أخطار الايديولوجيا والنزعات الجهوية علي وحدة السودان

حجم الخط
0

أخطار الايديولوجيا والنزعات الجهوية علي وحدة السودان

د. يوسف نور عوضأخطار الايديولوجيا والنزعات الجهوية علي وحدة السودانمر الخلاف حول قانون الأحزاب الجديد بين الحكومة السودانية وأحزاب المعارضة الرئيسية دون أن تتنبه له وسائل الإعلام، وهو خلاف أساسي يتعلق بمستقبل الحكم في السودان، وعلي الرغم من هذا الخلاف الكبير فقد تمكنت الحكومة وشريكتها الحركة الشعبية تمرير الاتفاق.وكان الخلاف يدور حول المادة 18 التي تعطي المحكمة الدستورية الحق في حرمان أي حزب من المشاركة في الانتخابات أو تجميده أو حله إذا خالف ما يسمي بالمادة 40 من قانون الأحزاب الجديد. وقد رفضت أحزاب المعارضة هذا التقييد ولم تشارك بالتالي في التصويت للقانون الذي يعكس صورة متكررة في العالم العربي تتمحور حول رغبة الحكومات في السيطرة علي وسائل الحكم دون أن تكون لديها القدرة أو الرؤية لإدارة البلاد بطريقة صحيحة، والغريب أن هذه القوانين تصاغ تتويجا لمراحل الفشل التي تمارسها الحكومات العربية، وهذا موقف لا تختص به حكومة بعينها بل يشمل جميع الحكومات العربية فقد رأينا كيف أن الحكومة المصرية التي لم تستطع خلال أكثر من نصف قرن أن تحقق الأهداف المعلنة لثورة يوليو تتحرك لمصادرة إرادة الشعب والتمهيد لعملية توريث ليس لها أي مبرر أخلاقي بل وفعل كل ما من شأنه أن يغيب المظاهر الديمقراطية عن البلاد، وقد سمعنا عجبا في ليبيا عندما أعلنت الحكومة أنها تعتزم التخلص من أربعمئة ألف موظف من أجل سد النقص في الميزانية العامة وتحسين الخدمات للمواطنين وهذا كلام يبدو في ظاهره إصلاحيا ولكنه في حقيقته صورة من صور الفشل، إذ ما الذي يجعل دولة مثل ليبيا يبلغ دخلها دخل دولة الكويت تعاني من قصور في الميزانية في وقت تزداد فيه أسعار النفط بنسب كبيرة وكيف يمكن للحكومة أن تدعي بأنها تريد أن تصلح النظام الإقتصادي في الوقت الذي ترسل فيه اربعمئة الف مواطن للشارع وتزعم أنها تريد بذلك أن تحسن مستوي الحياة بالنسبة لبقية المواطنين علما بأن العدد الذي ترغب الحكومة الليبية التخلص منه يمثل ثلث طاقة العمل في البلاد. ولا يعتبر هذان البلدان حالة شاذة لأن العالم العربي بأسره يعاني من هذه الأنواع من الحكم وهي التي أوصلت العراق إلي المأساة التي يعيشها الآن وأوصلت سورية إلي حالة العجز الكامل وأوصلت لبنان البلد الجميل إلي مجتمع عشائري وطائفي يتقاتل في أمور لا علاقة لها بوجه لبنان الحضاري.ولا يختلف الوضع في السودان ذلك أن الحكومة ماضية في طريقها غير عابئة بالتحولات والتغيرات في السياسة الدولية وهي تسير مغمضة العينين من اجل أن تحافظ علي سلطة لم يعد الشعب يستفيد منها وإنما تستفيد منها مجموعات النخب التي دمرت البلاد وأوصلتها إلي مرحلة الاحتراب ويكفي أن نعرف انه خلال نصف قرن من الاستقلال خضع السودان لنظم عسكرية علي مدي أربعين عاما، وكانت جميع هذه النظم تعلن شعارات كبيرة ولكنها مدمرة للواقع الوطني وقد انكشف الآن عوار الثوب عندما أدركت النخب أنها يمكن أن تنظم نفسها علي أسس عرقية وطائفية من اجل الوصول إلي السلطة والثروة، فقد أصبح الشعار المرفوع الآن في المطالبات الجهوية هو تقاسم السلطة والثروة، ويعني تقاسم السلطة أن تكون النخب مسيطرة بشكل كامل علي القرار السياسي حتي تتصرف في الثروة المخصصة لها لصالحها وقد ظهر ذلك جليا في المواجهات التي ظهرت حديثا بين نائب الرئيس سلفا كير والرئيس السوداني عمر حسن البشير، فقد اتهم سلفا كير حزب المؤتمر الوطني بأنه تخلي عن تنفيذ بنود اتفاق نيفاشا ورد الرئيس البشير بان عشرات الملايين من الدولارات قد أرسلت إلي حكومة الجنوب لتختفي وأخيرا طالبت الحكومة بإجراء تحقيق يشمل سلفا كير حول مصير تلك الملايين. والمسألة هنا في الواقع لا تتعلق بالملايين بل بأسلوب الحكم السائد في السودان والذي وصل إلي طريق مغلق تحتاج فيه البلاد إلي إعادة النظر في كل السياسات والممارسات التي ظلت تتبعها الحكومة منذ سيطرت علي الحكم في عام 1989 بانقلاب عسكري، وقد تكون الانقلابات العسكرية سمة تلك المرحلة، ولكن الفشل مدعاة إلي التوقف والتأمل خاصة أن المطامع في الثروات التي أوجدها النفط لا تتوقف ولا يجوز لأي تيار أن يزعم أن لديه أجندة من حقه أن يفرضها علي البلاد، ويجب أن يتنبه الناس إلي الكلام الموضوعي الذي قاله هنري كيسنجر من قبل حين ذكر ان البلاد المتقدمة وجدت عندها وحدة شعبية أحاطتها بنظام دولة ولكن معظم البلاد الأفريقية ليست فيها وحدة شعبية وهي تريد أن تؤسس من الفسيفساء دولة وذلك هو وضع السودان كما هو وضع سائر الدول الأفريقية ولا تستطيع الحكومة أن تتجاوز ذلك كله بإعلان أيديولوجية تحاول بها توحيد شعب غير موحد ومختلف ثقافيا كما أن الدعوات الجهوية لا يمكنها أن تؤسس علي واقع عنصري وقبلي نظام حكم حديث، والواجب هو أن يبدأ الناس البحث من جديد بعد تحليل واقعهم ويحاولوا الخروج من هذا المأزق، ولا شك أن المأزق بدأ في السودان عندما أعلنت حكومة الإنقاذ أنها تريد أن تؤسس نظام حكم ديني يقوم علي مبادئ الشريعة ولم يكن بين أفرادها من يمتلكون القدرات الفكرية أو الفلسفية أو السياسية التي يحولون بها هذا الطموح إلي واقع عملي كما لم يكن أمام حكومة الإنقاذ أنموذج يمكن أن تقتدي به وانتهي الأمر بهذه الحكومة إلي أن تثير باتجاهها نعرات جهوية رأت أن التستر خلف الإسلام هو مجرد مظهر لفرض الثقافة العربية لشعب تضرب كثير من أقاليمه في جذور الثقافة الأفريقية، ولم تحاول المجموعات التي تسكن السودان أن تجد لنفسها صيغة موحدة للتعايش فهي ما زالت تحتمي بالرؤي العرقية والثقافية المحلية. وهي تجد مبررا في كل ذلك بسبب ضيق الأفق الذي يغلف فكر كثير من السياسيين، وقد تجاوز الواقع السياسي إلي الواقع الإقتصادي حيث أعتقد الكثيرون ممن بيدهم السلطة أن تقوية أنفسهم وأسرهم ماديا هو الذي يضمن لهم الاستمرار دون التنبه إلي ترابط العالم الحديث وأن كل الثروات التي نهبت بطريقة غير مشروعة يمكن أن تعرف مصادرها ومكان إيداعها وبالتالي لن ينجو أحد من المساءلة، ومن خطأ هؤلاء عدم التنبه إلي أن مصادر عيش كثير من الناس قد أضيرت إما لأنهم ابعدوا من وظائفهم وإما لان نظام الخدمة المدنية قد أصابه الانهيار خاصة في مجال تحصيل الضرائب والعوائد حيث أصبح الموظفون يذهبون إلي المواطنين في منازلهم لتحصيل مبالغ طائلة لا تذهب إلي خزينة الدولة ولا تصدر وثائق بها ويجد المواطنون في كل عام أن الضرائب التي دفعوها تتراكم عليهم، ولا يقتصر الأمر علي ذلك بل أصبحت الرشاوي من المظاهر العامة في نظام الدولة بحيث لم يعد أحد يستطيع أن ينجز أي معاملة دون أن يدفع الرشوة المناسبة، كما شهدنا تدنيا في مستوي الخدمات الصحية والتعليمية، بحيث فقدت معظم المستشفيات الحكومية وظيفتها التقليدية ولم يعد أحد قادرا علي تلقي العلاج في هذه المستشفيات التي كانت مضرب المثل في النظافة والكفاءة أيام السلطة الإنكليزية، ولم يعد المواطنون قادرين علي تلقي العلاج عند الأطباء الخاصين ذلك أن زيارة الطبيب لمرة واحدة قد يكلف المواطن راتبه الشهري بأسره، وما حدث في مجال الصحة حدث مثله في مجال التعليم وكان مجلس الوزراء قد اصدر قبل عدة أسابيع قرارا عجيبا، وذلك عندما جعل التقاعد إلزاميا بالنسبة لأساتذة الجامعات الذين بلغوا الستين من العمر دون أن يدرك المجلس أن أساتذة الجامعات لا يحالون إلي المعاش دون رغبتهم كما أن الستين أصبحت ضمن مرحلة الشباب في الوقت الحاضر، وقد شرعت بريطانيا في العام الماضي قانونا يجعل التمييز بسبب السن عملا غير قانوني، ولا يقتصر الأمر علي الجامعات التي توسعت بدرجة كبيرة علي حساب المستوي التعليمي بل يشمل ذلك النظام المدرسي والإعلامي وقد أنهارا بشكل كامل ذلك أن الذي يتابع التلفزيون السوداني في الوقت الحاضر يذهل من غياب هذا الجهاز عن ثقافة العصر وتركيزه علي قضايا تراثية ميتة يقدمها للناس كحقائق لا تقبل الجدل وهو يعطل بذلك ملكة النقد والتجديد عند المواطنين السودانيين.ومؤدي قولنا أن ما يحدث في السودان يستوجب إعادة النظر في كل ما يجري في تلك البلاد، ذلك أن قوة السودان لن تحققها الايديولوجيا أو النزعات الجهورية والعنصرية وإنما ينبغي كما قال هنري كيسنجر أن يبدأ الناس في التفكير في الأساليب التي تدعم وحدة البلاد وتجعل من السودان بلدا متماسكا لأنه من المؤسف أن نجد نزاعات مثل التي بين حكومة الشمال وحكومة الجنوب حول نهب الأموال العامة ومن الداعي للسخرية أن توظف اتفاقات السلام لوضع أسس الانفصال من خلال إنشاء السفارات في البلدان الأجنبية لحكومات إقليمية وذلك شأن حكومة الجنوب التي أنشأت ثماني عشرة سفارة في بلدان أجنبية.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية