ليلة القبض علي هويدا طه

حجم الخط
0

ليلة القبض علي هويدا طه

سليم عزوزليلة القبض علي هويدا طهكانت الساعة تقترب من منتصف الليل عندما تلقيت اتصالا هاتفيا من صديق يخبرني انه تم القبض علي الزميلة هويدا طه الصحافية بقناة الجزيرة، في مطار القاهرة، وبحوزتها مجموعة من أشرطة الفيديو، عليها برامج خاصة بالقناة القطرية، وكنت قد شاهدت فقرة مني سلمان الصباحية علي (الجزيرة)، ثم أغلقت جهاز التلفزيون ولم اسمع أخبارا، او اشاهد تلفزيونا في طول هذا اليوم.الصديق قال لي ان نشرة الساعة التاسعة مساء بالتلفزيون المصري بثت الخبر بتوسع، والخبر علي الرغم من طول مدته، كان لوزارة الداخلية قدم فيه المتهمة علي أنها مجرمة حرب. وفي الحروب يكتفي الإعلام المصري الرسمي بالبيانات الرسمية، ولا يكلف خاطره بإرسال مذيع وكاميرا الي ارض المعركة، للوقوف علي الموقف من كل جوانبه، او سؤال أطراف أخري، كالنيابة التي تحقق مع هويدا طه، ان لم يكن بسؤال هويدا نفسها وتقديمها للمشاهد ليتعرف علي هذه المجرمة (العتويلة)، التي عرضت امن البلاد للخطر، بعد ان جندها الأعداء في قطر.للوهلة الأولي قلت في عقل بالي ان الزميلة هويدا طه تدفع ثمن مقالاتها في هذه الجريدة القدس العربي ، وفي هذه الزاوية: فضائيات وارضيات ، المناهضة للتمديد والتوريث، ويبدو للمراقب ومن خلال رفض اثني عشر حزبا دفعة واحدة، ومن خلال التعديلات الدستورية التي تكرس الاستبداد، وأيضا من خلال عملية الضيق بالرأي الآخر، والتنكيل الفج بحركة الإخوان المسلمين، ان المسرح يستعد لشيء ما.عبارة بحوزتها للمؤنث، وبحوزته للمذكر، مرتبطة باللغة البوليسية، والممنوعات في الوجدان الشعبي المصري ارتبطت بالمخدرات، وعندما وصل الصديق في خبره الي كلمة: بحوزتها، قلت: هي حصلت؟! ولم استبعد ان يقال ان زميلتنا هويدا تم القبض عليها وبحوزتها قنطارا من الهيروين، وانها تعمل مع المافيا، فكل شيء وارد، ومن لسعته (الشُوربة)، فمعذور ان نفخ في (الزبادي).لكي أقف علي حقيقة ما جري كان أول شيء فعلته هو مشاهدة الجزيرة، لا فاجأ بأنه لا حس ولا خبر، سوي خبر بثلاثة تعريفة في الشريط أسفل الشاشة، ضمن حشد هائل من الأخبار، يقول ان النيابة تحقق مع هويدا طه، لكن هل هي مطلقة السراح ام قيد الحبس لم يقل الخبر شيئا. علي موقع (الجزيرة نت) كان الخبر موسعا، لكنه لا يخبر القارئ بوضع الزميلة في هذه اللحظة.في منتصف الليل بتوقيت القاهرة، جلست أمام الجزيرة اشاهد نشرة أخبارها التي تبث من استوديوهات القناة في المغرب، وهي بالتالي نشرة مملة للغاية، تعرض تقريرا مطولا عن قرية مات فيها عدد من الأطفال، الي غير هذه الأخبار التي تصلح للنشر في القناة الثامنة بالتلفزيون المصري والتي تبث من أدغال الصعيد. وبعد نصف ساعة اكتشفت انني اعذب نفسي، فأغلقت التلفزيون ونمت، فالصباح رباح.ربما كانت القناة القطرية لا تريد ان تضغط بالنشر، فالزميلة في الأسر، واي نشر مكثف من شأنه ان يستفز القوم، وبالتالي قد تحصل علي تأبيدة، لاسيما وان التهمة الموجهة لها، هي تعريض الامن القومي المصري للخطر.. يا واحد.في الصباح تم الإفراج عن المتهمة بكفالة عشرة آلاف جنيه، علي ذمة القضية، وبالتهمة سالفة الذكر، والتفاصيل أنها سجلت حلقات للجزيرة عن التعذيب في أقسام الشرطة، وقالت انها حصلت علي إذن مسبق من وزارة الداخلية، وواضح ان القوم أعطوها الإذن لكي (يلبدون) لها في حقول الذرة. وقالوا ان (الأشرطة) بها مشاهد عن التعذيب غير حقيقية، ورد حسين عبد الغني مدير مكتب القناة بالقاهرة، أنها مشاهد تمثيلية متعارف عليها عالميا، والدليل انه عندما اعد فيلما وثائقيا عن الإخوان المسلمين جاء بمن يقوم بدور حسن البنا.وفي الواقع فان الرأي في هذه القضية لم يحسم، فهناك من يرفضون ان تجمع الأفلام التسجيلية مثل هذه المشاهد التمثيلية، وهناك من يوافقون عليها، ومهما كان الموقف فلا يجوز ان يدان شاعر (حلمنتيشي) بتهمة زعزعة استقرار البلاد، لان السيد وزير الداخلية من أنصار الشعر العمودي.من الجرائم الخطيرة التي ارتكبتها صحافية (الجزيرة) ان (اللاب توب) الخاص بها فيه مواد تمثل خطورة علي الأمن العام، وقد قالت ان الدستور المصري هو الموضوع علي جهازها، ويبدو ان الدستور أصبح تهمة ربما لأنه توجد به مادة تقول بالإشراف القضائي علي الانتخابات، وهي المادة التي سيتم التهامها في التعديلات الدستورية التي تتم ونحن في ظل الفكر الجديد للحزب الحاكم.سعدت بما جري لهويدا طه، فقد جعلني أقف علي خطورة جهاز الكمبيوتر الخاص بي، فقمت من فوري بحذف كل المعلومات والمواد الصحافية المخزنة عليه بما في ذلك أرشيف مقالاتي، ووضعت صورة السيد جمال مبارك، حتي اذا جاءت (الطوبة في المعطوبة)، وتعرضت لعملية تفتيش مباغت لا يجدون بحوزتي سوي الحب العذري.فضائيات جديدة بعد توقف، سوف تشهد الساحة الإعلامية في مصر إطلاق فضائيتين الأولي مملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس، والثانية يرأس مجلس ادارتها رجل الأعمال أيضا والقيادي بحزب الوفد المعارض السيد البدوي. وكانت الساحة الإعلامية لم تشهد تأسيس قنوات تقول انها سوف تهتم بالشأن السياسي، بعد قناتي المحور ودريم، لان المناخ السياسي لم يكن يسمح بذلك، وان كان يسمح بإطلاق قنوات (الهشك بشك)، والمصطلح لفيصل القاسم.السلطة الحاكمة في مصر تبدو وكأنها قد رتبت الأوضاع علي الموجود في كل نواحي الحياة، ولا حاجة الي المزيد، ففي مجال التجربة الحزبية فان هناك (22) حزبا معارضا، كافية للمباهاة أمام الغرب، مع انه لا يستطيع انس ولا جان ان يتذكر أسماء سوي أربعة او خمسة منها علي الأكثر، لأن معظمها في الأصل هي أحزاب ورقية تمت الموافقة عليها لتقوم بدور المعارضة، اعتمادا علي سياسة العدد، مع ان العدد في الليمون.ومؤخرا استضاف مجدي مهنا في برنامجه علي قناة دريم، رئيس لجنة شؤون الأحزاب، وسأله: هل تعرف أسماء رؤساء هذه الأحزاب، فقال بثقة: طبعا اعرفهم فأنا أتعامل معهم باستمرار. ولو انتبه السائل، لوضع المسؤول في (حارة سد) لأنه ليس صحيحا ان مصر بها هذا العدد من الأحزاب، وليس صحيحا ان الرجل يتعامل مع (22) رئيسا، فلدينا قائمة بالأحزاب المجمدة بلغت ستة أحزاب (هذا ما استطعت حصره بمجهود فردي)، واعتقد ان جورج قرداحي لو استضاف أي مسؤول في البلاد، في برنامجه (من سيربح المليون)، وأراد ان يخرجه من أول سؤال، فعليه ان يسأله عن أسماء هذه الأحزاب او أسماء رؤسائها، وسوف يضمن ان ضيفه قبل ان يجيب إجابة خاطئة، استنفد كل وسائل المساعدة، بما فيها الاتصال بصديق، ولو كان الصديق هو رئيس اللجنة نفسه. القصد، فقد قيل ان رفض الأحزاب الاثني عشر مؤخرا، كان حجة القوم فيها، انهم يكتفون بهذا القدر الموجود، لأنه لم يعد بمقدورهم ترويض أحزاب جديدة. يبدو ان البلد داخلة في منعطف تاريخي مهم. ونفس الأمر بالنسبة للقنوات التلفزيونية البعيدة عن قنوات (الهشك بشك)، فقد اكتفوا بالمحور ودريم، باعتبار ان مالكاهما من رجال النظام في المنطقة، فضلا عن ان وجودهما يؤدي الغرض، المتمثل في السعي لدي أهل الحكم في البيت الأبيض للقول ان مصر بها إعلام مستقل. وعندما يتم السماح لقناتين احداهما مملوكة لمعارض، والثانية مملوكة لرجل أعمال، وان كان ليس معارضا للسلطة الا انه يقدم نفسه باعتباره مستقلا وصاحب وجهة نظر، وفي هذا الظرف التاريخي الدقيق الذي دفع القوم الي رفض الترخيص لإصدار صحيفة يومية تحمل اسم (البديل)، لمجرد ان رئيس تحريرها الدكتور محمد سيد سعيد ليس قريبا من آل البيت وليس عضوا في لجنة السياسات، فمن حقي ألا اهضم الموضوع بسهولة.ساويرس سيطلق علي قناته اسم شركته (اوراسكوم)، وهو اسم ليس عاطفيا، لكنه ربما أراد ان يقلد رجل الأعمال احمد بهجت الذي أطلق علي قناته اسم (دريم)، وهو الاسم الخاص بمدينة ألعاب يملكها، وربما لان كثرة المحطات التلفزيونية التهمت الأسماء العاطفية، (ومن سبق أكل النبق)، كما التهمت الأحزاب القائمة في مصر الأسماء التي لها بريق، الي درجة ان زميلنا هشام يونس الصحافي بالأهرام، عندما أطلع علي قائمة أسماء الأحزاب الجديدة قبل انعقاد المحكمة التي رفضت الجميع، فوجد أحزاب (الأمل) و(السلام الدولي) و(النهضة) و(الحرية)، تساءل (مال) هذه الاحزاب أسماؤها أسماء لاحياء ومستشفيات؟!السيد البدوي قال لي ان اسم قناته هو (الحياة)، وقلت له: ولكنه اسم لقناة مسيحية قائمة تهاجم الإسلام والمسلمين. فعلق: لقد اكتشفنا ذلك ونحن الآن نسعي الي تغيير (الاسم) ولم يتم العثور علي اسم جديد. وقال انه يتفاوض مع إعلامي كبير، يقدم برنامجا مشهورا في قناة خليجية، من اجل ان يرأس القناة، وان اسمه سيكون مفاجأة. ولم يبق إلا ان يقول ان الحرف الأول من اسمه هو (حمدي قنديل).وفي تقديري لو ان هذا حدث فسوف تكون قناة (الحياة) سابقا تسير في الاتجاه الصحيح، لكن برأيي ان البدوي متفائل اكثر من اللازم، فقنديل كان يقدم برنامجا في تلفزيون الريادة الإعلامية فلم يطق القوم هامش الحرية فيه، وتم وقف البرنامج، وطرد صاحبه من الرحمة، فهل يقبل القوم ونحن في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الأمة ان يتقبلوا وجود حمدي قنديل علي رأس قناة تلفزيونية من بابها، وليس مجرد مقدم برنامج؟! عموما، أتمني ان تأتي قناة (اوراسكوم) ـ مع عدم جاذبية اسمها ـ وقناة (الحياة) سابقا، بالريادة الإعلامية التي هجرتنا. من يدري؟! ارض ـ جوبعد ان شاهدت قناة النيل للأخبار بعد التطويرات التي صدعوا بها رؤوسنا تذكرت المثل المصري القائل: (ياما جاب الغراب لامه).كاتب وصحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية