حمّام عمومي لعايدة صبرا علي مسرح مونو : ممثلون يبتلعون الصراعات السياسية والاجتماعية ويعيدونها عنفاً جسمانياً

حجم الخط
0

حمّام عمومي لعايدة صبرا علي مسرح مونو : ممثلون يبتلعون الصراعات السياسية والاجتماعية ويعيدونها عنفاً جسمانياً

ناظم السيد حمّام عمومي لعايدة صبرا علي مسرح مونو : ممثلون يبتلعون الصراعات السياسية والاجتماعية ويعيدونها عنفاً جسمانياًبيروت ـ القدس العربي حمّام عمومي مسرحية جديدة للممثلة والمخرجة عايدة صبرا علي خشبة مسرح مونو (من 11 الي 21 كانون الثاني/ يناير). المسرحية التي أعدّت فكرتها وأخرجتها صبرا تقوم علي هضم نصوص ليوجين يونيسكو وإدوارد ألبي بعدما تمَّت لبننتها من قبل المخرجة نفسها ومن جانب الممثلين الذين تُركت لهم أثناء التمارين حرية تطوير الشخصيات المتعددة التي يؤدونها. ساعة ونصف الساعة من الكوميديا المختلطة بالتجريب تكشف هذا الصراع الاجتماعي والسياسي للناس في علاقاتهم ببعضهم البعض. علاقات متوترة، متنافرة، ودودة، غاضبة، منقلبة إثر كل حدث سواء كان خارجياً أم داخلياً. بهذا المعني، بدا العمل استلهاماً للأوضاع التي يعيشها اللبنانيون هذه الأيام في السياسة وإن كان هذا الاستلهام مرمّزاً، ما يترك مساحة لتأويل العمل بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة، أي ان المسرحية بقدر ما تلامس الاجتماع اللبناني بقدر ما تظهر هذا الصراع بين البشر أينما كانوا، وبقدر ما تشير الي الصراعات الخارجية بقدر ما تكشف بعداً نفسياً لهذه الصراعات يتأتي من الداخل الإنساني. إنها صراعات التقارب والتنافر بين الصديق وصديقه، العاشق وعشيقته، الزوج وزوجته وغيرهم من الشخصيات المتنقلة التي يؤديها كل من إيلي متري، إيلي يوسف، فؤاد يمّين، سينتيا كرم، يارا بونصّار وجيزيل خوري التي تلعب دور مذيعة تقوم بوظيفة الربط بين هذه الأجزاء المتناثرة، المتعارضة، المتقابلة، المتنافرة والمتكاملة. الربط لا يجري بالطبع عبر شخصية المذيعة فحسب، وإنما من خلال الحركة العصبية للممثلين التي تعيد تأليف النص عبر التمثيل. إذاً، ليس هناك نص بالمعني التقليدي للكلمة. النص هنا ينشأ من الأداء ومن الإيقاع. لنقل إن أجساد الممثلين شكل آخر من أشكال الكتابة. لهذا بدا الشغل علي الممثل أساسياً في حمّام عمومي .. الديكور شبه ثابت وهو عبارة عن حمّام عمومي أقيم علي نصف مساحة المسرح، يدخله الممثلون بأدوار متنقلة وعديدة لقضاء حاجتهم، بينما تُرك القسم الآخر لمشاهد تنشأ وتختفي فجأة علي الخشبة. لكن الخشبة هذه المرة بدت متنقلة هي بدورها تماماً كأدوار الممثلين وأمزجتهم المتراوحة بين الحدة واللين، القسوة والحنو، الكره والحب، العناق والتعارك بالأيدي، وذلك من خلال نزول الممثلين الي الصالة وتنقلهم بين المقاعد وهم يؤدون شخصيات تنبت بلا تقديم من بين المشاهدين ومن خلفهم وأحياناً من فوقهم، أي من الغرفة التي تحوي معدّات العرض وآلاته. كل شيء موزّع في المسرحية ومتعارض مع شي آخر، ابتداء بالنص المفكك، الي الأدوار العديدة التي يقوم بها الممثل نفسه، الي مكان العرض الذي يشمل الصالة كلها. إنه إيلاء للبعد البصري علي الكلمات. الكلمات لا تخدم غرضاً لغوياً محدداً. إنها نشاط فحسب. وعليه، لجأت صبرا، كنوع من تفكيك النص الكلامي وكتنشيط للبعد المشهدي، لجأت الي الفيديو. يخرج الممثل من المسرح فإذا بنا نشاهده خلف الكواليس أو في البيت، عبر شريط فيديو يتم عرضه علي خلفية خشبة المسرح. هكذا يتألف الإيقاع في المسرحية من أجزاء عدة تتناوب حواس الجمهور المنهمك في متابعة ممثلين يعملون في الوقت نفسه علي الخشبة وأمامها، داخلين من أبواب الصالة أو نازلين بالحبل من الأعلي أو صاعدين من بين المقاعد، يرافقهم الفيديو حيناً. تقنية لم تدفع الجمهور الي الانهماك فقط، بل الي تمضية الوقت مترقباً، مشدوداً، منتظراً أن تأتي المذيعة- مثلاً- لتسأله سؤالاً لا يتوقعه أو لتمرر نكتة أو جملة طريفة أو مداعبة لطيفة. ربما أرادت عايدة صبرا إشغال الجمهور ومنعه من تضييع الوقت، وربما أرادته مساهماً في صناعة العرض المسرحي. الجمهور هنا ليس طرفاً سلبياً. إنه شريك لن يكتمل العرض من دونه. ورغم أن هذا أمر ثابت في المسرح، أي مساهمة الجمهور، إلا أن صبرا توسّع هذه المشاركة، أي تنقلها من صفة الانفعال الي صفة التورّط.لقد تركت الأحداث السياسية التي تجري في لبنان منذ أكثر من سنة ونصف السنة، ولا سيما الاغتيالات وحرب تموز/ يوليو، تركت آثاراً في معظم الفنون من شعر ورواية وأفلام روائية ووثائقية وغناء وتشكيل وتجهيز. لكن الأعمال التي استوحت هذه الأحداث وجعلتها فناً خالصاً كانت قليلة. ومن هذه الأعمال عرض حمّام عمومي الذي أظهر الصراعات الحية من غير أن يقع في المباشرة والخطابية والوعظ والانعكاس الأوتوماتيكي. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية