حين دفعت المدينة ثمن الحداثة المتقطعة!

حجم الخط
0

حين دفعت المدينة ثمن الحداثة المتقطعة!

تاريخ بيروت لسمير قصير في ندوة جمعت مثقفين متنوعين:حين دفعت المدينة ثمن الحداثة المتقطعة!بيروت ـ القدس العربي ـ من ناظم السيد: نظّمت مؤسسة قصير ومكتبة البرج ندوة حول كتاب تاريخ بيروت للصحافي سمير قصير، أحد الذين طاولتهم الاغتيالات السياسية في لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وكان الكتاب الذي نشر عام 2003 بالفرنسية، ترجمته ماري طوق الي العربية وصدر عن دار النهار. الندوة التي قدّمها الروائي إلياس خوري، شارك فيها كل من عاصم سلام، كارلا إدة والشاعرين عقل العويط وعباس بيضون. المنتدون قدّموا كلماتهم التي تنوّعت، تفصلهم أمتار قليلة عن ساحة الحرية حيث نصب متظاهرو المعارضة اللبنانية خيمهم العديدة منذ أكثر من شهر.في قاعة صغيرة امتلأت بالحاضرين الذين اضطروا الي الوقوف، أقيمت الندوة. وقد حضرها اضافة الي أرملة الشهيد قصير، الإعلامية جيزيل وزوجة النائب وليد جنبلاط نورا جنبلاط، عددٌ من المثقفين من شعراء وصحافيين أمثال شوقي بزيع، محمد علي فرحات، يحيي جابر، جمانة حداد، إضافة الي النائب السابق حبيب صادق (رئيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي)، الكاتبة مي منسي، الكاتب الصحافي محمد علي الأتاسي، المحلل السياسي طوني فرنسيس والدكتور ماهر جرّار وآخرين. بداية تحدّث عاصم سلام عارضاً للعاصمة حياتها وحياة أبنائها في فترة الحرب الأهلية حين تم تقسيمها الي عاصمتين: بيروت الغربية وبيروت الشرقية، قبل أن يختم بالحديث عن إعادة الإعمار، ولا سيما وسط المدينة الذي بات يُدعي بعد إعادة الإعمار هذه الداون تاون ، معتبراً أن هذا الوسط الجديد يحتاج الي انخراط في النسيج الاجتماعي. في كل حال، لم تتطرق الكلمة الارتجالية للكتاب بقدر ما تطرقت للمؤلف.المؤرّخ يرويالشاعر عقل العويط قدّم مداخلة بعنوان كاهن بيروت ، ركّز فيها علي الدورين اللذين لعبهما المؤلف في الكتاب: المؤرخ والروائي. أو لنقل إنه المؤرخ بلغة روائية وتفصيلات روائية. وهذان الدوران غالباً ما اختلطا في الكتاب. لكن هذه النقطة بالذات، التاريخ والرواية، كانت ميزة الكتاب ومحل المديح بحسب ما أرادت إيصاله كلمة عقل العويط: تأريخ المدن، كما التأريخ مطلقاً، ومعه التأريخ المجتمعي والاجتماعي، ليس ثبتاً لوقائع وحوادث فحسب، إنما هو استدراج للتأويل التأريخي، البشري والمدني والأهلي والفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي. وهذا عين ما يفعله سمير قصير في تاريخ بيروت . شيء من هذا الكتاب، يجمع بين التاريخ والرواية، بين المؤرخ الأكاديمي والروائي الخلاق، يفتح الباب علي نوع ثالث، هو ذاك وهاتيك، هذا وهذا، معاً وفي آن واحد. حتي لتأخذني المقاربة الثقافية والنقدية المفتوحة، في بعض لحظة، الي القول بأن تاريخ بيروت هو رواية الحاضر بقلم روائي، بقدر ما هو تاريخ الماضي بقلم مؤرّخ .من الحديث عن الكتاب الي الحديث عن الكاتب، انتقل العويط مقدّماً سمير قصير، هو الذي عرفه عن قرب، وكلاهما ابن النهار بما يعني هذا النسب من ميل لبناني وتمسك بالعروبة ونضال في سبيل الحريات علي أنواعها: أكاديمي وباحث وناظر وطالب معرفة، وهو مثقف وخلاق وكاتب ومؤوّل وناقد، وهو أيضاً رؤيوي وحالم. وهو أيضاً قلم نزق وفتنة. وهو كبيروت هذه نفسها، كوزموبوليتي، متعدد ومتنوع ومنفتح، لبناني مشرقي عربي إنساني، ومقيم أمام هذا البحر، ووراءه هذا الجبل، بالطبع وبالتاريخ والجغرافيا وواقع الحال .وتابع العويط مقدّماً صورة عن المثقف الحديث، أي سمير قصير: هذا المثقف الحديث لم يعد في إمكانه، علي قول ألان تورين، أن يكون الشخص الذي ينظّم المطلق تنظيماً تقنياً، متحدثاً باسم سرٍّ مفارق، هو نظام الآلهة، والأفكار، والتاريخ. ذلك أن المثقف الحديث هذا، يجرفه النظام الاجتماعي، أي سرُّه، وهذا يتطلب معارف، ويتطلب خصوصاً الأدلة والبراهين. وهي هنا كثيفة وعالية الشأن ومرهوبة الجانب، وتنطبق تماماً علي حال هذا الكتاب، وعلي حال واضعه، وتفتح باب هذا النوع من التأريخ علي التأويل. لا يقتصر هذا الوصف علي صورة سمير قصير كمؤرخ مثقف، أو كمتفحّص للناس والحوادث وسياقاتها، أو كناظر في أحوال الثقافة البيروتية، أو كمنقب في بعض الجوانب الإبداعية. هذا الوصف يطاول المفهوم، والكتاب برمته، حتي تلك الجوانب التي تأخذ بالمعيار التأريخي نفسه بالذات، أو تتعاطي شؤون البشر والشجن المجتمعي أو سلّم السياسة البحتة . وأضاف العويط متحدثاً عن الطريقة التي قارب بها الشهيد قصير التاريخ والمدينة: هذه الأفكار والأزمنة المؤرخة، التي يدرجها سمير قصير في كتابه عن بيروت، أكانت جوهرية في الغالب أم أولية ونافلة حيناً، متكاملة أم ناقصة، مقتصدة أم مستفيضة، هي التي تدعونا الي أن نحتفي بقراءة كتابه، وتدوين اسمه في سياق التراكم التاريخي الخلاق الذي يجعل من بيروت مدينة كوزموبوليتية حديثة، تصنع تجددها علي الدوام، وتكون غير قابلة للموت. شأن لبنان. هذه سمة من سمات الحداثة البيروتية واللبنانية المتواصلة، ومن سمات كهنتها والمجدّفين، والتي أخذت بتلابيب سمير قصير، حتي ليصحَّ بي أن أضعه، هو خصوصاً، والآن، في خانة هؤلاء الذين يواصلون فكرة هذه المدينة، وتأجيجها، كمكان اختباري، حر، متنوع، قلق، ناقد، ناقض، توّاق، شغوف، ناقص، وباحث عن الازدياد بالآخر، حيث الأشياء النافلة والأولية فيه، تتحول وتتخالط، بل تشرب سموم المكان الكيميائية الخلاقة، لتولد منها أشياء غير نافلة وغير أولية، تتيح للتاريخ أن يصير رواية، وللمؤرخ أن يصير روائياً، أي شخصاً خلاقاً .وإذ اعتبر العويط أن قصير جعل التاريخ إنسانياً وشخصياً، ومستمراً في الحاضر ، أكدَّ أن الخروج بالتاريخ الي الحاضر، فعل دقيق ومحفوف بالرؤي والمنزلقات والغوايات، لكنه خروج الي الحداثة، بما هي فعل غير منغلق، ما دام يتحقق الآن، لكن بالتاريخ نفسه .كارلا إدة بدورها قدّمت مداخلة استهلتها بتعداد بعض الهفوات البسيطة في الكتاب من مثل أن أيوب ثابت بروتستانتي وليس مارونياً، أو القفز علي بعض المفاصل التاريخية مثل علاقة المدينة بالأمراء الشهابيين والمعنيين. وإذ وجدت إدة أن الكتاب ذهب الي أن ما صنع بيروت هو عروبتها أكثر من كل هوياتها الأخري، دعت الي إيلاء الجانب اللبناني أهمية أكثر في صناعة بيروت. بعد هذا التقديم السريع والعرضي في المداخلة، انتقلت الي عرض الكتاب بفصوله التي تؤرخ للمدينة منذ زمن إبراهيم باشا الي ما بعد الحرب الأهلية، أي زمن السلم وإعادة الإعمار التي تعرّضت للنقد من كثيرين بالطريقة التي تمت بها، ولا سيما إعادة إعمار الوسط التجاري الذي بات يدعي الداون تاون كما أسلفت. تأريخ لم يطل السياسة بقدر ما فصّل ما تحت السياسي، هناك حيث يتحرك الناس باجتماعهم وطرق عيشهم وعلاقاتهم وتجاراتهم وموارد رزقهم. وقد طاول التقسيم بيروت التجارة ومراكز القناصل والإرساليات، مروراً بـ عهد الانتداب ، وصولاً الي الخمسينات والستينات، زمن الحداثة من مجلة شعر ومنشورات نزار قباني (في بيروت) ومحمود درويش وتظاهرات الشارع العروبي والودائع الخليجية ومرفأ بيروت الذي ساهم في ازدهار العاصمة بعد إغلاق مرفأ حيفا إثر هزيمة 1948، الي بيروت الحرب الأهلية وانتهاء بالسلم الأهلي.نموذج بيروت وعجز الوطنالشاعر عباس بيضون كان آخر المتكلمين. كلمة أضاءت الكتاب ومارست فعلها النقدي تجاه تاريخ المدينة والبلد عموماً. البداية كانت خاصة: حين وصلني (تاريخ بيروت) في أصله الفرنسي أجّلته. قلت هذا كاتب شاب ويستطيع أن ينتظر. ما كان في ظني أنه كتاب الوداع ولا خطر لي أني بعد وقت سأنظر إليه بتهيب كما لو كان مدفناً رمزياً .بعد هذا انتقل بيضون الي الحديث عن الكتاب ومؤلفه بموازاة الحديث عن تاريخ اللبنانيين: يخيّل إليَّ أن سمير في كل هذه التواريخ التي كتبها كان يؤرّخ لنفسه أولاً. إنها مهابطه وسيَر ما قبل ولادته التي جعلته يتوسع في تاريخ فلسطين ولبنان…. فالكتابة بما في ذلك التواريخ هي اصطدام جسدي عقلي روحي. بيروت وهي تتكون اقتصادياً وثقافياً وعمرانياً هي جسد سمير التاريخي والثقافي الكبير وهو يجد فيها حفريات حياته وثقافته وشخصيته. ولنقل إنه يجد فيها علي نحو ما روايته العامة .وتابع بيضون موسّعاً النقاش: تاريخ بيروت تاريخ حديث للغاية وليس تأريخاً فحسب كما هو أغلب تواريخنا، أي انه ليس سجل وفيات للواقع بقدر ما هو تمثّل وتشخيص له في طبقاته المتراكبة الموصولة، وإذا كنا نقرأ هنا تطور العمران والمعاش والحياة اليومية فإننا حيال تاريخ نادر في كتابتنا. سمير تنكب الصعب كما يقال. لقد دخل الي التاريخ من حيث لا نكاد نجد تاريخاً، ودبّج 600 صفحة تقريباً من تفاصيل لا نتعجب من أنه وجدها فحسب ولكن من كونه رتبها وفرشها حجراً حجراً علي فسيفساء شاسعة… إذ قبل المؤلف وقليل سواه ما كنا نأخذ الفكرة بجد. ولسنا نسيء الي أحد إذا قلنا إن تاريخنا السياسي جزء من فولكلورنا أكثر مما هو جزء من علومنا. إنه كما يبدو لغير المختصين مثلي، مكتوب بحبر العصبيات الخاصة والعامة والذاكرة الشعبية والأسطرة الساذجة. لعلها مسألة أيديولوجية أن لا نصدّق تاريخنا أو لا ندخله في منظوراتنا. نترفه بقراءته وروايته ولا نقيم بيننا وبينه أي اتصال… لا يتكلم تاريخ بيروت عن ولاة ومقاطعجية ومشايخ صاروا في وهمنا سلاطين وصنّاع تاريخ بل يتكلم عن التاريخ الحي وأهله الحقيقيين. ولنقل إن من عماوتنا الإيديولوجية أننا لا نصدّق أن لنا تاريخاً ونؤثر عليه أن نكون سقطنا من كُم أسطورة ما أو مبدأ أعلي أو جوهر أو معجزة. أما تاريخ سمير قصير فلا يمكننا إنكاره ما دام ماثلاً في لباسنا وطعامنا ويومياتنا ومعاشنا .من جهة أخري ذهب بيضون الي أن كتاب قصير يجعل بيروت رأس حربة الحداثة في المنطقة، لكنها حداثة تقابلها انتكاسات وردات كثيرة غفل عنها الكتاب: تاريخ بيروت هو تاريخ هذا التحديث وهو مرافعة عن المثل التحديثي في الشرق كله. شغف سمير قصير يغلبه هنا فهو يقدّم بيروت أمثولة للعالم العربي ولبلدان الشرق، لكن النموذج التحديثي متفاوت، والبقاء عنده جعل في الغالب الجانب المقابل من الحياة البيروتية في الظل، مع ذلك فإن تاريخ بيروت هو تاريخ التشابك والتفاعل والمحاكاة، وهذه تعني أن بيروت علي هذا المستوي قادرة علي أن تقدّم تاريخاً وتقدّم نموذجاً وتقدّم تجربة جامعة. ما يبدو أن الوطن إذا تكلمنا في السياسة عاجز عن تقديمه .ويكمل بيضون: شاء سمير أن تكون الحداثة هوية بيروت وربما هوية لبنان. إذ قال سمير إن الطائفية كما هي اليوم ضريبة الحداثة، فإنه يعلم أن للحداثة ضرائب أخري لا نتوقف عن دفعها… لا يزال الدفاع عن الحداثة أوجب من نقدها عند سمير قصير. لعله هنا يظهر عن طبعه النضالي. لكن حسه التراجيدي مع ذلك كبير، فهو مثلما تعجب في تأملاته عن الشقاء العربي من أعجوبة انقلاب كل ما هو إيجابي وبنّاء في تجارب الشعوب، سلباً ووبالاً علينا، لا يأمن في خاتمة كتابه من أن تنقلب بسمة بيروت الي شقاء .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية