وناقصاً بامتياز؛ إذ إنَّ كثيراً من التّصورات والحقائق تظلُّ محجوبة وغامضة. لذلك لا بدَّ من ولوج المداخل الفلسفية القادرة علي إضاءة المعتم وإزالة الغموض ونزع أحجبة النصوص.ويُشيرُ ريكورُ إلي أستاذه، في تلك المرحلة، رولان دالبييز Roland Dalbiez الذي كان يعتمدُ الـمُحاججات الفلسفية، وكان أوّل فرنسيّ يكتب عن سيجموند فرويد S. Freud. لقد تعلـَّم ريكور من أستاذه المقاومة الفلسفية التي جعلته قادراً علي مواجهة الفلسفات الكبري وتوّراتها الشمولية، مثل: الكوجيتو الديكارتي، والأنا أفكـّر الكانطي. علاوة علي أنه أفاد من أستاذه توظيف بُعد “اللاوعي” في دراسة التراث الفلسفي. إنَّ رولان دالبييز لم يكن أستاذاً تقليدياً يُعلـِّمُ مبادئ الفلسفة ويشرح أفكارها، بل إنه كان من القلـّة الذين نذروا حياتهم للفلسفة. وهنا يستحضر ريكور قاعدة أستاذه رولان دالبييز الذهبية التي علَّمها لتلاميذه: ” إذا أربككم مُشكلٌ ما وسامكم الجزعَ والخوفَ فلا تداروه مُواربةً، ولكنْ تصدّوا له مُجابهةً”. وهي قاعدةٌ ظلـَّت أصداؤها تتحكـَّم في مشروع ريكور الفلسفي.طفولة ريكورتأثر تكوين ريكور الفلسفي بظروف نشأته الـمُبكـِّرة فقد عاش في كنف جده لأبيه بُعيد وفاة أمه التي أعقبت ولادته وسقوط أبيه قتيلاً في جبهات قتال الحرب العالمية الأولي. وعلاوةً علي الحداد الذي وسم طفولة ريكور فإنَّ شظفَ العيش وويلات الحرب العامية الأولي وفظائعها قد أسهمت في أنْ يُصبحَ ريكور الطفل من أيتام الأمة الفرنسية. لكنَّ هاجس اليـُتم ظلَّ يُلاحقُ ريكور الذي راح يبحثُ عن إجابات فلسفية يجدُ فيها خلاصهُ الروحي والمعرفي. وقد سرَّعت هذه الحالة في بروز ميول ريكور التي ظهرت في بُعدين:الأول: النجابة؛ فقد كان ريكور تلميذاً نجيباً ونتيجةً لذلك اتجه نحو الرسم والقراءة حيث كانت وسائل الترفيه شحيحةً وغير متطورة الأمر الذي دفعه إلي التهام المقررات الدراسية والكتب التي كان أساتذته ينصحون بها.الثاني: الفكر الطليعي المصحوب بالقلق: لقد خاض ريكور مخاضه الفلسفي الأول وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره حيث تعرَّض لصدمة فلسفية بعد قراءته مونتاني Montaigne، و باسكال PascalK، وفولتير Voltaire، وروسو Roueau.بداية ريكور الفلسفيةوقد رافق هذه الصدمة الفلسفية قلقٌ فكريٌّ تشكَّل نتيجة عجز ريكور عن حسم الصراع النـّاشب بين نشأته البروتستانتية وتكوينه الفلسفي الطليعي. فقد كانت نشأة ريكور البروتستانتية تدفعه إلي عاطفة “التعلق المطلق”، التي صاغها اللاهوتي الألماني المجدد فريدريك شلايرماخر F.Schleiermacher، بـ “كلمة الله”. في حين أنَّ مشاغله الفلسفية كانت تدفعه إلي التـَّعلـّق بـ” كلمة الإنسان”.لقد نجح ريكور في تذليل الصراع بين الدين والفلسفة وجعله صراعاً حميمياً قادراً علي إنتاج معرفة جديدة بعد أنْ قرأ كتاب برغسون Bergson “منبعا الأخلاق والدين”، وتعليق اللاهوتي كارل بارث Karl Barth علي “الرسالة إلي أهالي روما” عام 1919. ففي حين كان برغسون من الفلاسفة النقديين المؤمنين بالوعي الإنساني فإنَّ بارث كان رائداً من رواد اللاهوت الديالكتيكي الذين انقلبوا علي “البروتستانية الليبرالية” عندما قام بكتابة شرح وتعليق علي “الرسالة إلي أهل روما”. وفي هذا التعليق يُشدد بارث علي الوحي الإلهي للكلمة رافضاً وعي الإنسان الديني؛ لأنَّ الإيمان، حيب بارث، ليس مسألة برهان عقلي أو شعور عاطفيّ.وقد نجم عن الصراع المرير، الذي عاشه ريكور بسبب عجزه عن التوفيق بين الإيمان والعقل، فشلـُه في الحصول علي درجة الأستاذية في الفلسفة لكنه سرعان ما تفادي هذا الفشل وحصل علي الأستاذية عام 1934 بعد أنْ أعدّ مشروعه في التـّخرّج الذي تناول فيه موضوعاً يقدّم إجابات عن صراعاته الفكرية عنوانه “مُشكلة الإله عند لاشولييه ولانيو”.لكنّ ريكور ظلَّ عاجزاً عن استبعاد فكرة الإله رغم تطلّعاته العقلية، بل إنّ نتائج استقرائه ومتابعته منحته الثقة بإمكانية التـّعايش بين الدين والفلسفة دون الخلط بين الفلسفة والإيمان التوراتي الذي يمثل متعالياً لا يمكن تجاوزه فلسفياً.ثمَّ كان أنْ انتقلَ ريكور، عبر لاشولييه ولانيو، إلي ارتياد الفلسفة الفرنسية التـَّأملية ذات القرابة بالكانطية الألمانية. وسوف تكون السنة الباريسية 1934/1935 بالنسبة لريكور من أكثر السنوات أهميةً إذ التقي فيها بجبرائيل مارسيل G. Muerl، وإدموند هوسرل E. Huerl علاوة علي ما جناه من فوائد نتيجة ما تلقـَّاه من تعليم في جامعة السوربون؛ إذ أخذ دروساً في الهيلنييات علي ليون روبان L. Boban ودروساً في تاريخ الفلسفة علي يد المؤرّخ الكبير إميل بريهيه E. Brehier واستطاع أنْ يقف علي الفلسفة التأملية والمثالية النقدية علي ليون برونشفيج L. Brunschvicg.وتعرَّف ريكور إلي جبرائيل مارسيل من خلال “حلقات الجمعة” تلك الجلسات التي كان يلتقي فيها عدداً من المشتغلين والمتابعين والمهتمين بالفلسفة حيث تُعرض نقاشات فلسفية حادّة وكان لزاماً علي كلِّ مشترك أنْ يختار موضوعاً ويُعالجه دون وصاية أي فيلسوف مشهور متخذاً لنفسه مرجعاً قائماً علي تحليل التجارب العامة والـمُلغزة مثل: الإيمان، والظلم، أو تحليل تصوّرات أو مقولات محمـَّلة بإرثٍ مفهومي ثقيل مقل: القـَبْلِيّ، والحقيقة، والواقع. وقد منحت هذه الحلقات بول ريكور دُربةً ومِراساً علي السـِّجالات والنـِّقاشات السقراطية.وعن طريق جبرائيل مارسيل تعرف ريكور إلي كارل ياسبرس K. Jaspers وفلسفته الوجودية الأمر الذي مكـَّن ريكور من الحصول علي عدّة فلسفية جعلته قادراً علي خوض نضالٍ فلسفيٍّ يُمكـِّنه من التـَّعايش مع أشد الفلسفات تعارضاً.أفكار ريكور السياسيةتشكـَّلَ وعي ريكور السياسي نتيجة تعرّفه إلي إمانويل مونييه E. Mounier الذي قدّم أطروحةً فلسفية تتناول علاقة الشخص بالجماعة وبخاصة فيما يتعلـَّق بقضية حرية الأشخاص رغم انخراطهم وانتمائهم الحزبي. وقد رأي ريكور في هذه الأفكار خلاصاً روحياً مكـَّنه من تجاوز مسـألة الالتزام الفلسفي والبروتستانتي، يقول ريكـور: “استفدت من مونييه كيف أُقرنُ قناعات روحية بمواقف سياسية ظلـَّت إلي غاية ذلك الحين مُجاورةً لدراساتي الجامعية ولانخراطي في حركات الشباب البروتستانتية”. وقد تنامت أفكار ريكور السياسية بعد أنْ تسربت إليه مشاعرُ الإحساس بالظلم؛ فعندما كان في حدود الثانية عشرة من عمره تمَّ توقيع معاهدة فرساي التي وضعت حداً لهمجية الحرب العالمية الأولي. لكنَّ ريكور ظلَّ يعتقد أنَّ هذه المعاهدةَ لم تكن مـُنصِفـَةً؛ إذ إنها لم تمنح المتضررين أية قيم اعتبارية، وقام بمهاجمتها ووصفها بأنها معاهدة جائرة. وإذا كان الدافع الذاتي سبباً في موقف ريكور من المعاهدة إلا أنَّ هذا الموقف يُعبـِّرُ عن مشاعر عدد كبير من فئات المجتمع الأوربي التي ضرستها الحرب، إضافةً إلي كونه يجسـِّدُ موقف أحد أهم الفلاسفة والمفكرين الأوربيين من الحرب وعبثيتها التي تؤدي إلي تنامي المشاعر الدينية وتدفع المجتمع لإعادة إنتاج البرامج الدينية وإعادة تشكيل الهوية دينياً. يقول ريكور: ” إنَّ ما تضمـَّنته معاهدة فرساي من جور قد قلبَ علي نحو عنيف موت أبي الذي سقط قتيلاً علي الجبهة سنة 1915. لقد بدا موته كما لو كان عبثاً لا طائل من ورائه، خصوصاً وقد حُرِمَ من مجد الحرب العادلة والنصر الذي لا تشوبه شائبة. وقد انضاف، مُبكـِّراً، إلي نزعة السلام المتولـِّدة عن هذه التـَّقلـُّبات شعورٌ قويٌّ بالظلم الاجتماعي الذي لم يعدم تشجيعاً وتسويغاً في نشأتي البروتستانتية”. تجربة السّجنلم يكد ريكور يُنهي صيفاً ممتعاً، بصحبة زوجته، في جامعة ميونخ حتي تمَّ اعتقاله. فقد كان ريكور أنْ ذهب إلي جامعة ميونخ بصفة مدنية ضمن إطار إتقان اللغة الألمانية لكنه سرعان ما صار مُحارباً في القوات الفرنسية ثمَّ ضابطاً أسيراً في سجون النازية.وسوف تكون مدة الاعتقال التي دامت خمس سنواتٍ 1940 – 1945 من أهمِّ سنوات ريكور خبرةً وأعمقها تكويناً؛ فقد كانت تجربة الاعتقال فرصةً ذهبيةً للتأمل والقراءة والحوار ومعاودة إنتاج الأسئلة. يقول ريكور: كان الاعتقال “مناسبةً لتجربة إنسانيةٍ فذة قوامها حياةٌ يوميةٌ كنت أُقاسمها آلاف الرجال، وانعقادُ أواصر الصداقة المتينة، ونظام منضبط لتعليم عفوي، وقراءة مضطردة للكتب المتاحة لنا في المعتقل”. إذ قام، في أثناء اعتقاله، باستئناف قراءة هيدغر قراءة مُتمعـِّنةً إضافةً إلي قيامه بترجمة كتاب إدموند هوسرل الأفكار I، ومباشرته بتحرير كتاب فلسفة الإرادة. ونتيجة لما أنجزه ريكور في فترة اعتقاله فإنه تحدَّث عن سنوات اعتقال مُثمرة علي الصعيدين الإنساني والفكري. ورغم فداحة الاعتقال الألماني النازي وويلاته التي طالما عاني منها ريكور إلا أنَّه ظلَّ مُعجباً بالفلسفة والفكر الألمانيين ولم تتمكَّن فظاعات محيطه الاعتقالي و”إرهاب التاريخ” أنْ يعصفا بهذا الإعجاب.وسوف يـُقيمُ ريكور عقب خروجه من المعتقل في ربيع 1945 في مدينة شامبون سير لينون مدة ثلاث سنوات. وسيـُبدي ريكور تعاطفاً، في هذه المدينة، مع اليهود انطلاقاً من مرجعيته البروتستانتية وما ولـَّدته النازية من نزعات عداء لليـهود في أوروبا التي نجـم عنها تعاطف خصـوم النازية مع اليهود وتضامنهم معـهم. يقول ريكور: ” كان غالبية سكـَّان شامبون سير لينون من البروتستانت الذين هبـُّوا وراء قساوستها، سرَّاً، لإيواء اليهود وحمايتهم من مُطاردات الشـُّرطة الفرنسية ومصالح الجستابو الألماني. ودرَّست في كوليج سيفينول الذي احتضن الكثير من أطفال اليهود وبقي مُحافظاً علي رعايته للقيم العالمية والسـِّلمية لمؤسسيه. وقد انبعث، من جديد، حواري الداخلي القديم الـمُتعلـِّق بـ”الإنسان الـمُسالم وحضوره في التاريخ .التأسيس الفلسفيبدأ ريكور تأسيسه الفلسفي عندما تقدَّم لنيل درجة الدكتوراه التي حصل عليها عام 1948. وقد كانت اللجنة الـمُمتَحِنةُ تشترط أنْ يُقدِّمَ الباحث عملين مميزين ومتمايزين يكون الثاني مُتمخـِّضاً عن الأول ومـكمـِّلاً له، فقام ريكور بتقديم ترجمة كتاب إدموند هوسرل الأفكار I التي كان قد أعدَّها في أثناء اعتقاله بعد أنْ قام بإضافة التعليقات والحواشي والشروحات والملاحظات المضيئة علي طول الكتاب إضافة إلي قيامه بشفع عمله بمُقدمة مُركـَّزة تُعدُّ من أهم المقاربات الفلسفية التي تعرض مسيرة الفينومينولوجيا “الظاهراتية” والهرمينوطيقا “التأويل”، تناول فيها ريكور اتجـاهات الظاهراتـية بـدءاً بهوسـرل مرورا يالفيلسـوف الرومـاني إنغـاردن Ingarden والألمـاني أوجـين فـنك E. Fink وانتهاء بالفرنسي ميرلو بونتي Merleau – Ponty الذي كان قد واجه في كتابه فينومينولوجيا الإدراك الحسـِّي، وبتوجيه من إميل بريهيه، التأويل الأرثوذكسي علي الرد الفينومينولوجي بمقاومة كبيرة إضافة إلي عقده موازنة بين الفينومينولوجيا الواقعية والتأويل المثالي واستخلاصه أوجه المواشجة بينهما.أما الأطروحة الثانية فأقامها ريكور علي موضوع العلاقة بين الإرادي واللاإرادي، وقد ظهر ريكور في هذه الأطروحة منحازاً إلي الإرادة والوعي الإنسانيين ومؤكداً أهمية فرضيات ميرلو بونتي الفينومينولوجية التي تمنح الإدراك الحسي الدور الأكبر في تعيين الظواهر وفهمها. لكنَّ ريكور سرعان ما نقـــض أطروحة ميرلو بونتي التي قدمها في كتابه المرئـــــي واللامرئي وعدَّها مخالفة لأفكاره المثمرة الواردة في كتابه الأول فينومينولوجيا الإدراك الحــــسـِّي . أما كتاب جان بول سارتر الشــهير الوجود والعدم فقد شنَّ عليه ريكور هجوماً كبيراً لأنَّ سارتر أحلَّ التشاؤم محل الإرادة. وفي المحصـِّلة فإنَّ كتاب سارتر لم يبعث في نفس ريكور إلا قدراً يسيراً من الإعجاب الباهت ولم يقتنع كثيراً بما ورد فيه.الحياة الجامعيةعـُيـِّنَ ريكور في خريف 1948 أُستاذاً مُحاضراً في تاريخ الفلسفة في جامعة ستراسبورغ التي بقي فيها حتي عام 1957. واتـّبع ريكور منهجاً تركيبياً في تدريسه إذ ندب نفسه لتدريس فيلسوف في كل موسم جامعي وأنْ يجتهد، مع طلبته، في متابعة مقولاته وأفكاره الفلسفية.وسوف تتحدد ملامح منهج ريكور الفلسفي بعد حصوله علي درجة الأستاذية في الفلسفة العامة بالسوربون عام 1957 إذ قام بإصدار كتابه “فلسفة الإرادة” بعد أنْ أتمـَّه وراجعه عدَّة مرات. ثمّ كان أنْ استكمل بناء أفكاره المرتبكة بالإرادي واللا إرادي ومتابعة تصوّراته الأنطولوجية المتعلقة بالمتناهي واللامتناهي، وصولاً إلي حسم رؤيته الفلسفية حول موضوع أفق الإدارك المتناهي وقصد النص اللامتناهي. وهنا يري ريكور أنّ مأزق الهرمينوطيقيا يكمن في صبغتها المثالية التي تجعل القصد اللامتناهي هدفاً لها وأنَّه لا بدَّ من تطعيم الهرمينوطيقيا فينومينولوجياً. تفكيك رموز الشـَّركان من الطـَّبيعي أنْ يصطدم مشروع ريكور بالفلسفة السياسية بعد أنْ قادته تأملاته السياسية إلي اتـِّخاذ موقف انطولوجي بين رؤيتين فلسفيتين تُفسِّران أسباب الشر ودوافع الحربيين اللتين ضرستا أوروبا والعالم. تُجسِّد الرؤيةُ الأولي تحليل الإرادة المحايدة التي تقترف الشر ومعرفة مكوناتها الفينومينولوجية. في حين تتناول الرؤية الثانية إرادة الشر تناولاً تاريخياً. واختار ريكور البدء بالرؤية الثانية؛ لاكتشاف أساطير الشر ورموزه الـمُشغَّلة من قبل الثقافات الكبري كأنَّ ريكور ينفي عن الثقافة الأوربية إنتاج الشر وهنا تتجلي نزعته الميتافيزيقية؛ في انحيازه المطلق للثقافة الغربية التي أعادت إحياء الثنائيات الميتافيزيقية لتُثبتَ لنفسها الأخلاق والخير والمعرفة والتسامح. ورغم أنّ ريكور يبحث عن دوافع الشر، في الثقافة الغربية، التي أنتجت الحربين العالميتين وأدت إلي صعود القوميات وتنامي العداء إلا أنَّ بحثه قاده، كما قاد غيره من الفلاسفة الغربيين، إلي البحث عن نصـِّيات تنتمي إلي ثقافات الآخر علي اعتبار أنّ الآخر يصدر عن خليط وتشوّهات من الفلسفات العرفانية والغنوصية التي لا تحفل بمبادئ العقل ولا يوجد لها أي مستندات منطقية. وهذا الموقف يكشفُ عن هيمنة الرؤي الاستشراقية علي كافة الحقول والمعارف الغربية. ويهدف ريكور من هذه المقاربة إلي مراجعة الذات التي تتم من خلال إدراك الذات لنفسها إدراكاً مباشراً؛ “فالذات، علي نحو ما أُثبتـُّه، لا تُدركْ نفسها مُباشرة، بل عن طريق العلامات المودعة في ذاكرتها وفي مُخيـِّلتها من قبل الثقافات الكبري”. وضمن هذا السياق يستعير ريكور الكوجيتو الديكارتي والهوسرلي لتحقيق بُعدين؛ بعدٍ نقدي وبعدٍ استشرافي. ويتعلق البعد النقدي بتفكيك الذات الأوروبية الجمعية لتُدرك نفسها، في حين يتعلـَّق البعد الاستشرافي بكشف أخلاقيات الآخر. وهنا يعترف ريكور بالأثر الذي خلـَّفه دخوله عالم الأفكار لهوسرل إذ أصبح موقفه من الذات قائماً علي الريبة والشك. لذلك قرر خوض مغامرة تأمـِّل الذات عبر مسارين؛ مسارٍ يُعني بتحليل محتوي الفكر (الـمُدرَك، أو الـمُراد)، ومسارٍ يُعني بتحليل فعل الفكر (الإدراك، أو الإرادة). ومع أنَّ ريكور اكتشف أنَّ تأمـِّلَ الذات عبر تحليل محتوي الفكر أكثر يُسراً وسهولةً إلا أنه واجه مشكلةً نوعيةً تتمثـَّلُ في قدرة الذات علي التمويه ومقاومة الاعتراف. وتتجلـَّي في هذه النقطة تحديداً المركزية الغربية التي تنظر إلي ذاتها ومكوِّناتها نظرةَ تعالٍ يدفعها إلي اتـِّخاذ الآخر مجالاً للتفكيك واختراق أنظمته لتنمح نفسها صفة السمو والرفعة ومن أجل إضفاء الدنوِّ والشر علي الآخر وثقافته. ولنقرأ جيداً ما يقوله ريكور: ” ولكنَّ هذا النقد للوعي التأملي كان يتلقي تعويضاً من الوظيفة الاستشرافية الـممارَسة في كلّ الثقافات الكبري بواسطة اللغة الرمزية للحكايات الأسطورية. وبقدر ما يبدو التـّأمل المباشر في اعتراف الطوية الفاسدة فقيراً، تكون الثقافات الكبري، المُشكـِّلة للوعي الغربي، غنية بالقصص المتعلقة بمصدر الشرّ، بصرف النظر عن الثقافات الشرقية وعن ثقافات الشرق الأقصي التي لم أقم بدراستها بحجة أنها لا تُشكـِّل جزءاً من ذاكرتي المحدودة”.ومع أنَّ لريكور تحفظاتٍ علي الهرمينوطيقيا إلا أنه يُؤمن بجدواها المنهجية في تفكيك الرموز المزدوجة المتوالدة. يقول ريكور: ” وقد شعرتُ، تحت وطأة ثقافتي المزدوجة، التوراتية والإغريقية، أنَّ عليّ أنْ أُلحقَ بالفلسفة التأملية، المنحدرة من ديكارت وكانط، والمتلقاة من لاشولييه ولانيو ونابير، تأويل رموز الدنس والخطيئة التي كنت أعتبرها الطبقة الأولي من التعبيرات غير المباشرة للوعي الشقي؛ ذلك أنني رتـّبتُ، في هذه الطبقة الرمزية الأولي، تصانيف الأساطير الكبري للسقوط المتأتية من الثقافة المزدوجة التي أتيت علي ذكر حدودها: الأساطير الكوسمولوجية، والأورفية، والمأساوية، والآدمية”.وقام ريكور باستثمار تطوير ثنائية الـمُقدَّس والـمُدنَّس بعد أنْ استثمر أفكار مرسيا إلياد M. Eliade الواردة في كتابه تاريخ الأديان المقارن إضافة إلي توظيفه تصوّر إلياد الذي ينصُّ علي أنَّ الرمز بنيةٌ أساسيةٌ في النصوص وأبنية الثقافات والمجتمعات. ولرسوخ الحكايات الأسطورية القوي أعاد ريكور بناء هيكل الأساطير مع نسيجها ومكوِّناتها السردية بالتطابق مع هيكل الرموز الأولي المجهولة لإثبات إمكانية الشر.وقادت هذه الممارسة الهرمينوطيقية ريكور إلي تأكيد حقيقة مُفادها: أنَّ نصَّ التوراة يتضمـَّن حكاية حكمةٍ تعرّضت لتشويهٍ نتيجة انتقال الخير الأصلي للموجود المخلوق إلي شرٍّ حادث ومكتسب لإنسان التاريخ. وكأنَّ ريكور يعتقد أنّ الأسطورةَ قد أضفت علي تاريخ اليهود الشرور لذلك لا بدَّ من تقديم تأويل يدفع إلي تبرئة اليهود من اتهامات التاريخ. فاليهود وتاريخهم، حسب ريكور جزء من الذات التي ينبغي علي الثقافة الغربية أنْ تتكفـَّلَ بتفكيك الرموز والأساطير والمرويات التي تعرقل حكاية التوراة القائمة علي الخير وتـُعطـِّلُ تلقـِّيها. شاعر وناقد من الاردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية