شعرية اللغة ومتاهة الرؤيا
عمارة بوجمعةشعرية اللغة ومتاهة الرؤياكان جون كوهين ، محقا، عندما تصور لغة الشعر في بنيتها الأساسية المخالفة للتواصل اليومي، باعتبار أن الفرق بينها يكمن في تشكيل الحركة واتجاهها، لا في طبيعتها فاذا كانت لغة التواصل اليومي تنبني في خط مستقيم متواصل، فان التغاير الذي تحدثه لغة الشعر هو الذي يحكم الاقامة في ذلك الشكل الحركي الذي تتكشّف فيه طاقاتها الاشارية وقوتها في التعبير عن القوي الكامنة في اللاوعي الفردي والجماعي تعبيرا، يفتح سياق اللغة علي الامكانيات المتعددة للمعني والدلالة. وكتب فاليري عن ملارمي قوله: يمكن أن نقول انه كان ينبغي للشعر الذي يتميز بصفة أساسية عن النثر من خلال الشكل الصوتي والموسيقي، أن يتميز أيضا من خلال شكل المعني شكل المعني الذي يريده فاليري قائم في انعطاف اللغة وكثافتها أي في الاستعمال الفني الذي ينجز المغايرة ويحقق التوتر والمتعة الجمالية ان هذا يعني ـ بعبارة أخري ـ أن اللغة الابداعية تنأي عن محاكاة الواقع، فهي تتخطاه باستمرار والتخطي لا يعني قطع الصلة مع هذا الواقع بل انه يعني الوقوف علي الدلالات المتحجبة والمختفية التي تشكل عمقه وجوهره لذلك، ليس هناك موضوع مادي يماثل النص الابداعي في حضوره التخييلي، علي الرغم من أن النص قد يشكل موضوعاته من عناصر يمكن أن توجد في الواقع ان العلاقة التخييليةالتي يقيمها النص بين وجوده التخييلي والواقع هي مساحة ترتبط الآن بتلك القضايا التي تثيرها النظريات الجمالية حول اشكالية العلاقة بين النص والقارئ وبين الابداع والواقع بل ان هذه المساحة هي أيضا وضع فني تتحدد عبره الخاصية الابداعية للاعمال الأدبية، فالنص يفتقد خاصيته الفنية الايجابية في الانعكاس وفي محاولة التطابق مع الواقع وهو، في المقابل، يحوز علي هذه الخاصية كلما كان مفتونا بتلك العتبة المعتمة الممتدة كخيط واه بين الواقعي والخيالي وعليه فان اللغة الشعرية لا تستطيع أن تتحقق الا اذا احتفظت لنفسها بدرجة عالية من الابهام ومن التوتر والغموض، مما يجعل النص الذي تكتبه هذه اللغة عرضة للانكسارات وللفجوات ولمناطق اللاتحديد. غير أن طابع اللاتحديد أو هذه الفراغات هي التي تظهر القيمة التفاعلية للنص فهي العناصر التي تستثير القارئ وتتيح له امكانية أن يحقق المشاركة المبدعة مع النص فيلتحم ببنيته ويندمج في ايقاعاته ذلك أن المعني ليس هو الذي يتحصل عليه القارئ بفعل التعيين ولكن المعني يتشكل في مكان التفاعل بين النص والقارئ، مكان يكشف أيضا عن فاعلية القراءة في انتاج المعرفة فالقارئ مطالب هنا بتنشيط طاقته الذهنية في تقبل النصوص واختيار متاهات الكتابات المستعصية.واذا كانت الكتابة الشعرية المستعصية تستدعي هذه الدرجة من القراءة ومن الحوار والتفاعل، فانها تشير في تشكلها الي ذلك الوعي برفض الكتابة التي تلجأ الي تسطيح الواقع وتسطيح التجربة الانسانية مثلما تشير الي مغايرتها العميقة في الادراك وفي الرؤية وفي العلاقة بالأشياء والزمن فالنص المستحق لنصيته ليس مجرد تحقق لغوي بسيط ولكنه نسيج من الترابط ومن البنيات المنتجة للتعدد والجدل والارجاء، النص بهذه القيمة يؤسس مجاله المفتوح علي الكتابة التخييلية التي تقود الي التنوع في التلقي والخصوبة في التحديد لعناصر اللاتمييز التي هي مواقع لعب وحرية ولذة غامرة. ان النص بمعني آخر، لا يخضع لظروف الواقع وشروطه، وانما ينحاز لطاقة اللغة من أجل الاستقصاء والكشف عبر محاورة متبصرة للذات والآخر والعالم محاورة تجلي القيمة الجوهرية للابداع باعتبار أن الكتابة ليست محكومة بالسهولة والانفعال، طالما كانت تعني في جوهرها تلك الفاعلية الابداعية التي تجعل من نشاطها حركة سفر قصية في متاهات اللغة وتخومها من اجل اكتشاف القوي الكامنة في البهاء اللانهائي المودع في الطبيعة والانسان. ان هذه الرغبة المتقدة بحس المغامرة والاكتشاف هي التي تمنح النص القدرة علي أن يكون عالما يموج بالأصداء بالحركة وبالصمت.استطاعت الكتابة الشعرية العربية الحديثة أن تحقق هذه الابدالات في الكتابة عبر ذلك الوعي المغاير في استعمال اللغة لا سيما عبر فاعلية الرؤيا التي حولت الشعر الي طاقة كشفية تخييلية لها قوة النفاذ الي العناصر المتوارية في عمق الواقع والذات لقد شكل الالتحام بهذه الرؤيا أهم طموحات الشعر الحديث في تحرير اللغة لتكون اشارة حرة مشحونة بالايحاءات والاحتمالات المضاعفة. هكذا أصبحت هذه الممارسة مغامرة فنية تأويلية تستثير الاختلاف والتعدد وتبني الحوار الخصب مع أشكال الفكر وأنواع الخطابات المختلفة، فحققت من ثم الانفتاح علي متاهات الرغبة الابداعية الجارفة باعتبار أن الرؤيا تستمد شاعريتها من غناها القائم علي التناقض والتعارض والشمول والقلق فهي ليست موقفا مطمئنا مستريحا لأجوبة جاهزة، بل توق وتساؤل دائمان ومسعي في اتجاه أجوبة أكثر ارباكا وكان من ثمرة تشكيل هذا الوعي في الكتابة الشعرية الحديثة أن بدأ الشاعر يعي أن الرؤيا الشعرية الحقيقية لا يمكن أن تنضج الا علي عذاب مزدوج: عذاب المعاناة والمعرفة ولا تستوي الا علي نارين ممتزجتين: الخبرة والثقافة وما بينهما من عناء لا حدود له . ان النجاح الفني في اختبار متاهة هذه الرؤيا هو ما يجعل الكتابة الشعرية تنضح بغني دلالتها الوجدانية والفكرية والفنية وتتمكن من الادراك الحقيقي للذات والتواصل الحميمي مع أشياء الكون وعناصره تمكنت التجربة الشعرية في كثير من التجارب الهامة أن تنهض علي مغايرة السائد عبر الانتقال من الصيغ الثابتة الي حيوية الأشكال أي الي فضاء التجربة المفتوحة علي أنماط أخري من الخطابات، مما جعل الشعر حوارا وبحثا مستمرا عن آفاق ابداعية جديدة، تثري اللغة والثقافة والفكر الشاعر، في هذا الوضع، لا ينطلق من فكرة واضحة محددة بل من حالة لا يعرفها هو نفسه معرفة دقيقة ذلك انه لا يخضع في تجربته للموضوع أو الفكرة أو الأيديولوجية أو العقل أو المنطق. ان حدسه كرؤيا وفاعلية وحركة هو الذي يوجهه ويأخذ بيده لقد كان هذا الوعي سببا في اعتبار الشعر تقصيا عميقا لمتاهات الذات والوجود هكذا تمكنت الشعرية العربية في توجهاتها الحداثية أن”تخرج من بنية الخطابة الي بنية الكتابة، من البعد الواحد المباشر الي الأبعاد المتعددة الملتبسة من حيز التقريرية والوضوح الي الالتواء والغموض انه تحول يكشف أيضا عن وعي ضدّي للزمن في حركته الواقعية، واحساس بالانفصام والتوتر بالانشطار والتشظي الذي يحدث تصدعا في بنية الذات والقصيدة، وهو يعود في أصله الي تصدع البنية المعرفية للعالم في تحطم الهوية وغياب المنطق وتهشم الذاكرة كان ”أدونيس” أكثر شعراء الحداثة العربية ادراكا للأبعاد القصية الجامحة في هذه الرؤيا الشعرية، فهو الذي أعطي في شعره المعادل الفني ـ اللغوي لما انطوت عليه حركة الحداثة من مضمون فكري وهو كذلك الشاعر الذي استطاع أن يخضع الشعر عبر هذه الرؤية الي تلك الأصقاع العميقة في طاقات المخيلة والحلم و يجعل منه كتابة مفتوحة، يتجذر فيها سؤال الذات وسؤال الكتابة كاثارة حيوية لأبعاد الكينونة المتعددة التي تخضع للآلية الكشف بما هو فهم وتأويل، يعيد طرح مساءلة الوجود من اجل بناء حوار خصب مع مختلف أشكال الأثر المكتوب منه والمنسي في اللاوعي الفردي والجمعي أيضا” هكذا كانت التجربة الابداعية عند أدونيس تنتمي الي ذلك النوع من الكتابات الاشكالية، المستعصية علي الفهم أي الي تلك الكتابة التي تحضر كعصارة متوهجة للفكر وحدوثه وكامكانية لاستكشاف التجربة الانسانية والولوج في حركتها وتناقضاتها في هذا العمق الميتافيزيقي للشعر تحولت الكتابة عند أدونيس الي متاهة: متاهة قلق وغموض، يستدعيها ذلك النزوع لاقتحام الغامض والمجهول واكتشاف البعيد واللامرئي. من هنا كانت هذه الكتابة أيضا عصية تتطلب مكابدة ذهنية وشحذا قويا للذهن واستنهاضا نشطا لطاقة المخيلة والحواس. انها متاهة قراءة أيضا: قراءة تشترط العبور من تقاليد التلقي الخطابي ـ الشفاهي الي الانصات اليقظ لتحقيق المشاركة الايجابية في اعادة بناء تلك اللغة التي تعمل علي كسر سياق المحاكاة وتشويش ملامح الواقع داخل النص ففي مستوي هذا التقبل ينبغي للقارئ تنمية حسه النقدي والجمالي وتفعيل طاقته علي الاستجابة المتجددة لتلك الدلالات المدهشة والملتبسة التي يفرضها الشعر فاذا كان الشعر نشاطا جماليا يخضع لديناميكية خاصة في التفاعل الابداعي فان علي القارئ أن يقوم بتعزيز كفاءته وتدريب ذائقته علي ما تتميز به الشعرية الحديثة من مفارقات في أبنيتها الايقاعية والدلالية.ناقد من الجزائر0