ديمقراطية المقصلة

حجم الخط
0

ديمقراطية المقصلة

يحيي اليحياوي ديمقراطية المقصلة واهم بالمطلق من كان، أو لا يزال يعتقد أن تنفيذ حكم الاعدام في الرئيس/الشهيد صدام حسين تم بأمر من الحكومة العراقية ، أو بقرار منها وقعه رئيس وزراء اعترف هو ذاته أنه ليس بمستطاعه تحريك دورية عادية دون موافقة الأمريكان، أو التأشير له بذلك من قبلهم. ومن السذاجة الممزوجة بالوهم الصرف أيضا، أن يعتقد المرء أن تنفيذ الاعدام في الرجل (صبيحة يوم كان أكثر من مليوني مسلم محرمين بمكة، وأكثر من مليار نحروا أو يتهيأون لنحر أضحية عيد، كرم الله بني الانسان عبره ومن خلاله) قد تم اعمالا لحكم قضائي لا يستطيع كائن من كان من البشر رده أو تعليقه أو تأجيله، فما بالك بالطعن فيه أو تخفيفه أو الغائه. لم تكن حكومة العراق الجديد و رئيس وزرائها في عملية التنفيذ، الا عنصري الشكل والمظهر والتسويغ أيضا، وكان لقوات الاحتلال الأمريكي عنصر القرار، وناصية الأمر بالتنفيذ بالزمن كما بالمكان: + فاعتقال الرئيس/الشهيد تم علي أيدي احتلال أمريكي، تفنن بحبكة في اخراج الرجل من حفرة متسخا، مبهورا، غير عابئ بمن هم حوله، في حين أن الحقيقة هي أن الرجل اعتقل وهو معتكف بالصلاة باحدي ضواحي بغداد، فخدر وصور من كل الزوايا ليختار خبراء الدعاية الأمريكان تقديم المقطع المهين للرجل، المفجع لأتباعه، والمقوض لكاريزما قوية اعترف له بها خصومه حتي وهو بالمقصلة يعدم. + وتقديمه للمحاكمة تم بأمر من الأمريكان وتحت اشرافهم وحمايتهم، وبـ قانون للبلاد وللمحكمة هم واضعوه وكتاب صكوكه، وبترتيبات اختير علي أساسها قضاة وهيئة ادعاء عام من الشيعة والأكراد دون سواهم، انتقوا جميعا حادثة واحدة (حادثة الدجيل دون غيرها بدءا) لتجريم الرجل وادانته، والحكم عليه بالاعدام في مشهد يوحي بأن المطلوب في حينه (حينما أمطر حزب الدعوة رئيس الدولة بالرصاص بداية ثمانينات القرن الماضي) أن يغتال الرئيس ولا يعدم من كانوا خلف محاولة قتله، وعلي رأسهم الحزب اياه الذي تبني العملية وهو بايران، حيث اللجوء والحماية والمعاضدة والتمويل. + وتسليمه للحكومة العراقية (لفرق موتها المتخصصة بالمحصلة النهائية) تم بـ تنسيق مع الجانب الأمريكي ، وبعدما أعلم محاموه بتوكيل من يتسلم متعلقاته ووصيته، دونما اخبارهم بتاريخ أو بمكان تنفيذ الاعدام، أو استدعاء بعضهم للحضور (الصوري علي الأقل) حتي وان صرح مقربون من جورج بوش بأن التنفيذ بات مسألة سويعات ليس الا. + والرئيس الأمريكي ذاته بارك عملية التنفيذ جهارة وهو الآمر بتسريعها بكل الأحوال، ووافق علي طريقة اخراجها (حتي وان استهجن فيما بعد أسلوبها)، و تدخل شخصيا لفائدة تسليم جثة الشهيد لعشيرته، بعدما كاد يواري الثري في مكان سري، حتي لا يتحول الي مزار، أو يعمد بعض من ضعاف النفوس الي نبشه والتنكيل برفاته. ليس ثمة مؤشر واحد، بالعطف علي ما سبق، يشفع للأمريكان ادعاءهم بأن لا علاقة لهم بعملية الاعدام/الاغتيال، أو يوحي بأن الرئيس الأمريكي كان بمنأي تام عن قرار الاعدام وتوقيته والفظاعة التي تم بها الاخراج، أو يعفيه من الجريمة كونه كان معتكفا لاعداد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ، التي يتأمل أن تضمن له خروجا مشرفا من المستنقع العراقي، أو تخفف من الخسائر المترتبة عنه ماديا وبشريا وسياسيا ورمزيا علي مستوي التعرية التي طاولت جراء ذلك، سمعة القوة الأعظم بالعالم بداية هذا القرن. وليس ثمة دليل واحد قاطع يشير الي أن الولايات المتحدة براء مما وقع للرئيس/الشهيد، وهي التي ناصبته العداء ضمنا وعلانية، واستعجلت الدفع به للمقصلة… وكان لها أن تسلك المسلك المعاكس (صيانة حياة الرجل علي الأقل) ولن يكون بمقدور كائن من كان بالعالم التجرؤ علي معاتبتها أو محاسبتها، أو الطعن في مضمون قرارها. كيف التبجح بالقول بأن الحكومة العراقية هي التي حاكمت الرئيس، وأدانته وعمدت من تلقاء نفسها الي تنفيذ الاعدام فيه، وهي التي بحكم الاحتلال وبضعفها اللامتناهي وباستصدار القرار من بين أيديها، لا تستطيع تحريك دورية (اللهم الا دوريات فرق الموت) أو المجازفة بالخروج من المنطقة الخضراء، فما بالك أن تتجرأ علي تنفيذ كبائر القرارات من قبيل قرار اغتيال الرئيس الشرعي للبلاد يوم عيد؟ واذا كان تنفيذ حكم الاعدام في الرئيس/الشهيد عنوان ما هو قادم من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للعراق ، فانه بالآن ذاته عنوان نهاية سلسلة من الأكاذيب والتضليلات اكتنفت السلوك الأمريكي منذ عزم غزو العراق واحتلاله، حتي ساعة تنفيذ الاغتيال: + فالعملية أتت في سياق التغطية علي الكذبة الشهيرة بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، لن يتواني (بمنظور الأمريكان الضيق، لكن المحسوب) في استعمالها ضدها أو ضد جيرانها… ليخلف بذلك حالة رعب قد يذهب بجريرتها البشر والحجر علي حد سواء .+ والعملية جاءت لتطمس ادعاء ارتباط الرئيس/الشهيد بتنظيم القاعدة، وتطلعهما معا لضرب الأمريكان في عقر دارهم، أو التنسيق بجهة احكام قبضتهما علي منطقة من العالم لا يمكن لأمريكا التساهل بشأن مصيرها، أو التنازل لغيرها عنها بالحاضر القائم أو بالزمن المنظور. + والعملية (عملية تنفيذ الاعدام أعني) أتت لتعفي أمريكا (وحلفاءها العرب بالمنطقة) من انفضاح أسرار، كان من شأن الشهيد فضحها عن تفاصيل التواطؤ الأمريكي أثناء حرب الخليج الأولي والثانية، وتورط أكثر من جهة (عربية وغربية) في اشعال وتأجيج وتمويل حربين ما كان لهما أن تكونا أصلا، أو تستمرا لولا ذوات التواطؤ والتورط… فدفنوها مع الرجل مسرعين، كي لا تفسد القائم والقادم من حسابات وترتيبات. ولما لم يبق للأمريكان (رئيسا ونوابا ونخبا عسكرية وسياسية) من مفر موضوعي يستند اليه (وقد اشتدت عليها ضربات المقاومة)، فانها عمدت الي تغيير الهدف والغاية، فبادرت لاعلان عزمها اعتماد استراتيجية جديدة نفذت أحد بنودها صبيحة يوم عيد مقدس، معلنة بذلك عن طبيعة ذات الاستراتيجية، والتوجهات الخشنة المرتكنة اليها شكلا وبالجوهر.لم تبرز عملية الاغتيال كخلفية لذات الاستراتيجية أو عنصرا من عناصرها المحددة فحسب، بل تم ابرازها للتدليل علي التوجه الديمقراطي الجديد الذي لا يمكن الشروع في ترجمته بأرض الواقع والرئيس صدام حسين علي قيد الحياة.يقول جورج بوش: ان اعدام صدام حسين يشكل نهاية سنة صعبة للشعب العراقي ولقواتنا . ويتابع: ان تنفيذ الاعدام به لن ينهي العنف في العراق، لكنه يشكل مرحلة مهمة علي طريق العراق باتجاه ديمقراطية يمكن أن تحكم نفسها بنفسها، وتتمتع باكتفاء ذاتي وتدافع عن نفسها، وتكون حليفة في الحرب علي الارهاب .ويقول نوري المالكي: ان العراق الجديد لن يحكمه بعد اليوم حزب أو طائفة . ويتابع: ان تنفيذ حكم الاعدام نهاية لكل الرهانات الخائبة علي عودة الديكتاتورية ونظام الحزب الواحد… وولت الي غير رجعة سياسة الاقصاء والتمييز والتهميش، التي عاني منها العراق علي مدي خمس وثلاثين سنة . ويؤكد: ان حكومة الوحدة الوطنية مصممة علي مواصلة جهودها في عملية اعادة البناء في المجالات كافة، والأبواب مفتوحة أمام كل مخلص يريد خدمة شعبه ووطنه .ويقول موفق الربيعي: سيكون هذا اليوم العظيم يوما للوحدة الوطنية ويوما لتحرر الشعب العراقي…ان أكبر رمز من رموز الطغيان ذهب الي غير رجعة، وستفتح صفحة جديدة .كنا سنكون مستعدين لتصديق هذا الكلام أو تفهمه بأدني التقديرات. وكان بودنا أن نتعامل معه ونعطي مضمونه بعضا من المصداقية. لكن واقع الحال القائم والجاري يدلل نسبيا وبالقطع أيضا، علي النفاق الذي يطبعه والاستخفاف بالعقول الذي يميزه ويلازمه: + فادارة جورج بوش هي التي اعتمدت ودفعت بمبدأ المحاصصة الطائفية، منذ مجلس الحكم الانتقالي والي حين تعيين المالكي في منصبه. هي التي قطعت وفصلت وناورت لتكون الطائفية هي الأصل في توزيع السلطة والغنيمة، والمذهبية هي الركيزة التي علي أساسها أرادت وتريد تشكيل العراق الجديد التعددي والديمقراطي .عن أية ديمقراطية تتحدث الادارة اياها (والحكومة المعينة من لدنها بالمنطقة الخضراء) وهي تكرس الطائفية والمذهبية والنزعة القومية الضيقة، وهي كلها منافية لأبسط مبادئ التعددية السياسية والديمقراطية، ناهيك عن مقومات التعايش بين أطياف الوطن؟+ وادارة جورج (والحكومة العميلة لها بالعراق) تراهن علي المصالحة و الوفاق الوطني في حين أنها تقتل وتستأصل وتستقصي، لتعمد بالمحصلة الي اعدام رئيس كان له (لو سلمت نيات الاحتلال وعملاؤه وخلصت) أن يسهم في الدفع بسبل مصالحة ما… وهو الذي له بالمقاومة أتباع، وبالفصائل المجاهدة مساندين وموالين. المصالحة مع من اذا كان مكونا من مكوناتها قد أعدم، وطائفته أهينت يوم عيد، وعشيرته أجبرت علي دفنه تحت جنح الليل، وتوبع من تظاهر احتجاجا علي اغتياله، أو أبدي تعاطفا معه بالداخل أو ببعض من دول الجوار؟ + وادارة جورج بوش (وأدواتها ببغداد) أعدمت رئيسا تدلل كل المؤشرات أن الحياة في عهده كانت أفضل وأأمن… حتي وان كانت بظروف من الاستبداد وبسيادة للحزب الواحد. عن أية ديمقراطية يتحدثون وهم لا يستطيعون ضمان الحد الأدني من الأمن والأمان، الذي لا حياة بدونهما فما بالك بالحياة السياسية الطبيعية؟ كنا نمني النفس أن تقام بالعراق واحة الديمقراطية التي وعد بها، ويستتب الأمن (عوض استئساد فرق الموت) ويستعيد العراق بعضا من عافيته، ويغدو نموذجا في الديمقراطية للمنطقة…حينها وحينها فقط، كان بالامكان مواجهة الرئيس/الشهيد بالواقع الجديد، ليجابهوه بما حققوا للعراق، وبأنهم لم يأتوا للعراق بغرض السرقة والنهب وتصفية الحسابات وتنفيذ أجندات الاحتلال ودول الجوار … وليقدموه حينها للقضاء المستقل الجديد حتي يحاسب علي ما قدمت يداه أو أخرت. أما وأن الأمر بات غير ذلك، فانه لا يمكن أن يخرج بكل زوايا التحليل، عن تصفية حساب سياسي (وطائفي تحديدا) من لدن قوة احتلال غاشمة…بأيادي صفوية خالصة، انتظرت لحظة الثأر بأحر من الجمر، فكان لها ما تمنت بعد طول انتظار. لن يكون للحكام العرب بعد اليوم، من خيار آخر ان تسني لهذا النموذج أن ينجح ويتعمم: اما الجنوح الي ديمقراطية الأمبراطورية، أو مد العنق للمقصلة…ہ باحث وأكاديمي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية