غيوم في رحلة جبلية لمسرح الميدان : مسرحية عن حياة فدوي طوقان
نبيل عودة غيوم في رحلة جبلية لمسرح الميدان : مسرحية عن حياة فدوي طوقاناختتم مسرح الميدان نشاطه للعام 2006 بتقديم مسرحية غيوم في رحلة جبلية وهي مسرحية مقتبسة من السيرة الذاتية للشاعرة الفلسطينية الرائعة والخالدة فدوي طوقان. اعترف أني استصعبت في البداية الدخول في حمي الكتابة عن هذه المسرحية.. ولكن مجرد التفكير الجريء بمسرحة سيرة حياة.. يعتبر تحديا ثقافيا خطيرا بحد ذاته.. فكيف بسيرة حياة شاعرة فلسطينية عاشت في أصعب فترة زمنية هي الأكثر حرجة في التاريخ الفلسطيني، ليس سياسيا فحسب، إنما اجتماعيا وحضاريا أيضا، وهذا يبرز بقوة في الرحلة الجبلية – السيزيفية (سيزيف بطل إغريقي حكمت علية الآلهة برفع صخرة إلي قمة جبل، وان تسقط الصخرة منه كلما بلغ قمة الجبل ليعود يرفعها من جديد.. إلي ما لا نهاية) الرحلة الحياتية الصعبة للشاعرة – لان الشاعرة التي ارتبطت بقضايا شعبها وتثقفت في المدرسة الأدبية الوطنية للشاعر إبراهيم طوقان (أخ الشاعرة الذي اخذ علي عاتقه إنقاذ شقيقته فدوي من العقلية القبلية التي فرضت عليها الانقطاع عن التعليم والسجن المنزلي) وهو ابرز شعراء فلسطين علي الإطلاق.. ونري أن عزل فدوي وحجبها في المنزل، فتح أمامها أبوابا ثقافية حدودها السماء.. وأعطي للأدب الفلسطيني خصوصا، والأدب العربي عامة، إحدي ابرز وأهم شاعراته.. ليس بأدبها فحسب، إنما بمواقفها المتحدية لحجب المرأة الاجتماعية والثقافية والتعليمية ولدورها السياسي أيضا. من هنا ارتبطت من كلماتها الأولي بقضايا مجتمعها ومكانة المرأة ودورها في المجتمع المحافظ لدرجة الانغلاق وقبر الأنثي – ووأدها في البيت، وقهرها… في مجتمع سيطرت عليه العصبية القبلية والجاهلية الفكرية.. ولكن اللبوءة التي تثقفت في مدرسة إبراهيم طوقان كسرت القيد وانتفضت بقوة وصلابة.. لتعطي للمرأة الفلسطينية، والمرأة العربية عامة.. مكانها النضالي والأدبي والإنساني.. ما حققته فدوي يعتبر تحديا للمستحيل.. أقرأوا ما كتبته في رحلتها الصعبة ليأخذ القارئ، الذي لم يقرأ سيرة فدوي الذاتية، صورة عما نتحدث عنه: وكما يحدث في نطاق المجتمع حيث تكون الرقابة المستبدة والقمع والقهر سببا في خلق بنية تتركب من ثنائية الخضوع والتمرد معا، كذلك يحدث في نطاق الأفراد. في هذا البيت وبين جدرانه العالية التي تحجب كل العالم الخارجي عن جماعة الحريم الموؤودة فيه انسحقت طفولتي وصباي وجزء غير قليل من شبابي . ليس من السهل مسرحة السير الذاتية لأنها علي الأغلب تفتقد للمركبات المسرحية المعتادة.. وهذا التحدي الجريء الذي أخذته الكاتبة والمخرجة أورنا عقاد علي نفسها.. أعترف انه دفعني ثقافيا علي الأقل لطرح انطباعي عن هذا العمل الثقافي الحضاري المميز، والذي اعتبره قفزة نوعية ثقافية، يجب رعايتها وتطويرها.. وآمل أن لا تذهب دعوتي أدراج الرياح، كما هو الحال في كل ما يتعلق بحياتنا الثقافية.. المهملة من مؤسساتنا الرسمية والشعبية.. مع الأسف.. مع الأسف… ولشدة المهزلة!!حقا فدوي طوقان نموذج حي للشجاعة والصلابة في تحدي التقاليد البالية للمجتمعات العربية.. وفي مواجهة القهر والكبت الذكوري المتخلف، وفي رفع لواء التحرر العقلي للمجتمع، وتعاضد المرأة والرجل في سبيل حياة أفضل.. بل وفي سبيل انجاز مهام الشعب الفلسطيني الوطنية بالتحرر وبناء دولته المستقلة.مذكرات فدوي طوقان اعتبرت من أجمل وأروع السير الذاتية في الأدب العربي ووضعها بعض النقاد العرب بمستوي كتاب الأيام ـ سيرة عميد الأدب العربي طه حسين، وبمستوي زهرة العمر لتوفيق الحكيم… آمل أن أكون قد أعطيت القارئ، أو المشاهد للمسرحية، فكرة عامة عن أجواء هذا العمل الثقافي المميز… يقوم ببطولة المسرحية الفنانتان سلوي نقارة وسناء لهب بمرافقة العازف والمغني ألبير مرعب.. سلوي بالأساس تجسم شخصية فدوي.. الإنسانة التي اجتازت الحواجز الصعبة وحافظت علي تفاؤلها الإنساني والتزامها الوطني وشفافيتها الشعرية الإنسانية، وصلابتها الفلسطينية.. ولكن ما مر علي فدوي عظيم في صعوبته ومأساويته.. مخيف في ضغوطه وانغلاقه القبلي، رهيب في إسقاطاته وعواصفه.. واقع فلسطيني خارج لتوه من التخلف العثماني، ليسقط تحت حكم انتدابي استعماري، يتآمر علي مستقبل الوطن الفلسطيني، في ظل عالم عربي وملوك عرب لا هم لهم إلا عروشهم الفاسدة، متهالكين علي أعتاب ممثلي الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية.. لينتقل إلي مأساة إغريقية بضياع الوطن وتشرد الشعب الفلسطيني.. ولم تنته المهزلة – المأساة الإغريقية.. لتكتمل فصولها باحتلال إسرائيلي لما تبقي من تراب فلسطيني.. ولنشهد فصولا جديدة في المأساة الفلسطينية.. وصولا إلي الانتفاضة الفلسطينية التي أعادت الروح إلي الجسد الذي كاد أن يستسلم لقدره.. وما رافق ذلك من سلبيات دخلت للمجتمع الفلسطيني في محاولة لإعادته إلي الوراء اجتماعيا وثقافيا وسياسيا.. اعتقد أن المخرجة – الكاتبة للنص في الوقت نفسه – اضطرت لايجاد شخصية انشراح (الممثلة سناء لهب) او الجبلية.. وهذا هو التعبير الواضح جدا بان انشراح هي مسيرة الصراع الصعبة الذي اعتمل بنفسية الشاعرة الرقيقة.. الصراع الذي يشمل كل مسيرة حياتها.. من هنا رأيت بدور انشراح – الجبلية.. دورا مركزيا مكملا لشخصية الشاعرة الإنسانية شديدة الشفافية التي أبدعتها تمثيلا سلوي نقارة.. انشراح هي الرحلة الجبلية الرحلة الصعبة بين المتناقضات والضغوطات والتردد والشكوك والخوف والإقدام والتصاعد والهبوط في هذه الحياة التي قطعت دروبها الجبلية الوعرة شاعرتنا الرائعة والخالدة فدوي طوقان. هذا الدور الصعب المتناقض كان يحتاج بالضبط إلي ممثلة مثقفة ذكية وبالغة الإحساس بالمضمون الثقافي والاجتماعي والسياسي للسيرة الذاتية الإنسانية الشاملة التي أبدعتها تجربة وكتابة فدوي طوقان. من الضروري للمشاهد أن يعي بأن شخصية انشراح في المسرحية ليست شخصية إضافية أو مكملة.. لتسهيل تقديم السيرة الذاتية للشاعرة.. انشراح هي فدوي العظيمة بتناقضاتها وعذابها النفسي الداخلي الذي نجحت بإخفائه شعريا وإنسانيا.. ولكنه تمرد وفرض نفسه حين أمسكت القلم لتكتب سيرة حياتها.. فهل بالصدفة أن انشراح.. الجبلية تخرج في بداية العرض المسرحي من وراء وجه (قناع) هو علي الأغلب، وربما بالتأكيد يرمز إلي الوجه الآخر للشاعرة فدوي طوقان.. وما قامت به سناء لهب، اعتبره انجازا كبيرا يشير إلي القدرات الكبيرة لدي هذه الممثلة التي لا أذكر إني شاهدت أعمالا سابقة لها. اعترف أن مشاهدة مثل هذا المسرح.. صعبة علي بعض المشاهدين.. نحن لم نتعود بعد علي المسرح الثقافي.. الذي يحتاج إلي مشاهد يشغل عقله وتفكيره.. ما نشاهده من مسرح، خاصة عبر الفضائيات هو مسرح تهريجي، لا يخاطب الإنسان ثقافيا، ولا يترك له إلا الضحك والارتخاء.. أو مسرح ثقافي خفيف وأكثر مباشرة في عروضه.. من هنا رأيت التحدي الكبير الذي قام فيه مسرح الميدان.. والمخرجة والممثلتان وسائر المشاركين بإعداد هذا العمل، خاصة الموسيقي درويش درويش، والعازف والمغني ألبير مرعب.. الفضائيات لا تعرض مسرحا ثقافيا راقيا… لا أشك للحظة انه موجود.. ولكن شعبيته محصورة بأوساط ضيقة من المثقفين ولا يشد المشاهد الذي اعتاد علي الثقافة الضحلة وسهلة الهضم.أتوجه لمسرح الميدان.. الذي أكن له ولإدارته التقدير الكبير.. بضمان عرض هذه المسرحية في كل البلدات العربية… نحن بحاجة لمثل هذا المسرح المثقف.. حتي لو كان صعبا اليوم علي بعض المشاهدين.. المسرح هو مدرسة فكرية واجتماعية وتربوية.. نحن بحاجة ماسة لها بظل غياب التثقيف الشعبي. مسرحي من فلسطين2