الروائية السورية هيفاء بيطار: أنا من الكاتبات المصرات علي كسر حاجز صمت النساء

حجم الخط
0

الروائية السورية هيفاء بيطار: أنا من الكاتبات المصرات علي كسر حاجز صمت النساء

بشير مفتيالروائية السورية هيفاء بيطار: أنا من الكاتبات المصرات علي كسر حاجز صمت النساءالجزائر ـ القدس العربي : تعتبر هيفاء بيطار من الأسماء الروائية المتميزة في المشهد السردي السوري والعربي. بدأت أعمالها عام 1990 ومن يومها إلي غاية الآن نشرت ما يقارب التسع روايات وأكثر من عشر مجموعات قصصية وهي تعترف أنها غزيرة الإنتاج وأن لما تكتبه وظيفة في المجتمع، زارت الجزائر مؤخرا بدعوة من جمعية الاختلاف والمكتبة الوطنية الجزائرية، وذلك بمناسبة صدور بعض أعمالها مشتركة بين الاختلاف (الجزائر) والدار العربية للعلوم (بيروت)، ولم تخف ما سمته بالصدمة الجمالية التي شعرت بها وهي تري مدينة الجزائر لأول مرة، وكان لنا معها بهذه المناسبة هذا اللقاء. لنبدأ من البداية، كيف تشكلت علاقتك مع الكتابة، ومع أول عمل يصدر لك؟ منذ طفولتي أكتب مذكراتي يوميا، لا أعرف لِمَ لازمتني تلك العادة حتي الآن ومهما كان يومي مزدحما، لا أستطيع أن أنام إن لم أكتب بضعة أسطر، أظن هكذا بدأت علاقتي بالكتابة، وأحس أن مذكراتي علي بساطتها هي أكبر مخزون لي ككاتبة، إنها تعني استعادة الانفعالات والمواقف بهدوء وتذوقها بطريقة مختلفة. أما أول عمل صدر لي فهو مجموعة قصصية عنوانها ورود لن تموت ، وفيها أول قصة كتبتها وهي قصة الطفلة شيرين عمرها تسع سنوات، أصيبت بسرطان في عينها وكنت يومها مقيمة اختصاص في مشفي المواساة بدمشق ونشأت علاقة إنسانية قوية جدا بيني وبين شيرين، كانت وحدها في المشفي، وبعد مدة اكتشفنا أن السرطان انتقل للعين الأخري، وتم استصال عيني شيرين. يومها لم أستطع أن أحتمل كل هذا الألم، فكتبت عدة صفحات كي أخفف احتقان مشاعري، وأرسلت الأوراق لوالدي في اللاذقية، فاتصل بي وقال إن ما كتبته قصة جميلة، ووضع لها عنوانا بكاء بلا موت ، وأظن هذه القصيدة هي خطوتي الأولي مع الكتابة والنشر. ماهي النصوص التي ساهمت في تكوينك الأدبي؟ بمن تأثرت من الكتّاب، وما هي بشكل عام مرجعياتك القرائية؟ أعتقد أن كل ما قرأته وسأقرؤه يساهم في تكويني الأدبي، أنا شديدة التفاعل مع ما أقرأ، لكن في مراهقتي أثر فيّ إلي حد كبير سارتر وكامو، وسحرت بالفلسفة الوجودية حتي عمر 19 سنة، ثم تأثرت ولا أزال بدوستويفسكي الذي أؤمن بأنه عبقري الرواية، كذلك بلزاك، ومن الكتّاب العرب لا يزال نجيب محفوظ كاتبي المفضل. أقرأ في السنوات الأخيرة كتب الفلسفة وعلم النفس، تسحرني هذه الكتب وتفيدني جدا في رسم شخصيات قصصي، وأعتقد أننا في زمن يستحيل علي الكاتب فيه أن يثبت نفسه ككاتب اعتمادا علي موهبته فقط، فالثقافة عنصر أساسي جدا للكتابة، ولا أفهم كاتبا غير مثقف وصاحب موقف. تناولك لقضايا وهموم المرأة في معظم أعمالك السردية، ألا تخافين من أن يخنق أدبك في دائرة محددة سلفا؟ صحيح أنني أركز علي قضايا المرأة، لكنك لا يمكن التحدث عن المرأة دون التحدث عن الرجل وعن المجتمع، إني أتناول المرأة في منظورها الإنساني وليس الأنثوي، ولا أخاف إطلاقا أن يختنق أدبي في دائرة المرأة، لأنني أسعي وأخطط أن أكتب وأحلل وضع المرأة بدوائر تتسع كتابا بعد كتاب، أن أنبش وراء المسلمات التي يعتبرها الجميع عادية ومفروغاً منها، أن أضع كل شيء موضع الشك وأحلله. أنا من الكاتبات المصرات علي كسر حاجز صمت النساء. أريد للمرأة أن تعبّر عن كل مشاعرها وأفكارها المكتوبة، لأننا لا يمكن أن نعرف الآخر إن لم يتكلم، حديث قلب لقلب وفكر لفكر. تؤمنين بدور الكتابة في التغيير أو أن للأدب وظيفة اجتماعية أو سياسية.. في وضع مؤسف بالنسبة للمقروئية وحجم الأمية في العالم العربي، مارأيك؟ لا أنكر أني أحس بكثير من الإحباط والألم من الارتفاع المذهل للأمية في العالم العربي، ولانتشار التفاهة والهوس الاستهلاكي بين الناس علي حساب الثقافة والحياة الحرة والكريمة، لكني في الوقت ذاته حين أتساءل من سيغير المجتمعات ويدفعها للأمام لا أجد سوي جوابا وحيدا هو: المثقفون، أنا أؤمن جدا بأن الكلمة تحيي وتميت، والثقافة الحقيقية والكتابة التي تتجه للناس وتتمتع بالصدق والنزاهة والعمق في تحليل حياة الناس ومساعدتهم في فهم مواقعهم وبالتالي خلق الحلول لمشاكلهم المزمنة، هذه الكتابة ستلعب دور الخميرة في تغيير المجتمع، لكن ذلك يتطلب الكثير من الصبر والعناد والزهد أيضا. أين تضعين نفسك في خارطة الكتابة النسائية العربية، وأين يكمن اختلافك وتمايزك؟ لا يهمني أن أصنّف نفسي ككاتبة، وأن أقارن بين إنتاجي وإنتاج غيري من الكاتبات، لكن ما أثق به تماما أن لي لونا خاصا، وخطا أدبيا متميزا وخاصا بي، التمييز يأتي ليس في الأسلوب بل في الرؤية، من النظرة، كيف أتناول مواضيعي. هذا ما يميّزني، وأعتقد أنني تناولت قضية المرأة مثلا من وجهة نظر خاصة، لدرجة قال لي أحد النقاد إنه يعرف من الأسطر الأولي أن من كتب القصة الفلانية هي هيفاء بيطار، لأنني أؤمنب أن روح الكاتب تتناثر بين سطوره. ماهي العوامل التي تجعل بعض المواضيع تصلح للرواية والبعض الآخر للقصص القصيرة، وهل تنتقلين من هذا النوع إلي الآخر بسهولة؟ أعتقد أن الموضوع هو الذي يملي الشكل، القصة القصيرة أشبه بومضة إما أن تكون أو لا تكون. أما الرواية فهي أشبه بعمارة، حين أرغب أن أستفيض في الحديث عن واقع الناس وعن تشابك العلاقات الاجتماعية وتغيرها مع الزمن ألجأ للرواية، وحين يستوقفني موقف إنساني، أو لقطة إنسانية، أسارع لتجسيده للتو كقصة قصيرة. تولد قصصي القصيرة كالبرق، لمستني شرارة إنسانية في موقف ما حولي، فأجسده حالا قصة. وأنا أتقبل النوعين ولا أفضل أحدهما علي الآخر أبدا، فالمهم في الكتابة ليس شكلها إنما روحها. كيف تتعاملين مع شخصياتك النسوية كضحايا أم كنماذج تقاوم وضعها وتحاول أن تخرج منه؟ أتعامل مع شخصياتي الأدبية كلها كبشر، أتجوّل في تلافيف دماغهم وفي غرف أرواحهم المعتمة أحيانا والمتأرجحة بين رجاء ورجاء. شخصياتي ليست نماذج، بل أشخاصاً أحياء، يضجون بنبض الحياة، وأنا حين أكتب عنهم أجلس بطاعة تامة وخشوع أمام الأوراق البيضاء، وأركز كل أحاسيسي وأفكاري في الشخصيات التي تعبّر عن ذاتها من خلالي. أسمح لهم أن يتقمصوني تماما، وأن يستعيروا كلماتي وأحاسيسي ليولدوا قصصا تحمل بصمتهم الإنسانية. ماهو النص الذي تشعرين بأنه قريب أكثـر منك، أو الذي كانت كتابته مثيرة بشكل خاص لك؟ لا يوجد نص معين، أو أن النص يتغير حسب حالتي النفسية، لكن بعض القصص القصيرة تثير فيّ حساسية مرهقة جدا مثل قصة أم في مجموعتي ضجيج الجسد ، وقصة حبيبي المعاق في مجموعة فضاء كالقفص ، وكذلك قصة حب في زمن العولمة ، وكفن الأستاذ في مجموعة غروب وكتابة ، التي أعتبرها من أهم القصص التي كتبتها.بالنسبة للروايات، حاليا أنا متحمسة لرواية امرأة في هذا العصر ، الصادرة عن دار الساقي عام 2004 لأنها إضافة إلي الأدب من ناحية الشكل والمضمون فهي قصة امرأة تقرأ عالم الرجل من وجهة نظر أنثوية إنسانية، وظل هذا الهاجس يؤرقني لزمن طويل وهو أن توجد كتابة نسائية شجاعة تحكي بصدق وعمق عن نظرتها لعالم الرجل. ما هو النص الذي أحبه القراء أكثـر مما أحببته أنت؟ لا أعرف، لأني لست علي صلة بقرائي جميعا، لكن مجموعتي القصصية السابقة الحاصلة علي جائزة أبي القاسم الشابي عام 2002 لاقت الكثير من الحماسة والاستحسان عند الناس، كذلك روايتي امرأة من طابقين التي دعيت بسببها الي عشرات الندوات الأدبية والثقافية والتلفزيونية، وكتسب عنها أهم النقاد، مثل فيصل دراج، صلاح فضل، عبد القادر القط، نبيل سليمان، إلخ… كيف توفقين بين المرح في حياتك والحزن في أدبك؟ أنا أحب الحياة، أحب أن أعيش عمق اللحظة، وأحزن حين تكون معظم قصصي حزينة، لكن للأسف واقعنا مثخن بالجراح، فمن أين سيولد الفرح في الكتابة، لكني أحب أكثـر من المرح السخرية، فالسخرية تملك قدرة سحرية علي تبديد الألم، وهذا ما أسعي إليه في كتابتي القادمة، لكني كشخص أحب الناس جدا ولا أستطيع العيش من دونهم وأحب الفرح، أفرح من أشياء بسيطة، جلوس في مقهي، شرب عصير طازج، سماع موسيقي، نظرة طفل، شروق الشمس أو مغيبها، إن الحياة نعمة، ومحظوظ من يمتلك القدرة علي تذوقها. بعد كل هذه التجربة الطويلة مع الكتابة والحياة، ما القناعات التي ترسخت في تجربتك؟ أشكرك علي هذا السؤال العميق والهام، القناعات التي ترسخت في تجربتي الأدبية والإنسانية حقا، اننا يجب أن نتطور دوما، أن نقاوم الثبات والأشكال الجامدة المحنّطة، أن نعيد تحليل ذواتنا وواقعنا علي ضوء الحقيقة والتغيرات. أكثـر ما يخيفني ويقتلني الأفكار الجامدة الأبدية، والتي لا يسمحون لك بزلزلتها، لن يحصل التغير إن لم نعش حالة دائمة من حيوية التفكير والحوار. هذا ما أؤمن به، ولا أجد أي حرج في أن أبدل أفكاري وأشذبها وأعدّلها، فالجمود هو للأشياء وليس للبشر. وإلي أي أفق تنظرين الآن يا هيفاء؟ أنظر وآمل أن يتحـوّل فضاء الكاتب العربي الأشبه بقفص إلي فضاء بلا حدود، وأن يكتب دون أن يرتعد ذعرا من الرقيب. أملي أن أنتصر علي خوفي.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية