بريطانيا والسعودية: تجليات خطيرة لصراع المصالح والمبادئ

حجم الخط
0

بريطانيا والسعودية: تجليات خطيرة لصراع المصالح والمبادئ

د. سعيد الشهابيبريطانيا والسعودية: تجليات خطيرة لصراع المصالح والمبادئالصراع بين المصالح والمبادئ ظاهرة مألوفة في عالم السياسة تتجلي بشكل واضح في المواقف السياسية والتحالفات والصفقات العسكرية. الانظمة الاستبدادية تسعي لتحدي عقول الناس ومشاعرهم بمحاولة التلاعب بالقيم والمفاهيم والمثل، لانها لا تخشي من ردود فعل عاصفة طالما كانت تمتلك خيار القمع غير المحدود. اما الانظمة الديمقراطية فقد لا تسعي لتغيير المبادئ والقيم، ولكنها تمتلك من الأدوات القانونية المتمثلة بالقوانين والصلاحيات الاستثنائية ما يجعلها قادرة علي تجاوز تداعيات التضارب بين المصالح والمبادئ. فمثلا أثبتت الولايات المتحدة الامريكية قدرتها علي عدم التمسك بمبادئ انسانية ثابته (من خلال اعتداءاتها المتكررة علي الدول الاخري وانتهاكاتها المتواصلة لحقوق الانسان في غوانتنامو وابوغريب والمعتقلات السرية خارج حدودها وسياسة رينديشين التي تسمح بنقل السجناء من سجن سري لآخر). ولكن الحكومة البريطانية لا تقل انتهاكا للمبادئ والقيم. وما يجري هذه الايام من سجال حول صفقات السلاح العملاقة بين بريطانيا والمملكة العربية السعودية أظهر الي العلن معلومات مهمة حول اساليب التعاطي مع الفساد المالي والاداري الذي يمارس من اجل الفوز بتلك الصفقات. السجال المذكور ما يزال مطروحا في الاعلام البريطاني، ولكن لا أثر له داخل المملكة العربية السعودية لانه شأن يخص الأمراء وحدهم، ويعتبر من المحرمات التي لا يجوز لأحد التعاطي معها من قريب او بعيد. وهنا يمكن طرح عدد من الاسئلة المشروعة: ما هي حدود التمسك بالقيم والمبادئ؟ وهل هناك خطوط حمراء لدي الساسة عندما يناقشون المصالح الاقتصادية لبلدانهم؟ هل هناك رشوات مشروعة وأخري ممنوعة؟ وما مدي قوة الآليات التي توضع لمحاربة الرشوة والفساد حتي في المجتمعات الديمقراطية التي يفترض ان يكون القانون حاكما فيها؟ثلاث قضايا متداخلة شكلت محور السجال المذكور في الاعلام البريطاني، وهو سجال يعكس صراعا بين أصحاب القيم من نشطاء حقوق الانسان، والسياسيين الذين يتنازلون، طوعا او مكرهين، عن المبادئ بحجة حماية مصالح بلدانهم حتي لو كان كان ذلك متناقضا مع قيم الدولة والمجتمع. صفقتا سلاح عملاقتان يفصل بينهما عشرون عاما، وقضية سجناء بريطانيين لدي السعودية في ما بينهما. ما علاقة هذه القضايا الثلاث ببعضها؟ وما هي أوجه الصراع بين المبادئ والمصالح ازاءها؟ الصفقة الاولي عقدت في منتصف الثمانينات بين الحكومتين البريطانية والسعودية، بلغت قيمتها الاجمالية اكثر من 70 مليار دولار. الصفقة عقدت في ذروة الحرب العراقية ـ الايرانية، عندما كان الغربيون يمارسون التلميح والتصريح بوجود اخطار محدقة بدول مجلس التعاون الخليجي من مصدرين اساسيين: الثورة الاسلامية في ايران التي وصفت تارة بالشيعية واخري بالخمينية وثالثة بالاصولية ورابعة بالفارسية، والحرب بين اكبر بلدين في المنطقة، وهي حرب تمت تغذيتها بما تحتاجه من وقود مادي وسياسي علي الصعيدين