ماذا نريد من إيران؟
عبد الستار قاسمماذا نريد من إيران؟ يشترك الآن زعماء وحكام عرب ورجال دين مسلمون تقليديون وقوميون عرب ورجال دين يرفعون لواء المقاومة وإسرائيل ودول غربية وأمريكا والأمم المتحدة في مناهضة إيران وشن حملات التحريض ضدها. هذه معادلة غريبة جدا من حيث أن فرقاء وأعداء وخصوما يتوحدون في مواجهة إيران كل واحد بطريقته الخاصة ولأهدافه التي قد تكون مختلفة عن أهداف الآخرين. يلتقي القومي العربي مع إسرائيل في هذه الزاوية، ويلتقي تنظيم القاعدة مع الملكين السعودي والهاشمي، ويلتقي رجال دين مع كفرة ومجرمين، ورافضون للسياسة الأمريكية مع بوش وبلير، وأناس عاديون ينكرون إسرائيل مع الذين يؤيدون إسرائيل.تبرز الآن تلك المفردات التي ظهرت مع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 وهي شيعة وسنة وصفوي وفارسي وعجمي وامبراطورية كسري، الخ. استعملت هذه المفردات بطريقة بشعة جدا وذلك من أجل بث الفرقة بين العرب والإيرانيين، ووقف علي استعمالها بحدة زعماء العرب وحكامهم ورجال دين قالوا بأنهم يدافعون عن الإسلام. هذه المفردات لم تكن علي السطح إبان حكم الشاه الذي كان يعمل شرطيا لأمريكا في الخليج.لا أريد هنا أن أناقش مواقف أغلب الأنظمة العربية وإسرائيل وأمريكا وبعض رجال الدين المنافقين لأنهم جميعا في الخندق الآخر المناهض للأمة العربية والإسلامية، إنما أريد أن أطرح المسألة علي رجال الدين المجاهدين وعلي القوميين والوطنيين والناس العاديين. والسؤال المطروح: ماذا نريد من إيران؟ هل نريد أن نفتح خطوطا للتفاهم مع إيران، أم نريد الكلام من وراء أبواب مغلقة؟ أنا متتبع للأوضاع الإيرانية منذ زمن بعيد وقبل انتصار الثورة، وقد كتبت كتابا عن الثورة الإيرانية عام 1979 مباشرة بعد خلع الشاه، ولي الملاحظات التالية:من الناحية التاريخية:أولا: قام شاه إيران باحتلال الجزر العربية الثلاثة علي مرأي ومسمع الدول العربية. عرض الرئيس القذافي علي الدول الخليجية إرسال جنود لحماية الجزر، لكن عرضه قوبل بالرفض. فجأة أصبحت الجزر مهمة بعد خلع الشاه، وبدأ العرب يطالبون بها. أنا أحد الناس الذين يطالبون بهذه الجزر ويجب أن تعود إلي الإمارات العربية، لكن أيضا تجب محاسبة العرب الذين تواطؤوا مع الشاه وسمحوا بسقوط الجزر. إيران متعنتة في هذا الموضوع، لكن علينا أن نستمر في الحوار معها ليعود الحق إلي نصابه.ثانيا: وقع العراق مع شاه إيران اتفاقية بخصوص اقتسام شط العرب، لكن الرئيس العراقي قرر إلغاء الاتفاقية بعد خلع الشاه.ثالثا: قامت إيران بقطع علاقاتها مع إسرائيل مباشرة بعد انتصار الثورة، وأهدت مقر السفارة الإسرائيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية لتقيم أول سفارة فلسطينية في العالم. الدول الأخري سمحت بوجود تمثيل لمنظمة التحرير، لكن إيران أقامت سفارة.رابعا: أوقفت إيران كل تعاملاتها التجارية والاقتصادية مع إسرائيل، وأعلنت مرارا وتكرارا بأن إسرائيل عبارة عن كيان غير شرعي ويجب أن يزول.خامسا: أعلنت إيران موقفها بوضوح من الولايات المتحدة الأمريكية، وقالت بأنها دولة الاستكبار والاستعمار وتجب مجابهتها، ورفضت كل أشكال الإغراء والضغط الذي تم توجيهه ضدها لتليين مواقفها.سادسا: طلبت إيران منذ انتصار الثورة الانضمام إلي جامعة الدول العربية، لكن العرب رفضوا؛ وطلبت أن يكون لها مراقب في جامعة الدول العربية، لكن العرب رفضوا.سابعا: عرضت إيران علي الفلسطينيين كل أنواع الدعم من أجل مواجهة إسرائيل وليس من أجل الصلح معها. طردت سفير منظمة التحرير من طهران ليس لأنه وقف ضد إسرائيل ولكن لأن إيران اكتشفت أن منظمة التحرير ليست جادة فيما تطرح من شعارات. وجدت أن الشعارات تسير باتجاه معاكس للأفعال.ثامنا: إيران تقدم الدعم الآن للفلسطينيين سواء من الناحية المالية أو التدريبية أو الاقتصادية. إنها تقدم الدعم لحركة الجهاد الإسلامي وللجبهة الشعبية-القيادة العامة والحكومة الفلسطينية، الخ. وهي تقدم الدعم السياسي والدبلوماسي ما أمكن.تاسعا: إيران تصر علي موقفها من الحقوق الفلسطينية وترفض الاعتراف بإسرائيل، وتعتبر فلسطين أرضا إسلامية مقدسة يقع واجب تحريرها علي عاتق كل المسلمين. وموقفها من فلسطين أرقي وأعظم وأنبل من مواقف الكثير من الفلسطينيين.عاشرا: إيران دعمت حزب الله وقدمت له المال والسلاح والتدريب وأهلته لمواجهة إسرائيل. وقد انتصر حزب الله علي إسرائيل عامي 2000 و2006.أحد عشر: تمد إيران يدها باستمرار للدول العربية والحكام العرب من أجل التعاون علي طريق التنمية والاستقلال وتحرير الثروات، لكن هذه الدول تصر علي البقاء ذيلا للولايات المتحدة.ثاني عشر: يعرض الإيرانيون خبراتهم علي الدول العربية باستمرار، وعرضوا مؤخرا خبرتهم النووية علي الدول العربية المهتمة بإنتاج الطاقة النووية. لكن من المعروف أن الدول العربية تفكر الآن بالحصول علي الطاقة النووية نكاية بإيران وليس بإسرائيل.ثالث عشر: تبادلت إيران والعراق احتضان جماعات مسلحة مناهضة لأنظمة الحكم.من الناحية الدينية، أشير إلي التالي:أولا: في كل أدبيات قادة الثورة الإيرانية بما فيها الأدبيات الصادرة عن آية الله الخميني، لم أجد أي إشارة طائفية متحيزة لشيعة أو لسنة. هناك تكريم واضح لآل البيت وللحسين بالذات، لكن دون مس بمشاعر أحد أو استعلاء أو إثارة. هذا فضلا عن أن تكريم آل البيت لا يستثير أهل السنة ولا يمس مشاعرهم.ثانيا: يؤكد قادة إيران دائما علي وحدة المسلمين، ويرفضون تماما فكرة التعامل علي أساس مذهبي. وقد وجه مؤخرا مرشد الثورة الإيرانية كلمة باللغة العربية في إحدي خطب الجمعة للعرب يطالبهم فيها بالتعاون والعمل معا من أجل مصلحة جميع المسلمين. وقد نبه إلي أن أعداء الأمة هم الذين يثيرون الأمور الطائفية والمذهبية لأن مصلحتهم تكمن في تمزيق الأمة واستنزاف طاقاتها من خلال حروب محلية.ثالثا: بالمقارنة مع فتاوي تصدر من رجال دين إيرانيين ورجال دين عرب، واضح أن رجال دين السلطة العرب يحاولون عزل الشيعة ووصفهم بصفات غير حقيقية، ويحاولون الظهور بمظهر المدافع عن الإسلام. رجال الدين هؤلاء يقفون مع حكامهم ضد المقاومة التي يخوضها أهل السنة في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال.رابعا: إنني أطالب كل عربي بأن يسأل نفسه حول سبب ظهور مسألة الشيعة والسنة مع ظهور المشروع النووي الإيراني ومع انتصار حزب الله في الجنوب اللبناني، وكذلك أيام انتصار الثورة. ولماذا لا تظهر غيرة الحكام العرب علي الإسلام وزمرتهم من رجال الدين إلا في مواجهة إيران وحزب الله؟أفغانستان والعراق:هناك تحفظات كبيرة من قبل إسلاميين سنة وقوميين حول مواقف إيران من الحرب علي كل من أفغانستان والعراق. بالنسبة لأفغانستان، يقول بعضهم بأن إيران تواطأت مع أمريكا وسهلت لها السيطرة علي أفغانستان، وبذلك تلعب إيران لعبة مزدوجة: مرة ضد أمريكا وأخري معها. لكن الحقيقة هي أن إيران لم تقف مع القاعدة وطالبان، ولم تقف مع أمريكا. إيران وقفت علي الحياد لسببين: أولهما أن القاعدة وطالبان يكفران الشيعة وحكام إيران، ولا أظن أن هذا يشجع إيران علي الوقوف معهما، وثانيهما أن إيران لم تكن تستعجل المعركة مع أمريكا حتي لا تخسر ما بنته من قوة عسكرية. وعلي الرغم من أن بعض عناصر القاعدة وطالبان قد دخلوا الأراضي الإيرانية، إلا أن إيران رفضت تسليم أي عنصر لأمريكا. وعلينا ملاحظة أن هجوم الحكام العرب وزمرتهم من رجال الدين وبعض القوميين العرب علي إيران التي لا دور لها في مساعدة أمريكا أكثر حدة من الهجوم علي باكستان التي فتحت أراضيها ومياهها وأجواءها للجيوش الأمريكية. إيران سكتت ولم تتدخل. بخصوص العراق، المسألة شائكة وهي ذات شقين: شق يتعلق بالحرب العراقية الإيرانية، وآخر يتعلق بمقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق. قناعتي، وهي قابلة للجدل والنقاش، أن العراق تتحمل مسؤولية بدء الحرب، وأن إيران تتحمل مسؤولية استمرار الحرب. وفي كل الأحوال، يجب علينا نحن العرب والإيرانيين أن نقيم مأتما سنويا نلطم فيه غباءنا الذي أهلك أولادنا واستنزف طاقاتنا. تلك الحرب لم تخدم العراق ولم تخدم إيران، وإنما خدمت إسرائيل وأمريكا والأنظمة العربية الدائرة في الفلك الأمريكي.من ناحية المقاومة العراقية، إيران تتحمل مسؤولية كبيرة بهذا الصدد، ومن المفروض أنها تدعم المقاومين في العراق، وتشجع أهل الشيعة علي الثورة. لا يجوز بعد هذه السنوات أن تمد إيران بالدعم من يقف مع الاحتلال الأمريكي حتي لو كان لأسباب تكتيكية، أو مع من يروج للطائفية. وإذا رأت إيران أن الظروف غير مناسبة لتقديم الدعم للمقاومة العراقية، فإنها تستطيع وقف الدعم عن المذهبيين الذين يعملون علي تقسيم العراق وقتل الأبرياء. وهنا أنا لا أعفي بعض عناصر السنة من مسؤولياتهم في الهجوم علي أهل الشيعة وأماكنهم المقدسة، بل يجب أن نقف جميعا ضد الممارسات الطائفية الحمقاء التي تهددنا جميعا.عليه أري ضرورة التركيز علي النقاط التالية:أولا: ليس من العار أن تصبح إيران قوية وأن تمتلك القنبلة النووية. من واجب إيران ومن حقها أن تكون قوية اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا، وإذا كان للعرب أي تحفظ فعليهم أن يتحفظوا علي ضعفهم الذي يجلب لهم العار. الحكام العرب يأبون إلا أن يبقوا علي الأمة هزيلة، ومن الواضح أن محاولات الآخرين نحو القوة لا تروق لهم.ثانيا: لا توجد خلافات عميقة جوهرية بيننا نحن العرب وبين إيران تدعونا إلي العداوة والخصام والحروب. الخلافات القائمة لا تبرر لنا الوقوف مع الأمريكان وإسرائيل والأنظمة العربية حتي لو كانت أسبابنا تختلف عن أسباب الآخرين.ثالثا: من المفروض ألا نطوع أنفسنا لمحاولات تحول الصراع من عربي-إسرائيلي إلي عربي-إيراني، أو من أمريكي عدائي للمسلمين إلي سني-شيعي. من المفروض أننا تعلمنا الدرس من الحرب العراقية-الإيرانية. الخطر كل الخطر يكمن في صراع سني-شيعي.رابعا: إذا كانت الأنظمة العربية حريصة علي السنة وغيورة، فلماذا لا تدعم المقاومة السنية في فلسطين والعراق؟ الأنظمة تتآمر ضد كل ما هو عربي ومقاومة وإسلام. وهنا أذكر الجميع بأن الدول العربية ساهمت في احتلال العراق، وهي أيضا لم تكن ترفع إصبعا في مواجهة تركيا عندما كانت تدخل بعسكرها الأراضي العراقية. العرب هم الذين سهلوا للأمريكيين غزو العراق وليس إيران.خامسا: علينا ألا ننساق وراء رجال دين لا يتقون الله ولا يعرفونه وسواء ادعوا أنهم من أهل السنة أو من أهل الشيعة. هناك رجال دين فاسقون يحرضون ليل نهار الناس ويبثون البغضاء والكراهية. وواضح أن العراق الآن تشكل مفرخة لمثل هؤلاء، وهم يؤثرون علي الكثير من السذج لدي أهل السنة وأهل الشيعة.سادسا: نحن مع من يقف ضد إسرائيل وضد الهيمنة الأمريكية في المنطقة حتي لو اختلفنا معه في بعض القضايا. نحن مع المقاومة العراقية وضد من يقف ضدها، ومع المقاومة الفلسطينية وضد من يقف ضدها، ومع المقاومة الصومالية وضد من يقف ضدها، ومع المقاومة اللبنانية وضد من يقف ضدها، ومع المقاومة الأفغانية وضد من يقف ضدها.سابعا: من المطلوب تركيز جهودنا نحو إيران لحل مشكلتين وهما: الجزر العربية في الخليج، وقضية التأثير الإيراني في العراق. لكن من المهم أن يكون منطلقنا البحث عن سبل حل الخلافات وتمكين التعاون العربي الإيراني. مطلوب من مرشد الثورة الإيرانية أن يتخذ الخطوات المناسبة لتصحيح العلاقات الداخلية العراقية والتي ستنعكس حتما علي العلاقات العربية الشعبية مع إيران.ثامنا: من المفروض أن نعي بأن المحرضين ضد إيران يحرضون أيضا ضد حزب الله، ذلك لأن النصر يسوؤهم ويكشف عوراتهم.تاسعا: لنتذكر دائما بأن أمريكا وإسرائيل تسعدان بالتفسخ العربي الإسلامي، وهما لا تهدآن إلا عندما تنفجر الخلافات البينية وينسكب الدم العربي والإيراني.إنها مسؤولية الجميع، إيران والقوميين العرب والمجاهدين المسلمين في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال وباكستان، وكل الغيورين علي الأمة أن تتوجه جهودهم نحو محاصرة الخلافات وإطلاق العنان للتعاون والتقارب والمحبة.وفي النهاية أسأل: مع من سنقف غدا إذا قررت إسرائيل وبريطانيا وأمريكا وأنظمة عربية مهاجمة إيران بشكل أو بآخر؟ أنا سأقف مع إيران. وفي نفس الوقت أسأل: ألا تري إيران أن عليها اتباع سياسة تجاه العراق تجمع ولا تفرق؟كاتب من فلسطين8