الحرب وتكرار الحرب
الياس خوريالحرب وتكرار الحربفي لبنان وفلسطين، يأتي التكرار كي يملأ الفراغ الذي تركته الحركة الوطنية في البلدين، حاملا معه جميع العناصر الماضوية، بعد ان تم الباسها ثياباً جديدة، اتخذت السمة الاصولية.خطأ الحركة الوطنية اللبنانية المميت، انها سقطت تدريجياً في اسار اللغة الطائفية، ولم تعِ ان معركتها الوطنية والديمقراطية، لا تستطيع النجاح من دون خلق مناخ تغييري ملائم في المحيط العربي، وخصوصا في سورية.اما خطأ الحركة الوطنية الفلسطينية، فيكمن في عدم قدرتها علي المواءمة بين مشروعي السلطة والتحرير، فالتبس بنيانها، قبل ان تتهاوي في الفساد والافساد الذي ضرب السلطة والبني الاجتماعية، وطاول شرائح المثقفين التي حولت معارضتها الي لعبة المؤسسات غير الحكومية، وسقطت في وهم العولمة. وحين اتت ساعة الحسم في انتفاضة الأقصي، طفت الحقيقة علي السطح، ووجد ياسر عرفات نفسه وحيداً ومحاصراً بالسمّ الاسرائيلي.ما نشهده اليوم، لا يختلف كثيرا عن ما شهدناه في الأمس القريب، حزب الله في لبنان، يكرر اخطاء الحركة الوطنية، وحماس في فلسطين، تكرر اخطاء فتح، الي درجة صار التكرار مملاً، وافقد اللغة السياسية قدرتها علي استنباط المعاني.في لبنان، يجد حزب الله نفسه اسير بنيته وتحالفاته. فهو حزب ديني ـ سياسي، يجد مراجعه الايديولوجية في الثورة الايرانية، وهو حليف للنظام السوري. المبني الايديولوجي لحزب الله، وضعه منذ البداية في اطار مقفل، صحيح ان المساعدات المالية الايرانية سمحت له ببناء شبكات امن اجتماعي وتربوي، كما اهلته ليلعب دورا عسكرياً متميزا في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، لكنها اقفلت عليه امكانية استقطاب ابناء الطوائف التي لا تنتمي الي الطائفة الشيعية. كما ان تحالفه مع النظام السوري تأسس بعد معركة دموية في الجنوب مع حركة امل، وبعد مجزرة ثكنة فتح الله التي ارتكبها الجيش السوري ضد عناصره في بيروت.لم تجد المقاومة الاسلامية في لبنان لنفسها حيزا خارج التحالف الاقليمي السوري الايراني، اي انها قلبت تجربة الحركة الوطنية، او ورثت مرحلتها الأكثر سواداً، اي مرحلة تحالفها القسري مع النظام الذي قام باغتيال قائدها التاريخي كمال جنبلاط. ثم قامت بالتعاون مع المخابرات السورية، بتصفية المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي التي قادها الشيوعيون والعلمانيون.نجح حزب الله في طرد الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان، لكن تحالفه الاقليمي منعه من تحقيق النصر، لأنه حّول مزارع شبعا التي احتلت عام 1967، والتي كان يسيطر عليها الجيش السوري انذاك، الي عقدة لا حلّ لها. كما ان صموده البطولي في حرب تموز، لم يستطع ترجمته سياسياً، لأن تحالفه مع النظام السوري، وضعه خارج مشروع الاستقلال الثاني، وقاده الي رفض انشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، كما ان بنيته الدينية حولته الي قوة طائفية تخيف الطوائف الأخري وتستنفر عصبياتها.اما حركة حماس، التي التحقت بالمقاومة الفلسطينية في وقت متأخر، والتي بنت شبكتها الاجتماعية في الضفة وغزة بمساعدة المال النفطي العربي قبل ان يدخل المال الايراني علي الخط، فهي في تجربتها الحكومية، لا تفعل شيئاً سوي تكرار تجربة فتح. اي انها عجزت عن بناء افق يجمع المقاومة والسلطة من جهة، كما انها تريد ان تجبّ تجربة منظمة التحرير كي تكررها، ولا تذكّر تصريحات خالد مشعل حول الأمر الواقع الاسرائيلي، سوي بالتصريحات التي مهد بها ياسر عرفات للاعتراف باسرائيل تمهيدا لأوسلو، مع الفارق النوعي بين قيادة تاريخية مثلها عرفات، وقيادة جديدة علي العمل الوطني يمثلها مشعل.هذا الواقع التكراري، ليس ناجما فقط عن ازمة الحركتين الوطنيتين في لبنان وفلسطين، بل هو جزء من فقدان النصاب السياسي والفكري في المشرق العربي بعد غزو العراق. غير ان هذا لا يعفي القوي السياسية الصاعدة في البلدين، اي القوي الاسلامية، من مسؤوليتها عن تدهور خطير في البلدين وضعهما علي شفير الحرب الأهلية.صحيح ان الخطاب المهيمن في فلسطين ولبنان اليوم، هو خطاب حرب اهلية مضمرة، او هي في طريق الاعداد، لكن الصحيح ايضا ان القوي الاسلامية في البلدين تعلم ان الحرب الأهلية، لن تدمر البلدين فقط، بل ستقضي علي المقاومة الاسلامية فيهما.وجد حزب الله نفسه، نتيجة خطأ مميت في الحسابات السياسية، حليفا لبقايا المخابرات السورية في لبنان، اما حلفه مع العونيين فلم يشفع له، نتيجة تقلب الجنرال عون، وهوسه الرئاسي الذي جعله ينسخ تاريخه كله. كما وجد نفسه، امام احتمال حرب اهلية سنية شيعية، سوف تدمر تراثه المقاوم، وتقضي عليه سياسيا.اما حماس، فرغم اختلاف وضعها الاجتماعي، فهي امام عزلة تكبر يوميا، وامام انسداد سياسي واقتصادي، سوف يجعل من اللجوء الي الحرب الأهلية نهايتها الكاملة.الحرب الأهلية قد لا تقع نتيجة هذه الاعتبارات، لكنها وقعت في المجال اللغوي والتعبوي، وخلقت مناخا تكرارياً مملاً.انه الملل، هذا هو حصاد التكرار، ملل يجعل من السياسة لعبة لم يعد المواطن قادرا علي التجاوب مع قواعدها المكررة.وهنا تقع الأزمة. انها ليست ازمة الاسلاميين الذين يحاولون وراثة الحركة الوطنية فقط، بل هي ازمة الحركة الوطنية العلمانية، الغارقة في سبات فكري وسياسي، والعاجزة عن تملّك لغتها من جديد.وفي هذا الانتظار يتكرر التاريخ.لم يكن ماركس محقا حين بسّط امر التاريخ في معادلة انه لا يتكرر سوي مرتين، الأولي كتراجيديا والثانية كمسخرة. فالتاريخ قد يتكرر عشرات المرات، وقد يكون مأسويا في كل تكراراته.0