يهود يقيمون الحجة ضد الكيان الصهيوني
د. سعادة خليليهود يقيمون الحجة ضد الكيان الصهيوني من المحزن حقا أن نجد، بين اليهود، من يهتم ويناصر القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في كفاحه ومقاومته ويقيم الحجج والأدلة علي وحشية الكيان الصهيوني وينتقد أساس وجوده في الوقت الذي تخلي بعض الفلسطينيين أنفسهم عن هذا الكفاح وأسلموا مصيرهم الي ما يقدمه ويجود به المحتل مدعوما بالولايات المتحدة الأمريكية والنفاق العالمي عبر ما أطلق عليه العملية السلمية وعبر وعود، أقل ما يقال فيها، أنها وعود خُلب (بضم الخاء وفتح وتشديد اللام) وعبر الاقتتال الداخلي المخزي والصراع علي سلطة تحت الاحتلال. وفي هذا الصدد صدرت عدة كتب لمفكرين يهود يفندون مشروعية الاحتلال وحتمية مقاومته بكــــل الوسائل فضــــلا عن عدم مشــروعية وجود الكيان الصهيوني نفسه. لقد جاء كتاب نورمان فينكيلشتاين Norman G. Finkelstein (ما وراء الجرأة: حول سوء استخدام اللا سامية واساءة معاملة التاريخ) الذي تم نشره في آب (أغسطس) 2005 في وقته المناسب تماما وقمت بالتعريف به في وقت ســـابق. وفـــي هذا العام 2006 صــــدر كتــاب آخر بعنــــوان الحجــــــة ضــد اسرائيل The Case Against Israel لمايكل نيومــان Michael Neumann الصــــادر عن دار كاونتربنـــش. لقــد قـــــدم الكاتب كل ما في امكانه من أجل الموضوع فاتسم كتابه بالدقة والمهنية لبحثه وتحليله.لقد جاء هذان الكتابان كرد علي الكتاب الذي أصدره ألان ديرشوفيتز Alan Dershowitz، أستاذ القانون في جامعة هارفارد، بعنوان (الحجة من أجل اسرائيل ) A Case for Israel، الذي قال بأن سجل اسرائيل في حقوق الانسان بصورة عامة هو رائع . لقد أصبح كتابه علي قائمة أحسن المبيعات في الولايات المتحدة. وقامت منظمات اليهود الأمريكيين بتوزيع كتابه علي نطاق واسع في حرم الكليات والجامعات وكذلك قامت وزارة الخارجية الاسرائيلية بابتياع آلاف النسخ من الكتاب لكي توزعها بنفسها.وهنا في هذه العجالة سأقوم بتقديم كتاب مايكل نيومان اليهودي الأصل وهو لأبوين لاجئين من ألمانيا النازية. وهو يقوم بتدريس الفلسفة الآن في جامعة ترينت Trent في أونتاريو في كندا. انه معروف بنصرته القوية للقضية الفلسطينية ويتميّز بثباته المتواصل علي قناعاته ويتمتع بحكمته الواسعة. بالرغــــم من أن عنوان هــــذا الكــــتاب يعطي انطباعا مضللا الا انه بمثابة الاجابة علي الرسالة الممله التي أوردهــــا ألان ديرشوفــــينز Dershowitz والتي فحواها، أي فـــكرة نيومان، شبــيهة بكتاب نورمان فنكلشتاين Beyond Chutzpah وكلا المؤلفين يقول بان الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني ليس معقدا كما يحلو للبعض أن يصوره، ومحاولة ازالة كل تشويش تم اصطناعه عمدا عن المسألة. وساق المؤرخ فنكيلشتاين Finkelstein عددا كبيرا من الدلائل والبينات التي تناقض تماما ما قدمه Dershowitz ديرشوفيتز. بينما الفيلسوف نيومان فضل سلاح شفرة أوكهام، وهو اجراء منطقي لتعرية الطبقات الافتراضية.لقد نشر مؤخرا مقالا عنيفا في موقع كاونتربنش الاخباري بعنوان احمني من أصدقائي جاء في صالح القضية الفلسطينية كما لو كتبه أحد الناشطين الفلسطينيين بل وأكثر. جاء في المقال ان الكثير من الناس يتجاهلون واقع الحكاية الفلسطينية، كما يحلو لليسار، التفكير بأن أمريكا تسعي نحو مصالحها الحيوية أكثر من تحالفها مع اسرائيل. ان الأمر ليس كذلك بل وعلي العكس من ذلك. ان أمريكا تعمل ضد مصالحها بتحالفها مع اسرائيل.تعود أهمية هذا الكاتب (نيومان) ومؤلفاته لسببين: الأول، لأنه يهودي مما يجعله هدفا صعبا لأولئك الذيــــن لا يملكون ســــلاحا الا تهمة المعــــاداة للســـامية والسبب الثاني يعود الي موقع كاونتربنش CounterPuch اليساري الذي تصدر عنه الهجمـــات المتوقعة علي الكيان الصهيوني وبالتالي لا يمكن تجاهلها بيسر وسهولة. ولهذا وذاك تكتسب كتاباته أهمية كبري واهتماما كبيرا من لدن الدوائر الصهيونية وتستحوذ علي مصداقية من يقرأونها. علي عكس كتابات غيره من أمثال والت وميرشيمر Walt and Mearsheimer ودراستهم عن اللوبي الصهيوني حيث أثارت الجدل من قبل اللوبي الصهيوني والدولة الصهيونية لاجهاض جوانب الدراسة وآثارها. وكذلك كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق جمي كارتر الذي لاقي هجوما عنيفا من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والدوائر الصهيونية خارج الولايات المتحدة الأمريكية.ان نشر كاونتربنش CounterPunch للكتاب الحجة ضد اسرائيل هو الضمانة الأكيدة أنه لن يكون اكثر تداولا في وسائط الاعلام، ولن يكون التركيز عليه بالطعن أكثر من الذي قام به غلاة الصهاينة في التعليق والتعرض لـ(والت وميرشيمر) نظرا لقدرة نيومان الهائلة علي الهجوم المضاد والمتعقل. ان نيومان Newman وضع حجته الرئيسة علي عجل: المشروع الصهيوني… لم يكن مبررا تماما وكان يمكن اعتباره من السكان الأصلييين تهديدا خطيرا. ان سيطرة مجموعة عرقية واحدة علي كامل فلسطين تبرر بعض أشكال المقاومة العنيفة لها .لقد وصف تركيزه علي أنه معنوي وسياسي… لا قانوني ، حيث لا يوجد سلطة للقانون الدولي. ان الامم المتحدة غيرموجودة لأن الدول العظمي تستطيع ان تستخدم حق النقض ضد اي عقوبات لا تروق لها. وفي بضع صفحات أخري يقول: ان حق الشعوب في تقرير المصير تم استبعاده كوسيلة لأي من الجانبين، ومساواته بالدفاع عن السيادة السياسية لجماعة عرقيه . ولاحقا يتوسع ويقول: ان الكثير من الفلسطينيين يمكنهم المطالبة ليس بحقوق للاقليات وتقرير المصير ولكن بحقوق الحكم الذاتي ضمن منطقة جغرافية مستقلة. ان السياق التاريخي، في نظر نيومان، يظهر أن الصهيونية دائما كانت تهدف الي اقامة دولة ذات سيادة في فلسطين ولكنها بمكر سعت الي حجب هذه الغاية. ولكن السكان العرب الأصليين كانوا أكثر من يعرف ذلك تمام المعرفه، لذلك كان من غير المنطقي ألاّ يقاوموا… ولهذا لم يتهاون نيومان في حكمه علي الصهيونية. لقد كان، في رأيه، من الخطأ مواصلة المشروع الصهيوني والخطأ في تحقيقه. ومن هنا استنتج أن كل ما قيل في الدفاع عن المشروع الصهيوني وعن اسرائيل غير مبرر علي الاطلاق. ان وجود اسرائيل غير شرعي وغير مقدس وملوث ولكنها محمية بنفس الاتفاقيات الدولية التي تسمح لآخرين بالاستفادة منها… وللاحتفاظ بمكاسبهم الحرام… وقامت علي أساس أنها كلما أكثرت من الأعمال والأفعال، خطأ كانت أم صوابا، وعرضت حياة الآخرين للخطر، لتبرير الدفاع عن النفس. فلذلك كان نيومان علي استعداد لأن يعترف بأن الاحتلال نفسه، في أضيق معني للكلمة، لم يكن جريمة كبري. وفعلا اعتقد أن حرب 1967 التي حررت الضفة الغربية من رعاية الأردن، أعطت اسرائيل فرصة لاصلاح ما قامت به من جرائم بنيت علي أساسها. ومن هنا كان بامكان اسرائيل تبنّي اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة… ولكن بدلا من ذلك، أقامت المستوطنات بتأييد من الولايات المتحدة الامريكية التي فاقمت من الوضع السيء أصلا. وهذه المستوطنات والنظام العسكري الوحشي الذي تأسس في الأراضي المحتلة للدفاع عن النفس كما يزعمون هو الذي أثار ويثير اشمئزاز نيومان.وعندما يأتي الي الخيارات المتاحة للفلسطينيين لمواجهة اسرائيل في سياق الحرب، يبدي نيومان اصرارا: لا يوجد أي خيار سوي العنف. وهذا الجزء من حجته سوف لن يكون مقبولا من الجبناء. فهو لا يرضي بطرح المقاومة السلبية كخيار في السياق الفلسطيني لأن هذا الخيار لم يعط نتيجة في أي سياق حيث يواجه من لا قوة له قوة لا وازع لها من ضمير.. ومن هنا لا نستطيع القول ان غاندي هو الذي حصل علي استقلال الهند والمؤتمر الوطني الافريقي في جنوب افريقيا لم يكن أبدا حركة سلمية لا عنفية و لكنهم قرروا في مناسبات مختلفة استخدام الأساليب غير العنيفة .يعرّف الارهاب علي أنه عنف عشوائي ضد أفراد غير محاربين ، ويميزه عن الأضرار الجانبية damage Collateral مع التأكيد علي أن هذا الأخير يتضمن قتل الأبرياء المدنيين عن علم ومعرفة بينما الارهاب يتضمن قتل الأبرياء المدنيين عمدا ، مستنتجا أن الفارق الأخلاقي هو أكاديمي جدا . فلماذا، اذن، يعتبر الارهاب بغيضا أخلاقيا بينما الأضرار الجانبية تؤخذ علي أنها دعم معنوي؟تخيّل المقاربة التالية في حالة الاحتلال الاسرائيلي: لتحقيق أي من الأهداف، تقوم اسرائيل باسقاط القنابل مع العلم مسبقا بأنها ستقتل الأطفال وتقطع أوصالهم. ولكن لتحقيق نفس الأهداف، لا تقوم بزرع الألغام أو بتفجير قنبلة علي الأرض مع العلم أنها قد تؤدي الي نفس الغرض. علي كل حال، هي تملك الطائرات للقيام بذلك، وليست بحاجة الي زرع قنابل ولا تحتاج الي شهادة في التفوق الأخلاقي .ويكرر المؤلف أن الفلسطينيين تُرِكوا بدون خيارات. أما اسرائيل ، بصورة رئيسة، فهي تملك جميع الخيارات ومنها الانسحاب من الاراضي المحتلة من طرف واحد، ولكنها ترفض استخدام الخيارات هذه. وبالتالي يرفض المؤلف اعلان حكم علي الارهاب الفلسطيني . فلماذا لا يزال لاسرائيل زمام المبادرة في دعم الولايات المتحدة لها؟ يحاول نيومان أن يفكك ويحلل تلك الأفكار بشكل حاذق علي أساس اما وجود القيم المشتركة وامّا التقاء المصالح بين الولايات المتحدة واسرائيل، أو أن اسرائيل ليست عائقا لسعي الولايات المتحدة للحصول علي النفط . ان تحالف الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هو تحالف يتم فهمه وتحليله تاريخيا علي أنه بقايا الحرب الباردة التي أدامها العجز الذاتي: العقيدة الفاسدة في تحالف عكسي غير منتج في قلب الخارجية الأمريكية .يدعو نيومان الولايات المتحدة الي تغيير التحالفات أو الجبهات وعندئذ ستحصد المزايا والفوائد جرّاء هذا التغيير الكامل أو الدوران للخلف كما يطلق عليه. قد تكسب الولايات المتحدة صداقة البلدان العربية المنتجة للنفط بحق وتحصل علي حلفاء أكثر قيمة في الحرب علي الارهاب . وكذلك قد تكسب ود وصداقة جميع حكومات العالم الاسلامي بأسره وجزءا كبيرا من الحركة الأصوليه الاسلامية! وبالتالي يمكن كسب الحرب علي الارهاب، التي لا يظهر كسبها حاليا، بأقل التكاليف وبسرعة كبيرة. ولربما أكثر أهمية من ذلك، ان تغيير التحالفات يمكن أن ينشط الجهود الأمريكية المتعثرة في الانتشار. ان قرار نيومان النهائي هو أن اسرائيل هي الطفل غير الشرعي للأقليات القومية . ولكن لم يتضمن قراره صياغة استراتيجيات محددة تؤدي الي حل، انه يناصر ويؤيد عملا قويا ضد اسرائيل مثل عقوبات دولية محتملة علي شكل واسع لا تهاب أهوال الماضي اليهودي . ان كتاب الحجة ضد اسرائيل ، في رأيي، هو أكثر كتاب تضمن انتقادا مباشرا وشاملا لـ اسرائيل ظهر حتي الآن في عالم الطباعة والنشر. ان قيمته كأداة لاطلاق الحملات ضد الكيان الصهيوني تنبع أساسا من دقة منطقه، ومن بعده عن محاولات مرواغة القانون الدولي أو المسؤولية التاريخية. ان تتبع حججه وأفكاره المنطقية يتطلب تفكيرا مركزا من القارئ نفسه ـ ولكنه يستحق القراءة.8