من الثقافة والسياسة حتي المخدرات: اباطرة المجتمع التقليدي واحوالهم
ديرار عبد السلاممن الثقافة والسياسة حتي المخدرات: اباطرة المجتمع التقليدي واحوالهم المقصود بالمجتمع التقليدي هو كل مجتمع لم يلج بعدُ الحداثة السياسية بما تعنيه من انبثاق المواطن كانسان جديد وهياكل وبنيات وسيطة فعلية تتوسط بين الحاكم والمحكومين، وتكريس كرامة الانسان كقيمة عليا مقدسة، وبما يستتبع ذلك من انماط عيش حديثة ومنطق للتفكير حديث يتناقض والخرافة والتحجر والتشرذم.هذا هو المجتمع التقليدي عموما، وهو المجتمع الذي تجتهد فيه قوي عديدة وتلتقي فيه مصالح متنوعة تجهد نفسها من اجل ان تنبث في شعورنا ولاشعورنا كون الاباطرة صنفا واحدا هم اباطرة المخدرات. والحال ان هؤلاء (الاباطرة) في المجتمع التقليدي اصناف عديدة قد يكون اباطرة المخدرات اقلهم خطرا علي المجتمع بمنطق الخوف علي مستقبل الاوطان وعلي مناعتها وقدرتها علي المساهمة في صنع التاريخ والافلات من المصير المظلم الذي ينتظر العديد من المجتمعات التقليدية في سياق المخاطر المتعددة الاشكال التي باتت محدقة بكل الكيانات غير القادرة علي ركوب حلبة التنافس والمواجهة وصيانة شروط البقاء.فهناك اباطرة المخدرات، وهم مشهورون او بالاحري يتم التشهير بهم لكي لا يتم التفكير في الاصناف الاخري غيرهم. واباطرة المخدرات يشيدون بالفعل امبراطوريات حقيقية بكل ما ترمز اليه من احتكار الخيرات المادية التي تتسع في العديد من الحالات الي الحد الذي يعجز الخيال عن استيعابه، ومن خدم ورفاه ومُتع لا حدود لها، ومن اعوان اشداء في الخدمة (في خدمة امبراطور المخدرات) يأتمرون بأوامره وينفذون الصغيرة والكبيرة مهما عظمت وخرجت عن حدود المنطق. لا شيء يُرد للامبراطور وكل ما يمكن ان يعكر صفو حياته ومُتعه يلزم شطبه وحتي اعدامه. وقيمة القيم هنا هي سلامة الامبراطورية. وطبعا يشارك هؤلاء الاعوان الامبراطور نعيمه ويغرفون من خيراته بدون حساب. وهو ما يفسر استعدادهم لفعل كل شيء من اجله.ولا يقل حال الامبراطوريات التي يشيدها اباطرة السياسة بمجتمع تقليدي عن تلك التي يبنيها اباطرة المخدرات، اذ يحولون أنوية الاحزاب السياسية/مشاريع ولوج الحداثة (السياسية) ودخول عصر المواطن المأمول الي ولايات سياسية/امبراطوريات نظيرة بصيغة المطلق لتلك التي يشيدها اباطرة المخدرات. فالزعيم (زعيم الولاية السياسية/الامبراطورية) يصبح مقترنا بالثراء الفاحش والاستهلاك السفيه وتبدو عليه النعمة في كل شيء فيه (مهما حاول الظهور بعكس ذلك للتمويه) ويحيط نفسه بأتباع/مريدين (يحرص علي نعتهم في العلن بالمناضلين)، يأتمرون بأوامره ويسيرون علي خطاه ويتصدون بشكل حازم وجد قاس لكل من سولت له نفسه الاختلاف معه او المس بهدوء وسكينة واطمئنان ولايته/امبراطوريته. وفي العديد من الحالات يتخذ دفاع الاعوان/المريدين عن الزعيم/الامبراطور اشكالا تضاهي عمليات التنكيل والتصفية التي يلجأ اليها اعوان امبراطور المخدرات خصوصا خلال المحطات الحاسمة من تاريخ الامبراطوريات السياسية/الولايات كالانتخابات او المؤتمرات (مؤتمرات الاحزاب/الولايات)، حيث سيادة هواجس الانقلاب علي الامبراطور او منافسته.وكما الحال بالنسبة لامبراطوريات المخدرات، يشارك الاعوان الامبراطور نعمه وامتيازاته، ان بشكل عيني او علي شكل منافع متعددة يجنيها عون امبراطور السياسة له ولأسرته قد تمتد من ضمان مقعد بـ برلمان المجتمع التقليدي او حتي وزير او شبهه بـ حكومة هذا المجتمع (في حال رضي الامبراطور الكامل عن العون)، الي التوسط له لاغتصاب منصب لا يستحقه له او لزوجته او ذريته، الي غير هذه وتلك من المنافع التي يجنيها اعوان امبراطور السياسة كمحاصيل انتهازية مقابل خدماتهم لتثبيته امبراطورا.وقد تكون الامبراطوريات النقابية بمجتمع تقليدي اكثر امتلاكا لخصائص الامبراطورية من امبراطوريات المخدرات، فأمبراطور النقابة بمجتمع تقليدي تتوفر له شروط توسيع املاكه بوسائل متعددة يتداخل فيها ريع التآمر علي الكادحين مع علاوات الصمت علي المظالم الي الاستفادة من عمليات التفويت الفاحشة مقابل خدمات نقابية والعبث بالملايين او المليارات التي في حوزة صناديق ومؤسسات مسماة للتأمين او للتكافل او ما شابهها، كل الشروط مهيكلة في المجتمع التقليدي لتضمن هيمنة امبراطور النقابة عليها. ولكي يتسني له كل ذلك، يلزمه رجال اشداء علي كل مخالف او معارض للامبراطور مدافعون عنه بكل الوسائل الممكنة، بل قد يكونون مستعدين للموت من اجله! وما حالة الاستنفار القصوي التي تسبق عقد المؤتمرات النقابية بالمجتمعات التقليدية والتي لا يضاهيها سوي الاستنفار الذي يسبق الحروب الكبري المدمرة! سوي علامة فادحة علي هول ما تخوضه الامبراطورية النقابية من حروب ليستمر الامبراطور امبراطورا ولكي يتم تجنب كل ما من شأنه ان يمس بطمأنينة امبراطوريته. وطبعا ينال اعوان الامبراطور النقابي بالمجتمع التقليدي نصيبهم من خيرات الامبراطورية ومحاصيلها مقابل تفانيهم في خدمته والذود عنه. وعموما لا تختلف المنافع التي يجنيها هؤلاء كثيرا عن تلك التي يجنيها اعوان امبراطور الولاية السياسية.وغالبا ما تلتقي رهانات امبراطور السياسة مع رهانات امبراطور النقابة في اتجاه انشاء فيدرالية امبراطورية موحدة ما دامت الاهداف مشتركة والمصالح واحدة ومنطق واهداف وحسابات الاعوان في كلا الحالتين جد منسجمة ومتناغمة. وليس غريبا ان تتسع الفيدرالية الامبراطورية في العديد من الحالات لامبراطورية المخدرات لتنضم اليها ضمن حسابات غير معلنة تضمن تدفق اموال امبراطورية المخدرات علي امبراطوريتي السياسة والنقابة مقابل توفير رداء الولاية السياسية او الامبراطورية النقابية او كليهما معا لامبراطور المخدرات كقناع للتمويه والتضليل.وقد يكون اباطرة الدين اشد وطأة علي المجتمعات التقليدية من اباطرة السياسة والنقابة، وقد تكون امبراطورياتهم اكثر تجسيدا لتقاطيع الامبراطورية من الولايات السياسية والامبراطوريات النقابية وحتي منهما معا مجتمعين نتيجة للثقل الهائل الذي يستمر الدين في احتكاره بالمجتمعات التي لم تلج بعد الحداثة الفكرية. فامبراطور الدين هنا يبني امبراطورية فعلية تتدفق اليها الاموال من جهات متعددة تمتد من القوي المحلية التي لها مصلحة في سيادة امبراطوريات الدين لتأييد الوضع القائم الي تلك التي تراهن لتوظيفها او لتستمد الشرعية منها خلال المعارك السياسية (الانتخابات اساسا بالمجتمعات التقليدية)، ومن جهات خارجية ضمن حسابات سياسية ايضا اوجيو ـ سياسية. ويتصرف امبراطور الدين كامبراطور حقيقي وما الهالة التي يحيط بها نفسه ويبالغ المقربون اليه في اضفائها عليه، وما آلية التكفير التي يشهرها في وجه كل من تجرأ علي الاختلاف معه/مع تعاليم امبراطوريته سوي نظير للآليات الاستبدادية للاباطرة. ويحيا اباطرة الدين في نعيم ويُجهدون انفسهم للظهور بمظاهر المتقشفين الزاهدين كآليات من آليات اضفاء طابع القداسة علي امبراطوريتهم.وكغيرهم من الاباطرة يعتمد اباطرة الدين علي اعوان يخدمون الامبراطور والامبراطورية الا ان اعوان امبراطور الدين اكثر اخلاصا واكثر تفانيا في خدمة امبراطورهم لاسباب جد متشعبة تبدأ من استفادتهم من خيرات الامبراطورية كما الحال بالنسبة لباقي اعوان الاباطرة وافلاتهم ـ بذلك ـ من شروط الاستعباد التي يتميز بها العمل السخروي بالمجتمعات التقليدية وتنتهي بقدرة الافكار الدينية علي دعم التلاحم والوحدة ضمن اطار يحقق منافع روحية معلنة واخري عادية (اساسا) مسكوتا عنها.ولا يتردد اباطرة الدين في تهريب الديني الي السياسي ، ان لم نقل ان القاعدة هي كون الديني مجرد مطية لـ السياسي ، حيث تتم خربطة منطق اشتغال النسيج الاجتماعي فيضطرب النسق وتتبعثر آليات اشتغال الحقول الاساسية للمجتمع (السياسية، الدينية، الفكرية..) ويتعطل سير المجتمع الي الامام. واذا كان الدين مجالا للرأفة والرحمة والقيم، فان تعامل اباطرة الدين مع خصومهم او مع من يحاول المس بامبراطورياتهم يتسم بالكثير من القسوة والشدة، واذا كان سيف التكفير مشهورا علي الدوام فان منطق التصفية الجسدية والاغتيال الرمزي والتحالف مع اعداء الوطن ضد الخصوم المحليين، عُملة من عملات الامبراطوريات الدينية. وعموما فهذه منتوجات طبيعية لما هو مشهور في طبيعتها من تشدد وانغلاق وغياب للعقل وخوف من الاختلاف والحوار، فبالاحري حرية التفكير والاختيار والابداع!ولا بد من الاشارة هنا الي كون هذا التحليل لا يمس في شيء رجال الدين الشرفاء وموقعهم كوظيفة اجتماعية بالمعني الانتروبولوجي.وهناك اباطرة نادرا ما يتم الالتفات اليهم لاسباب يصعب حصرها في هذا المقال، بل ليس من السهل حصرها، ونراهن علي اختصار اهمها في نجاح قوي اجتماعية عديدة في تكريس التمثلات حول الاباطرة باعتبارها بصيغة المفرد اي هم اباطرة المخدرات. ثم باعتبار هذا الصنف الذي نثيره هنا حرصا علي الدوام علي تقديم نفسه ذاتا (متعالية) تصنف الناس الي هؤلاء وأولئك الي اباطرة وغيرهم ونادرا جدا ما يتخذ ذاته موضوعا للنبش والتحليل. ونقصد اباطرة الثقافة او اباطرة الفكر او اباطرة الرمزي (بمعناه الدنيوي حتي نميزهم عن اباطرة الدين) في المجتمعات التقليدية. وهم بالفعل اباطرة بكل مضمون الكلمة ويشيدون امبراطوريات بكل ما ترمز اليه الكلمة من معني: يحتكرون الزمان والمكان، هم من يوكل له تحديد الاسئلة المشروعة ومنسوب السؤال المسموح به في كل لحظة تاريخية معينة وكل خروج عن ذلك مروق وتجن او حتي جنون. دور النشر تتهافت علي نشر اعمالهم وبالتعويضات الاستثنائية هذا في بعض الحالات، اما في حالات اخري فيسارع امبراطور الثقافة الي احداث دار للنشر خاصة به ضمن استراتيجيته الامبراطورية. اينما وليت وجهك تجد كتب الامبراطور ومقالاته. وتزداد نزعات الامبراطور الامبراطورية كلما تقدم في السن نتيجة شيخوخة افكاره واحساسه بالخطر الداهم للأسئلة الجديدة والادوات الجديدة والعقل الجديد. يحرص الامبراطور علي محاصرة كل امكانية للمس بأمن امبراطوريته او بانبثاق ما ينافسها فيمارس السطو اذ يحرص علي ان يترأس كل الهياكل والبنيات العلمية و الفكرية (علي علاتها في مجتمع تقليدي) (وطبعا ضمن صفقات) (مع قوي اجتماعية لها مصلحة هي الاخري في ذلك) مما يضمن له الانفراد بالميزانيات المخصصة لهذه الاغراض واكثر من ذلك واهم منه بالنسبة للامبراطور (وحتي بالنسبة لتلك القوي) تهميش المنافسين له وجعلهم مضطرين في العديد من الحالات للاشتغال تحت امرته وضمن منطق اشتغال امبراطوريته، فكثيرة هي البحوث العلمية بالمجتمعات التقليدية والممولة من طرف منظمات دولية او جهوية او حكومية او من طرف مؤسسات مالية او تجارية يسطو عليها الاباطرة ويوزعون الفتات علي باحثين اكفاء ومفكرين فعليين (مهمشين) اضطرتهم شروط الفقر والتهميش والرغبة في الاعتراف بهم (البعيد المنال في مجتمع تقليدي) الي العمل ضمن الدائرة التي يرسم حدودها الاباطرة وبالشروط الظالمة التي يختارها هؤلاء امعانا في تكريس امبراطوريتهم وتميزهم الامبراطوري. وغالبا ما يعمد امبراطور الثقافة الي عقد صفقات مع امبراطور السياسة لان كلا منهما يجد في الآخر عامل اضفاء للشرعية علي ذاته او مرتكز دعم ودعاية.والان نتساءل: اي هذه الاصناف من الاباطرة اخطر بالنسبة لمجتمع تقليدي؟ ايها اكثر اعاقة له عن ولوج الحداثة؟ نعتقد ان كل تحليل سليم وكل عقل قادر علي الحفر والتفكيك والتخلص من السائد من الافكار، يدرك ان خطر اباطرة المخدرات جد ضئيل بالقياس الي الاخطار الجسيمة لاباطرة السياسة والنقابة والدين والثقافة، فالاول قابل للعلاج والمحاصرة وبالامكان جعل المخدرات سلعة بائرة بتوفير مناخ تسوده الحرية وتغيب فيه مسببات الاحتقان ويوفر شروطا للاشباع المادي والرمزي معقولة. آنذاك لا تبقي سوي حالات مرضية تستوجب العلاج ضمن علم الطب والطب النفسي. اما اخطار باقي الاباطرة فهي قاتلة انها بحجم السرطان او اكثر لان امبراطور الولاية السياسية وامبراطور النقابة يمنعان تجدد النخب ويغيبان الكفاءات القادرة علي الخلق والابداع ويضخمان مشاعر الكبت والغبن ويفسدان منبت المواطن ويعطلان القنوات بين الحاكم والمحكومين ويهيكلان الزيف ويشوهان النسيج الاجتماعي ومنطق اشتغال النسق (الاجتماعي) ويعطلان التاريخ. ويزرع امبراطور الدين التشدد والتحجر ويمنع الاختلاف الذي هو اساس غني الثقافات ويمنع السؤال، بل يبخس قيمة الحياة وينشر قيم الموت بمحاصرته للعقل وخلقه للحشود الغوغائية المدفوعة بالعواطف. اما امبراطور الثقافة ففعله ابشع بكثير لانه يحول دون تلقيح مخيال المجتمع بالجديد من الافكار باحتكاره للزمان والمكان وتكريسه للاسئلة الزائفة ومنعه للاسئلة الجريئة والمجاوزة القادرة علي دفع المجتمع الي الامام. انه يقصي القادرين علي تحسين الاذواق والاخلاق ومثله مثل امبراطور الدين فهو يهجر العقول ويزرع بذور التشدد والاصوليات، انه رمز اغتيال العقل وعدو الحياة ما دامت الحياة تقتضي الانتاج والخلق المتجددين لا الطوطم المقدس.هذه هي الهايكل والبنيات المعطلة لتاريخ المجتمعات التقليدية وهي التي تجسد طبائع الاستبداد وتغتال قوي الحياة فيها. انها شرط اعادة انتاج العجز المادي والرمزي واداة تأبيد الواقع القائم بكل عاهاته والاخطر من كل ذلك كونها تضمن علي المدي المتوسط وحده الاشتغال الذاتي لكل النسق الاجتماعي باتجاه الضياع.ہ باحث في سوسيولوجيا التحديث (المغرب)8