كيف نخرج الاغنية المحلية السورية من أزمتها؟

حجم الخط
0

كيف نخرج الاغنية المحلية السورية من أزمتها؟

المشكلة ليست في العناصر الفنية ولكن في التسويق:كيف نخرج الاغنية المحلية السورية من أزمتها؟دمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: قد لا يختلف اثنان حول تردي الأغنية السورية، والتي باتت بلا لون ولا طعم ولا رائحة ـ ان صح التعبير ـ حتي أن أي مستمع للأغنية العربية يمكنه الحديث عن أغنية لبنانية أو مصرية، عن أغنية عراقية أو خليجية، عن أغنية تونسية أو جزائرية… لكنه بالتأكيد لن يستطيع الحديث عن أغنية سورية، فلماذا؟ اذا اعتبرنا أن مكونات الأغنية هي الكلمات واللحن ثم الصوت والأداء، فسوف نكتشف أن هذه العناصر الأولية متوفرة في الساحة السورية، بل أن الكثير من المطربين العرب يتكئون علي كلمات سورية، لعل أشهرها قصائد الشاعر نزار قباني، وبعضهم يتكيء أو يشدو بألحان سورية، وحتي في مجال الصوت والأداء فاننا لا نعدم كوكبة من الأصوات الجميلة والمهمة في مجالها، وقد اشتهرت خارج سورية، فخيري حمام معروف في تونس مثلا أضعاف ما هو معروف في سورية. وحتي لو أضفنا الي لعبة الانتاج في السنوات الأخيرة، اضافة للعناصر السابقة، عنصر التصوير أو ما يسمي الفيديو كليب، سنكتشف أنها لعبة متاحة للجميع، بل سوف نكتشف أن بعض المطربين العرب يلجأون للتصوير في سورية أو عبر شركات سورية لخفض تكاليف الانتاج، وبعضهم يذهب بها الي فرنسا أو هونولولو، لا بأس ما دام هذا العنصر لن يغير من هوية الأغنية. وما دمنا ننفي وجود أزمة في العناصر الأولية لانتاج الأغنية السورية، فان هذا يفترض الانتقال لقراءة تلك الأزمة ضمن مزدوجة العلاقة ما بين الانتاج والتوزيع حيث تكمن معادلة صناعة النجوم، وهي معادلة التسويق التي تتحكم بأي سلعة مادية أو ثقافية في هذا الزمن الذي يجري فيه تسليع كل شيء في حياتنا. وأسجل بشيء من التقدير ـ للسيد حليمة ـ اعترافه بأهمية موضوع الأغنية المحلية، في سياق حديثه عن تطوير الأعلام السوري، صحيفة تشرين 11/12/2006، ووعده بايلاء كل عناية واهتمام، كما وعد ببحث جوانب الأزمة التي تعاني منها تلك الأغنية، وصولاً علي وضع الحلول المناسبة والملائمة لها، مكتفياً مبدئياً باستعادة برنامج ليالي التلفزيون بشكل شهري.ونحن انطلاقاً من التسليم بجدية هواجس السيد حليمة لتطوير الاعلام ودعم الأغنية المحلية، نقول كمساهمة في حوار يهدف لاخراج زير الأغنية السورية من بئر أزمتها العميق، أنها تحتاج الي ما هو أكثر من برنامج شهري أو حتي أسبوعي، تحتاج الي اعادة النظر بوظيفة الاعلام ومسؤوليته عن تطوير الأغنية السورية، متذكرين أن الاذاعة السورية كانت سباقة في النصف الأول من القرن الماضي لاطلاق العديد من الأصوات الجميلة علي مستوي المنطقة العربية، لعل أهمها فيروز مثلاً، فلماذا تبدو هذه الاذاعة الآن وتوأمها التلفزيون السوري عاجزان عن اطلاق أصوات جديدة؟ ہ ہ ہلنعترف بأن آليات الانتاج قد تطورت عما كانت عليه قبل نصف قرن من الزمان، ولنعترف بأن آليات التوزيع أيضاً قد تطورت في العقود الأخيرة، لكن الأهم من كل ذلك يكمن في الرؤية العامة لموضوع الأغنية والدراما والثقافة ككل، وأقصد الرؤية السياسية، بحيث نلحظ أن تأثير هذه الرؤية في تطوير الدراما السورية كان واضحاً علي حساب كثير من المسائل كالمسرح وسواه، وحتي في حقل الأغنية، نجد تشجيعاً للون من الأغنية السورية الهابطة علي حساب ألوان أجمل وأرقي من الأغاني، وهذا يحيل الموضوع برمته الي الهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون التي تتبوأون ادارتها، باعتبارها الجهة المعنية برسم تلك الرؤية العامة نظرياً، ومعنية بتنفيذها عملياً. لذلك نقول أن هذه الاذاعة ببرامجها المتنوعة والتلفزيون السوري بفضائيته وأرضيتيه الأولي والثانية، تغرقنا كمستمعين وكمشاهدين بسيول كثيفة من الأغاني التي لا تليق بالاذاعة والتلفزيون السوري، ولا تليق أيضاً بالمستمع أو المشاهد السوري والعربي الذي نتوجه اليه. ولنعترف أنه رغم الانتشار الهائل في أشرطة الكاسيت وتسجيلات الـ(CD)، الا أن التلفزيون هو العامل الأساسي في نشر وتسويق الأغنية، وفي صناعة الدعاية والاعلان لها بما يكفل صناعة وتسويق نجوم الغناء لدينا. ولن تستطيع أقوي شركات الانتاج الفني في العالم تسويق أغنية أو صوت دون البث الاذاعي والتلفزيوني والاعلان لها أيضاً. وهذا يعيدنا الي مهرجان الأغنية السورية الذي يصرف عليه ملايين الليرات السورية، دون أن يقدم في دوراته الـ(11) المنصرمة صوتاً واحداً يستطيع أن يحجز لنفسه مساحة في عالم الغناء، بل نشاهد الآن في سورية أن بعض الأسماء المحلية التي فشلت في الوصول الي اللقب الأخير ضمن برنامج (سوبر ستار) أو أشباهه علي الفضائيات العربية، بدأت تكتشف مستمعين لها ومتابعين كشادي أسود أو شهد برمدا وسواهما. فيما الدورة الأخيرة من مهرجان الأغنية السورية والتي أحيلت الي التلفزيون السوري، لم تترك أي صدي حتي تاريخه، رغم وجود السيد حليمة كمدير لهيئة الاذاعة والتلفزيون عضواً في اللجنة المشرفة علي ذاك المهرجان.من جهتنا لا ندعي امتلاك وصفة سحرية لحل الأزمة، لكن يمكن لنا كمساهمة في الحوار أن نسجل بعض الملاحظات: 1 ـ يبقي التلفزيون لدينا هو الجهة الانتاجية الأساسية، دون أن يعني ذلك الغاء للقطاع الخاص أو للشركات الخاصة، فكما يحرص التلفزيون علي انتاج دراما منافسة لانتاج الشركات الخاصة، عليه أن يحرص علي انتاج أغان منافسة أيضاً، وأن لا يقتصر نشاطه علي تسجيلات الأغاني الوطنية أو الشعبية، خاصة تلك التي لا تتمتع بقدرة تنافسية أو بسوية فنية لائقة. 2 ـ المسألة الأخري المهمة، هي وجود كم من الأصوات المتميزة في سورية، من خريجي المعهد العالي للموسيقي، اختصاص غناء، أو من خارج المعهد، بعضهم حاصل علي جوائز عالمية أو تصنيفات متقدمة دولياً وعربياً في هذا الحقل، نذكر منهم علي سبيل المثال: لينا شاماميان، لبانة قنطار، ليندا بيطار، وعد بوحسون، سيلفي سليمان، ميرنا قسيس، شمس اسماعيل…. وما لا يقل عنهنّ من الأصوات الذكورية الشابة، لكننا لا نلتقي بهم الا في حفلات خاصة جداً ضمن المركز الثقافي الفرنسي أو في دار الأوبرا أحياناً. فأين التلفزيون السوري من هذه الأسماء؟ لماذا لا يجري الاهتمام بها وتسويقها محلياً وعربياً؟ لماذا لا ننتج أغاني لهذه الطاقات الصوتية المثقفة والأكاديمية؟ لماذا لا يبث التلفزيون السوري ـ بشكل دوري أو متقطع ـ الحفلات التي سجلت لأصحاب هذه الأصوات؟وأخيراً لماذا نصرف الملايين علي مهرجان الأغنية السورية علي أمل أن نكتشف صوتاً جميلاً، ونتجاهل تلك الأصوات المتميزة؟ 3 ـ كذلك لدينا أصوات مهمة ومطربون كبار يجري تجاهلهم من قبل التلفزيون السوري، فكم مرة في الشهر نستمتع بصوت صباح فخري مثلا؟ ومن من طلاب الجامعة يميز مثلاً بين شادي جميل وخيري حمام؟ ولماذا تحتفي دار الأوبرا المصرية بالفنان الكبير صفوان بهلوان بينما لم يظهر علي الشاشة السورية منذ سنوات طويلة؟ ولماذا يتجاهل التلفزيون السوري رحيل شيخ المطربين العرب صبري مدلل منذ أشهر؟ ولماذا تجاهل الاعلام السوري رحيل مطربة مهمة بقامة ربا الجمال، ويصّر علي عدم تقديم أغانيها أو حفلاتها؟ 4 ـ في سورية اضافة لكل ذلك، عدد من الفرق الفنية الهامة لا نسمع بها الا في حفلات خاصة جداً، كفرقة قدري دلال في حلب، أو فرقة شيوخ سلاطين الطرب، وهي فرق لها حضور متميز علي صعيد معهد العالم العربي في باريس، أو في دول المغرب العربي، ولها تسجيلات في التلفزيون السوري، لكنها موجودة للحفظ في الأرشيف علي ما اعتقد، وليس للاستفادة منها كثروة وطنية، ومن من المشاهدين يعرف فرقة قوس قزح ؟ ومن منهم يميّز ما قدمته من تلوينات علي الأغاني الأصيلة وبتوزيع موسيقي رائع؟ ومن منا يعرف تلك المنوعات الخفيفة التي شكلت علامة فارقة وجيدة في امكانية التعامل مع هذا اللون الغنائي؟ ولماذا لا تقدم في برامج المنوعات التي يحفل التلفزيون السوري بها؟ 5 ـ المشكلة اذاًَ ليست في الأغنية السورية، بل في تسويق الأغنية السورية، وهذه مهمة التلفزيون السوري أولاً وأخيراً، ونحن نقترح في هذا الصدد اعادة النظر أولاً بسوية الأغاني المنتجة في التلفزيون، لصالح أصوات متميزة اشرنا لبعضها. ونقترح ثانياً اعادة النظر ببرامج المنوعات مع التركيز علي الأغنية السورية الراقية والمتميزة، واعادة تقديم التسجيلات والحفلات المصورة لصالح التلفزيون بشكل دوري، ضمن هذه البرامج، وكفواصل غنائية فيما بين البرامج. الاقتراح الأخير في وضع خطة لتسويق هذه الأغاني، ليس عبر الشاشة السورية فقط. بل عبر الفضائيات العربية، ضمن خطة لتبادل التسجيلات والأغاني، وكلي ثقة أن الأغنية السورية قادرة علي أن تنافس عربيا، وأن تصنع تميزها ونجاحها في حال توفر الدعم والرعاية الذين تستحقهما. 2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية