سرد متوهج يتربص بشخصيات من الواقع ليعيد انتاج هواجسها ببراعة
خليل قنديل في الأعمال القصصية :سرد متوهج يتربص بشخصيات من الواقع ليعيد انتاج هواجسها ببراعة عمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمان وبيروت صدر مجلد الأعمال القصصية للقاص الأردني خليل قنديل، و ضم مجموعاته القصصية الأربع التي أصدرها خلال الفترة من 1980 ـ 2002 وهي: عين تموز ، الصمت ، حالات النهار ، وشم الحذاء الثقيل ، ويعد قنديل واحدا من أبرز القصصاصين في الأردن الذين بدأوا الكتابة في نهاية السبعينيات وظهرت قصصهم بداية الثمانينيات، وربما لم تنل تجربته بعد حقها عربيا، وهذا الأمر تحكمه استحقاقات اعلامية وجغرافية تنالها في العادة عواصم عربية معينة، اضافة الي أن قنديل لا يجيد عادة الاحتفاء بابداعه وتسويقه، وقد ساهمت غربته في الخليج حيث عمل نحو عشر سنوات محررا وصحافيا ثقافيا وفنيا في العديد من الصحف الاماراتية منها الخليج، اضافة الي اقامته فترة من الوقت في مدينة اربد شمال الأردن، وصدور مجموعاته من دور نشر متباينة، اضافة الي الوضع المحبط للكتاب الأردنيين من ناحية ندرة قراء أعمالهم وسوء توزيعها في ما أشرت اليه من قبل من عدم أخذ ما يستحق من النقد والترويج لقصصه. واليوم فان قنديل يعيش في العاصمة عمان ويشارك بنشاط في الصحافة الثقافية من خلال عمله محررا وكاتبا في الدستور اليومية، وهو لا بد يتطلع كغيره من القصاصين والشعراء والروائيين الأردنيين الي المزيد من الاهتمام بنشر اصــداراته واضاءتها نقديا محليا وعربيا.قصص قنديل تنهل من الواقع لكنها لا تأتي لتصويره كما هو فوتوغرافيا، بل تعيد صياغته جماليا، عبر سرد ينثال حارا، شائقا، لا يتركه القاريء الا بعد أن يدخل عوالمه وطبقاته ليكتشفها ويتفاعل معها، وكأنه جزء من شخصياته، ويبرع قنديل في الوصف الماركيزي حتي ليخيل للقاريء أن ثمة كاميرا في رأس قلمه، كما أنه يدخل الي جوانية الشخصيات ليعبر بجرأة عن انكساراتها وعذاباتها، وربما انتصاراتها الصغيرة أيضا، قصّه مسبوك بعناية، وبتشذيب بالغ، يكشف عن حرفية عالية.وقد جاء مجلد الأعمال القصصية الذي ضم 400 صفحة بمقدمة للناقد فخري صالح، كما أقامت رابطة الكتاب الأردنيين حفل توقيع لهذه الأعمال في مقرها شارك فيها الناقد د. محمد عبيد الله، والروائي جمال ناجي.هنا مقتطفات مما كتب عن هذه الأعمال التي تعرف بها من ناحية أساليبها الفنية والموضوعات التي تناولتها، وخصوصيتها الأدبية: فخري صالح: واقعية خشنة وفانتازيايشتغل خليل قنديل في مجموعاته القصصية الأربع علي مادة الحياة اليومية، أي علي التفاصيل الصغيرة والمنمنمات والحواف الحادة في حياة الجموع الشعبية والأفراد الساعين لكسب العيش في الأسواق والشوارع، وهو يعتمد في عمله القصصي علي الملاحظة الدقيقة لحركة هؤلاء الأفراد وتلك الجموع التي تحضر بحيوية لافتة، كاشفة عن الآلام العظيمة لرجال صغار ونساء صغيرات يحتشدون في المساحة الضيقة لقصصه، ان شخصياته بدءا من مجموعته الأولي وشم الحذاء الثقيل وانتهاء بمجموعته الرابعة عين تموز تنتمي الي الفئات الشعبية الفقيرة، وفي أحيان كثيرة الي الفئات المعدمة المسحوقة والمهملة المتروكة علي أطراف المجتمع وفي عالمه السفلي، ولعل التوتر الحاد القائم في قصص قنديل ناشيء عن الدراما المعقدة التي يرسمها القاص لشخصياته بحيث تبدو المسافة بين الطموح والواقع شاسعة الي الحد الذي تتمزق عنده ارواح الشخصيات التي يقوم القاص بتخليقها ووضعها في مواجهة جور الحياة وعسف البشر وشظف العيش الذي لا يرحم.. تغلب علي قصص قنديل الواقعية الخشنة والوصف التفصيلي الدقيق لمشاعر شخصياته ومونولوجاتها، كما أن القاص في سياقات أخري، يعيد سرد الحادثة الواقعية في اطار العجيب والغرائبي والسوريالي والاقتراب من روح الطبيعة العاصفة المدمرة، ما يذكر بالقصة والرواية القوطيتين ممثلتين بكتابات أبي القصة القصيرة الأمريكية، وربما في العالم كله، إدغر الن بو، وعلي هذين المسارين: الواقعية الخشنة، والفانتازيا الواقعية يمكن توزيع قصص خليل قنديل بدءا من مجموعته الأولي وشم الحذاء الثقيل التي كتبت قصصها خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، وصولا الي مجموعته عين تموز التي نشرها عام 2002، وان كانت قصصها في معظمها كتبت خلال تسعينيات القرن الماضي، ويمكن أن نقرأ حركة قصص قنديل وتطور عوالمها في قصص المجموعة الرابعة والأخيرة حيث يبدو القاص الذي ينتمي الي جيل السبعينيات عمرا ورؤية قصصية، وكأنه يقوم في عين تموز بتلخيص عوالمه السابقة وتكثيفها..جمال ناجي: مبدعلم يصب بلعنة الغزارة في اعماله غير الكاملة، نجد انفسنا امام سلسلة مربكة من الاحداث الرابضة بين السطور اللينة وخلفها كالقطط المتربصة، ثمة ما هو عادي في هذه الاحداث، لكن النهايات المفاجئة للقصص تشعر القاريء بأن الكاتب يقدم هذا العادي باعتباره لعنة تستحق الاستعاذة والرجم، الامر الذي يؤكد المحتوي الفلسفي غير المباشر الذي تنطوي عليه تجربته القصصية، خصوصا في مجموعتيه، وشم الحذاء الثقيل و حالات النهار .لم يصب خليل بلعنة الغزارة التي احالت الابداع الي كتابة آلية اضاعت فرص النجاة للكتاب المطبوع، كما انه مصر علي ممارسة حقه الدستوري والانساني في الكسل، والتأمل، والصبر، وانتظار اللحظات الحانية التي تتجول الفكرة خلالها عارية امام ناظريه ثم تختفي كالغاويات في الف ليلة وليلة، ليستعيدها من جيوب ذاكرته، ويكتبها برحيق روحه المحبة للحياة.بعض شخوص القصص عند خليل تمارس الديكتاتورية بالاصالة، وهو امر مشروع اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الكاتب لم يتمكن من ممارسة هذه الدكتاتورية في حياته، فاين يذهب بشحنات القهر الذي تراكم علي مدي ثلاثين عاما هي عمر تجربته القصصية؟ علي من يطلق رصاص روحه؟ وماذا يفعل في ذلك الكائن المستبد المقيم فيه كما في كل انسان، اذا ما اصر هذا المقيم علي الظهور الي العلن ؟لا حل افضل من زجه في زحام الاسواق والمقاهي والنوافذ والبيوت الزاخرة بالمقهورين والمكبوتين، ولتكن المعركة داخل العمل الابداعي لا داخل الكاتب: هــكذا تعامل خليل مع ذلك المستبد المقيم في اعماق كل واحد منا، وهو ما يبدو جليا في مجموعته الصمت .وعلي العكس مما يذهب اليه الباحثون ببسالة عن الحقيقة، فان من يقرأ اعمال هذا المبدع يكتشف بسهولة انه غير معني بانتصار الحقيقة او اي من اقاربها او صديقاتها من الفلسفات المدرسية، اجل، ثمة فلسفات مدرسية تثير الحفيظة، لأنها لم تقتنع الي الان بأن المبدعين كفوا منذ زمن، عن بحثهم عن الحقيقة، بل انهم يتمنون ان لا يعثر احد عليها، خشية سجنها او تشويهها او قلبها، وبالتأكيد فان القبض عليها سيلغي حريتها، لذا لم يكن غريبا ان لا يخضع كاتبنا الي هاجس الحقيقة في ابداعاته القصصية خصوصا في مجموعته الرابعة عين تموز .اؤكد بان هذا المبدع مغامر متآمر رغم ارتدائه بردة الكاتب المسالم، فهو حين يكتب، يكمن في الزوايا الخفية التي تمكنه من التصويب علي اهداف بالغة الدقة، واحيانا، علي اهداف منخفضة وحساسة، متآمر حتي علي شخصياته القصصية التي سرعان ما تجد نفسها أسيرة كمائنه التي ينصبها لها وللقاريء في ان معا. والأنكي انه احيانا يزدري العواطف، واحيانا يقدمها باعتبارها فضائل، الأمر الذي يربك القاريء ويدعوه الي مراجعة وتنقية جحافل العواطف الخام التي تنتابه من وقت لآخر.د.محمد عبيد الله: اضاءةلعالم الفقراء والمهمشين كأنما ندب قنديل نفسه ليكون صوت العاديين والمهمشين والفقراء ربما بعيدا عن التأثيرات المباشرة للواقعية بتأثيراتها الاشتراكية وقريبا من مفهومها الطبيعي كما عند قاص رائد مثل يوسف ادريس، ونحسب أن قنديل التقي كثيرا مع مذهب ادريس أكثر من غيره، ولكنه بالتأكيد قدم أداء مغايرا ومختلفا عن ادريس نظرا لاختلاف البيئة والتجربة، ولكن يجمعهما منزع قصصي واحد يتصيد دهشة العادي ودبيب البشر العاديين الذين قلما تنجّمهم الكتابة وتلتفت الي الدراما التي يصنعونها.في معظم قصصه يغيب البطل المتميز أو الخارق، ويحضر عوضا عنه: الانسان العادي، لكن القصة تكتشف جوانب تميزه وتخلق له بطولة من نوع خاص، وفي مثل هذه القصص نكتشف مع القاص الدهشة المخبأة في البشر العاديين من خلال تفجير طاقات مستترة في أولئك الناس يصعب اكتشافها دون الانطلاق من رؤية تنتصر لنوعية محددة من البشر وترتاب في غيرهم. ولأن القصة شديدة الالتصاق بالنمط العادي والمهمش واللابطل، فانها تحاول أن تقترب من أنفاس البشر وروائحهم وملامس محيطهم بكل ما فيه من أمارات مميزة مخبأة، فاذا نحن أمام بشر يتنفسون ويتحركون وليسوا مجرد صور مكتوبة أو موصوفة… هذه المقدرة علي بث الحياة في الشخصية مسألة معقدة تلزمها الخبرة ودرجة التمثل والاحساس بالشخصية مع المحافظة علي موضوعية السرد ولو ظاهريا أو تقنيا.. الشخصية عند خليل كأناه من لحم ودم وليست شخصية ورقية كما هي حقيقتها السردية الفعلية.الشخصية شديدة الوضوح في قصص قنديل، وهو لا يميل الي التجريد أو اطفاء الملامح، ولذلك فشخصياته واضحة بصورتها الخلقية والمسلكية وبالمهنة التي تمتهنها وبالأحوال التي تواجهها، وغالبا ما تتحرك وفقا للواقع وتحولاته، وليس بناء علي أفكار أو ثقافات تتأثر بها، الحياة والتجربة المباشرة هي رأسمال الكاتب ورأسمال شخصياته أيضا،….ومما يميز تجربة قنديل كثرة الشخصيات وغناها، رغم انتمائها الي بيئة واضحة هي البيئة الشعبية سواء في الريف وعالم القرية أو في الأحياء الفقيرة للمدينة وهوامشها. واذا ما ظهرت الشخصية خارج هذه البيئات فغالبا ما يكون ذلك مصحوبا بنوع من العداء للبيئة العصرية الجديدة أو النظيفة، ولذلك تكره شخصيات قنديل الفنادق والمطاعم والمكاتب والأبنية الفارهة الصقيلة وتشعر بأنها أماكن تآمرية مريبة بصورة من الصور ولا تطمئن الا في الأماكن الطبيعية المعبأة بأنفاس البشر وفعلهم، كما في الأسواق الشعبية والأزقة المعتمة.ومن المناخ الشعبي الواقعي نفسه يتفجر بعد فرعي صالح للتوسع، يتمثل فيما يمكن تسميته بالبعد الطقوسي والأسطوري، وهو غالبا يتأتي من معتقدات شعبية تتصل بالسحر والطاقات الخفية في الكائنات والأشياء والأماكن، فهناك شخصيات من الدراويش أو ممن يعتقد الناس بكراماتهم وطاقاتهم الخفية في البيئات الشعبية، وهناك اشارات الي الفراسة والمقدرة الحدسية عند بعض البشر. وهناك أيضا طاقات في بعض الأماكن من مثل العتبة المرتبطة بمسكن الشياطين ونشاطها، وكذلك فكرة الحسد واصابة العين وغير ذلك مما يتصل بنشاطات تقع في مجال الروح والمعرفة الحدسية والطاقة الخفية، وتتنوع أشكال الافادة من هذه المناخات الطقوسية والروحية بحسب غاية الكاتب وطبيعة القصة، ولكنه في غالب الأحيان يوظفها من موقع ايجابي لا يرفضها أو يندد بها أو يتشدد في نقدها، وأحيانا ترد في سياقات محببة تبدو داعمة لها. واذا ربطنا هذا الموقف الايجابي بما تبديه قصصه من ارتياب شبه مطلق بطبقات المتعلمين والشخصيات العصرية المتعلمة تأكد عندنا دفاع قنديل عن عالم كان يؤول الي التلاشي في الربع الأخير من القرن العشرين ويأخذ هذا الدفاع صورا متعددة تصل الي الدفاع عن طاقاته وسحره واعتقاداته. جماليات اللغة القصصيةتتميز لغة قنديل بالحركة والحيوية تبعا لحيوية شخصياته وحركتها الدائبة، وهو حريص علي أن تكون اللغة نسيجا حيا تتنفس من خلاله الشخصية وتتحرك بحريتها دون قيود أو عبء لغوي باهظ. وبصفة عامة تبدو لغته أقرب الي اللغة الحديثة التي طورتها الصحافة ووسائل الاعلام وأعطتها قدرا واسعا من التسامح والحرية بعيدا عن منطق التفاصح أو منطق: قل ولا تقل. وهي لذلك بعيدة عن اللغة البيانية التي يلجأ اليها بعض الكتاب ويحاولون الارتفاع بها الي مستوي قريب من اللغة الشعرية ذات الطبيعة المجازية المغايرة للغة البسيطة أو لغة الحياة. كما أنه يميل الي اللغة المحددة التي توصل حدثا أو تقدم موقفا علي نحو دقيق بسيط ولا يميل الي أسلوب التزيين والترصيع المجاني أو الفائض. وقد يلجأ الي الأسلوب التصويري عبر صياغات استعارية وتشبيهية ولكنها تظل محدودة في حجمها ومساحتها كما أنها تظل تابعة للسرد لا موجهة له، الصورة الموازية والصورة السردية عند قنديل ليست شعرية بالمعني الدقيق وانما هي نوع من التصوير السردي المقصود والمكمل لمجري السرد، وغالبا ما يلجأ الي طريقة مخصوصة في صياغة جملته التصويرية، بحيث تبدو جملة صارمة وقاطعة بعيدة عن التسيب الشعري والسيولة التعبيرية. 0