الاقليمي والدولي. وبموجب صفقة اليمامة بين الحكومة السعودية التي كانت آنذاك تحت زعامة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، والحكومة البريطانية بزعامة السيدة مارغريت ثاتشر، حصلت السعودية علي 200 طائرة تورنادو وما تتطلبه من برامج تدريب وصيانة علي مدي العقدين اللاحقين. ظروف تلك الصفقة كانت متميزة. فالسعودية كانت حديثة العهد بالازمة التي نشبت قبل بضع سنوات عندما قام جهيمان العتيبي بحركته ضد النظام السعودي، واحتل الكعبة، ولم يستطع النظام قمعها الا بعد استدعاء قوات فرنسية تمكنت من القضاء علي أغلب المشاركين في ذلك التمرد. كما كان الحكم السعودي يواجه حملات اعلامية من قبل مجموعات سياسية وحقوقية في المنطقة الشرقية استطاعت ازعاج الحكم وان لم تهدد وجوده. يضاف الي ذلك ان الحرب العراقية ـ الايرانية كانت في ذروتها، حيث بدأت حرب الصواريخ التي دمرت مناطق واسعة في كلا البلدين، وكانت ايران الثورة تزعج الحكم السعودي بالمسيرات السنوية التي تنظمها خلال موسم الحج بعنوان البراءة من المشركين . اكتملت الصفقة وسلمت الطائرات التي بدا لاحقا انها لم تكن ذات جدوي عند الحاجة، اذ لم تقم بدور يذكر عندما حدث الاجتياح العراقي للكويت في 1990 برغم تواجد بعضها في قاعدة حفر الباطن التي لا تبعد عن الكويت سوي 120 كيلومترا و70 كيلومترا عن الحدود مع العراق. في الاسابيع الاخيرة كشف النقاب في بريطانيا عن وجود رشاوي كبيرة دفعتها مؤسسة انظمة الطيران البريطانية (بي أيه إي سيستمز) لأمراء سعوديين كبار لضمان تلك الصفقة، وعن ضغوط من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (او إي سي دي) الاوروبية المعنية بمكافحة الفساد، لتقصي التقارير حول الفساد المذكور. وما ان بدأ مكتب مكافحة الاختلاسات الخطيرة (اس اف او) في مباشرة ذلك التحقيق حتي أصدر رئيس الوزراء قرارا بوقف ذلك التحقيق. وقال بلير في تقريره للبرلمان ان اجهزة الاستخبارات وافقت معه علي ان الاستمرار في ذلك التحقيق سوف يعرض الامن الوطني البريطاني للخطر. ولكن رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية (ام آي 6) نفي ذلك قائلا انه اجاب بالايجاب علي سؤال وجه له حول ما اذا كان الامن الوطني سوف يتأثر سلبا لو اوقف السعوديون تعاونهم الامني مع بريطانيا، ولكنه لم يتلق معلومات حول عزم الرياض علي وقف ذلك التعاون. وفي اثر ذلك توقفت التحقيقات حول الرشاوي. وبموازاة ذلك صدر قرار من مجلس اللوردات بوقف اي استهداف قانوني لمسؤولين سعوديين اتهموا بتعذيب ثلاثة مواطنين بريطانيين بعد اعتقالهم بدعوي قتل زميل رابع لهم. جاء القراران بعد فترة وجيزة من بدء التفاوض بين الحكومة السعودية ومؤسسة اجهزة الطيران البريطانية في شهر ايلول (سبتمبر) الماضي حول صفقة طائرات عملاقة اخري. الصفقة الجديدة تتضمن تزويد السعودية بـ 72 طائرة من نوع تايفون بقيمة تتجاوز 20 مليار دولار. الواضح ان تلك المفاوضات تطرقت الي المسألتين المذكورتين: التهديد بمقاضاة مسؤولين سعوديين بتهم الضلوع في تعذيب البريطانيين الثلاثة، وبدء التحقيق من قبل مكتب الاختلاسات الخطيرة في الرشاوي التي قيل انها دفعت لأمراء سعوديين في الصفقة الاولي، وتتجاوز قيمة الرشاوي 60 مليون جنيه. ويقال ان الطرف السعودي المفاوض اشترط للموافقة علي عقد الصفقة العملاقة الاخيرة التخلي عن الأمرين. وهذا ما حدث. ليس معروفا بعد ظروف التفجيرات التي حدثت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2000 والتي قتل فيها المواطن البريطاني كريستوفر رودواي، وان كانت السلطات السعودية قد اتهمت ثلاثة بريطانيين بالضلوع في ذلك التفجير: ساندي ميتشيل، وبيل سامبسون وليزلي ووكر، وحكمت عليهم بالاعدام، ولكنها اطلقت سراحهم بعد ثلاث سنوات قضوها في السجن. ادعي هؤلاء انهم تعرضوا للتعذيب علي ايدي مسؤولين سعوديين، وتقدموا بشكاوي الي المحاكم البريطانية. الاساس الذي قامت عليه شكاواهم ان كلا البلدين وقعا معاهدة منع التعذيب التي تسمح للدول الموقعة بمقاضاة الاشخاص الذين يرتكبون جرائم التعذيب من تلك الدول، اي ان المحاكم البريطانية مخولة بمقاضاة المتهمين السعوديين. غير ان السعودية قالت ان المتهمين يتمتعون بحصانة دبلوماسية ولا مجال لمقاضاتهم. وهنا تدخلت الحكومة البريطانية بقوة لدي مجلس اللوردات، لرفض مقاضاة الاشخاص المحميين بالموقع الدبلوماسي. وقد بذل محامو الاشخاص الثلاثة جهودا للحصول علي تعويضات، ولكن بدون جدوي. ورفعوا القضية الي المحكمة الاوروبية، وما يزالون ينتظرون موقفها. وهنا تتضح صعوبة المواجهات القضائية، فهي تتطلب جهودا واموالا لا تتوفر للاشخاص العاديين. اما الدول فلديها الامكانات والتشكيلات الادارية التي تمكنها من مواصلة المرافعات القضائية بدون كلل. هذا يعني حقيقة مهمة، وهي ان الدول الديمقراطية تستطيع الالتفاف علي القوانين، تارة بالتحايل، وتارة مستفيدة من عدم قدرة الأفراد علي تحمل تبعات المحاكم ومستلزماتها المالية والمهنية. ويبدو الشخص وكأنه يواجه جبلا لا يتحرك. والمطلعون علي تعقيدات المحاكم يدركون صعوبة الحصول علي قرار قضائي اذا كان الطرف الآخر حكومة تملك كافة الامكانات التي تؤهلها للاستمرار في المسار القضائي مهما كلف. صفقة الطائرات الاخيرة المزمعة، اذن، تأتي علي خلفية صراع قانوني واخلاقي عميق داخل المؤسسة البريطانية نفسها. فالسياسيون البريطانيون حريصون علي توقيعها كما فعلوا قبل عشرين عاما مع صفقة اليمامة. والسعوديون يرونها طريقا لتحقيق أربعة اهداف اساسية: غلق ملف القضية القضائية حول التعذيب ودور بعض المسؤولين السعوديين فيه، وغلق ملف التحقيق في الرشاوي التي قدمت لأمراء سعوديين في صفقة اليمامة. اما البعد الثالث فمرتبط بالاوضاع السياسية والحقوقية داخل المملكة العربية السعودية. فهي احدي وسائل الضغط علي البريطانيين والامريكيين، لعدم الضغط علي الحكم السعودي في مجالي الانفتاح السياسي وحقوق الانسان، خصوصا ان الرياض اليوم تمتلك من المدخولات النفطية ما يفوق احتياجاتها اضعافا. فميزانيتها السنوية تبلغ حوالي 100 مليار دولار، بينما مدخولاتها النفطية تصل الي 200 مليار دولار. هذه الاموال قادرة علي شراء المواقف والسياسات، وحماية الذات من الضغوط الخارجية. البعد الرابع اقليمي، فالسعودية التي بدت قبل خمسة اعوام متهمة بتفريخ التطرف والارهاب، استطاعت، لأسباب عديدة، تجاوز تلك المرحلة، وأصبحت واشنطن ولندن تخطبان ودها لتحقيق عدد من الامور: اولها القيام بدور علي الصعيد الفلسطيني لمحاصرة حماس واجبارها علي مسايرة المشروع الامريكي ـ الصهيوني، وثانيها مواجهة المشروع النووي الايراني، وثالثها الاستفادة من الدور السعودي في الضغط علي الحكم العراقي الذي بدأ في الفترة الاخيرة يتمرد علي واشنطن ويتجه نحو موقف مناوئ ضد الاحتلال، ورابعها، الحصول علي قدر اكبر من التعاون في ما يسمي الحرب ضد الارهاب ، اذ ان للسعودية دورا غير قليل في دعم المجموعات الدينية التي ترعرعت في احضانها التوجهات المتطرفة في مناطق كثيرة من العالم. وهكذا استطاعت السعودية استعــــادة موقعها السياسي بفضل عدد من الاسباب: اولها انها تجاوزت حالة الجمود التي استمرت فترة طويلة بسبب مرض الملك الراحل، فهد بن عبد العزيز نظرا، ثانيها ان تصاعد اسعار النفط وفر لها وفرة مالية عملاقة ساعدتها علي ممارسة نفوذ سياسي محلي واقليمي اوسع، ثالثها: فشل السياسة الامريكية خصوصا في مجال الحرب ضد الارهاب، بالاضافة الي المشاكل التي تعترض سياساتها في العراق بشكل خاص وفلسطين ولبنان. هذا لا يعني ان السعودية تجاوزت مرحلة الخطر في ما يتعلق باوضاعها المحلية والاقليمية. ومن ذلك غياب نظام حكم يستهوي الطبقة المثقفة التي تزداد اتساعا في المملكة، ويوفر للاقليات حقوقا معقولة في مجال العبادة والمشاركة السياسية، ومع استمرار التجاذبات السياسية الاقليمية (خصوصا داخل مجلس التعاون وعلي صعيد علاقات دوله مع بعضها)، وتصاعد الاستقطاب الطائفي وما يمثله من تحد لكافة دول المنطقة وشعوبها. كل ذلك لا يساهم في استقرار اوضاع المنطقة ومنها اوضاع الحكم السعودي نفسه. وقد تنجح سياسة شراء المواقف بالاموال النفطية الهائلة لفترات زمنية تطول او تقصر، ولكن دواعي التوتر والاضطراب اذا استمرت، فانها تحتاج الي ما هو اكثر من المال والقدرة علي شراء المواقف والاعلام. فليس من مصلحة السعودية استمرار الاضطراب الطائفي في العراق والمنطقة لانه قد يصل الي اراضيها، وليس من مصلحتها حدوث عدوان امريكي ضد ايران لان انعكاسات ذلك وتبعاته قد تفوق ما يجري في العراق الآن. فالامن الاقليمي شأن مشترك، ولا يمكن للمنطقة ان تستقر اذا بقيت اوضاع احد بلدانها مضطربة ومتوترة، خصوصا مع تشابه التركيبة السكانية والخلفيات الدينية والثقافية لهذه البلدان. اما الدول الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا وامريكا، فلن تستفيد من سياسة اللعب علي المتناقضات في المنطقة، وتكريس سياسات التفريق علي اسس مذهبية او عرقية. وكما اثبتت تجارب السنوات الاخيرة فان امن المنطقة مترابط ولن يتحقق بشكل يحافظ علي مصالح الدول الاخري الا اذا استقر علي اسس راسخة، وعلي قدر من العدل والحرية والانفتاح السياسي والامن الحقوقي. صفقات التسلح العملاقة لم تستطع في الماضي احلال الامن والاستقرار في المنطقة، ولن تحقق ذلك في المستقبل. وما يحقق الامن هو اقامة حكم القانون علي اساس التوافق بين الحاكم والمحكوم وهذا ما يزال غائبا عن المنطقة. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية