فيلم العطر عن رواية باتريك زوسكيند: قصة قاتل حرم من كل شيء عدا روائح العالم
فيلم العطر عن رواية باتريك زوسكيند: قصة قاتل حرم من كل شيء عدا روائح العالمعمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: وأخيرا وافق الكاتب الألماني الشهير باتريك زوسكيند علي تحويل روايته الرائجة عالميا العطر: قصة قاتل الي فيلم سينمائي بالاسم نفسه جاء أوروبيا في أنتاجه وعناصره في (146 دقيقة) وكلف نحو 63 مليون دولار، ويبدو أن العرض كان مغريا لزوسكيند بعد أن كان ممتنعا عن بيع حقوق انتاجها سينمائيا منذ صدورها في العام 1985، والرواية التي ترجمت الي العربية منذ سنوات ترجمت أيضا الي نحو أربعين لغة عالمية، وجلبت علي ناشرها وكاتبها ملايين القراء والدولارات أيضا، وهي رواية عظيمة في قصتها وحبكتها ولغتها، وتدور أحداثها في القرن الثامن عشر في باريس حيث جان باتسيت غرينولي الذي يمتلك مهارة لا توصف في معرفة الروائح والعطور وتصنيفها وكيف اصبح وغدا مهووسا بصنع عطر ساحر من أجساد النساء وهذا الأمر حوله الي مجرم خطير، انها رواية تأخذ الروائح والعطور فيها دور البطولة ومن يقرأها ثم يشاهد الفيلم الذي أخرجه الألماني توم تايكور يجد أن المخرج كان حريصا علي الاخلاص لأحداث الرواية قدر الامكان مع الانتباه الي اللغة البصرية السينمائية والتصعيد الدرامي، ولواحد مثلي عشق الرواية وانحفرت عميقـــا في وجدانه، وشاهد الفيلم متمليا ابداعات التصوير والاخراج والموسيقي سيجد أن العملين (الرواية والفيلم) يحملان تلك اللمسات الابداعية التي تضفي المزيد من الجماليات والغوص عميقا في النفس البشرية، ولا يملك المرء سوي أن يقع في عشق العملين معا، ولكن الرواية تظل الأقدر علي ادخال القاريء في عوالمها الغنية وتحليقه بالخيال الجامح ومشاركته فيها.طفولة بائسة وأنف خارقيبدأ الفيلم من نهاية حكايته أي منذ اللحظة التي أدين فيها غرينولي (الممثل البريطاني بن ويشاو) في العام 1766م باختطاف الصبايا الجميــــلات في غريسي وقتلهن ويبــدأ عبر الاستذكار بالعودة نحو عشرين عاما الي الوراء حيث ولد في حي بائس في باريس مليء بالروائح العطنة للســـمك الزنخ والنفـايات المتراكمة وروائح البشر، وفي اللحظـات الأولي لولادته تنشـــــق بأنفه روائح ما حوله وبدا أنه يمتلك أنفــا لا يجاري، وتنقــــلنا اللقطات السريعة المتقطعة لتلك الأشياء وروائحها، فيما ينقلنا الراوي للاحداث بصوته الي بعض مقاطع الرواية التي كتبها زوسكيند متناوبا مع المشاهد البصرية التي تعبر أيضا بطريقتها الخاصة عن الحكاية، ولكن دور الراوي هنا يربط ما بين الحكاية ويقدم تعليقاته عليها، وهو دور أساسي ويساهم في اغناء الفيلم وجعله سلسا ومفهوما لمن لم يقرأ الرواية، ونتعرف كمشاهدين هنا علي طفولة غرينـــولي ويتمه فقد تـــركته أمه منذ وضعته، و فيما هو يطلق صرخته الأولي قاد أمه الي المشنقة كما يقول النص المسمــوع المأخوذ من الرواية، وهنا يظهر لنا بشــؤمه وخطورته منذ وعي أنفه كل ما حوله من روائح، وصار يميزها ويتنشقها بلذة، وكأنه يتناول طعاما شهيا، وتتواصل الأحداث لتقودنا الي تلك السنوات العصيبة التي قضاها يتيما في عهدة مدام جيلارد (سيان ثوماس) وكيف باعته بفرنكات معدودة لدباغ قاسي حيث قضي فترة طويلة يتعامل مع الجلود الطازجة وروائحها المدوخة، وقاده عمله يوما الي السوق المزدحم بالبشر وكان يتتبع روائحهم، وقد انذهل لتنشقه لروائح جديدة، وتبع رائحة فتاة تبيع الخوخ (كارولين هيرفارف) وكانت أولي ضحاياه، وعبر مشاهد بصرية مؤثرة نري غرينولي يتنشق أجزاء جسدها العاري ويحتفظ في ذاكرته بهذه الروائح الجديدة المحيرة للبشر، وفيما بعد نراه يتعرف علي بائع عطـــــــور ومخترع لوصفات شهيرة هو بالديني (داستن هوفمان) الذي يعاني الركود في تجارته والاحباط بسبب عدم قدرته علي ابداع عطر جديد يرضي النساء الباريسيات، ولكن غرينولي ومعارفه الخارقة عن الروائح وتمييزها جعلته قريبا من بالديني بل عاملا لديه يتبادلان الخبرات، ويبدو غرينولي مهووسا بمعرفة أسرار حفـــظ روائح الأشياء كلها، ويعرفه بالديني علي أسرار التقطير، وأسماء الأزهار، فيما يقدم له غرينولي وصفات لا تنتهي لعطور جديدة أعادت الحياة لتجـــارته البائــــــدة، ونري كيف يصف بالدينــــي العطر بأنه يشبه السلم الموسيقي وأنه يتكون من 12 درجة وأن الدرجة الثالثة عشرة هي المفقودة والكل يبحث عنها فهي كالأسطورة، ولكن صاحب الأنف الخارق يريد المزيد لمحاولة أنتاج أعظم عطر عرفته البشرية فيسافر الي عاصمة العطور في أوروبا حينئذ غريسي وهناك يتعلم المزيد برعاية مدام أرنولفي، ولكن شغفه بالعطور يجعله يبحث عن تقطير روائح البشر ولا سيما الفتيات الجميلات اذ يبدأ بقتلهن والحصول علي روائحهن ووضعها في قوارير، وثمة مشاهد تفصيلية أبدعها لنا المخرج لذلك القاتل وهو ينتزع روائح ضحاياه وهي طازجة ويقطرها في زجاجات خاصة حتي ضج أهالي غريسي من الجرائم الغامضة والقتل المتواصل لأجمل فتياتهم، والبقية معروفة في الحكاية عبر القبض علي غرينولي ولكن بعد أن يكون قد صنع عطره الغامض الخطير،ولعل المشاهد الختامية للفيلم حينما يجتمع الأهالي الساخطين لحضور صلبه، تعبر تماما عن روح ما كتبه زوسكيند ووصفه الشائق لها، وكيف أصبح القاتل قديسا بنظرهم حينما يرش عليهم قطرات من عطره هذا بل يصابون جميعا بالتهتك وحالة من الاستلاب لا يستطيعون لها صدا، ويحفل الفيلم في تلك اللقطات بمشاهد عري كاملة لمجاميع بشرية كبيرة بالمئات قلما عرفتها السينما بكل تلك الجرأة.في سياق ذلك نتعرف علي دور التاجر النبيل أنطونيو ريشي (ألان ريكمان) الذي يحاول انقاذ ابنته الجميلة لاورا من القتل المحقق، وتساعد هذه الحكاية البوليسية الطابع في اذكاء عنصر التشويق والترقب علي أحداث الفيلم، فالرجل مقتنع بأن هذا القاتل مهووس بالجمال وأن ضحاياه بقين عذاري ولهذا فثمة سبب غير جنسي لقتلهن، ويقوده تحليله هذا الي الهرب بابنته بعيدا ولكن أنف القاتل تبعته عبر مسافات بعيدة، وكانت لابنته بالمرصاد..!صياغة بصرية شائقةرغم أن رسالة زوسكيند الكاتب (يعيش في ميونخ) في روايته تشير الي أن هذا القاتل العبقري هو ضحية في النهاية لظروفه المأساوية وأنه لو وجد الحب منذ البداية لما أصبح مجرما، ثم أن عبقريته في صنع العطور قادته الي البحث عن (اكسير الحب) الذي ما ان يضع منه قطرات حتي يقع العامة والخاصة في حبه وتقديسه، فكل الذين كانوا حانقين عليه تحولوا في لحظات الي الاشادة به كبريء والنظر له كمخلص وقديس، لقد وجد غرينولي في العطر ما لم يجده في الحياة فالكل يحتقره وينظر له نظرة دونية، ولعل المشاهد الختامية تعبر عن خلاصة ما وصلت اليه فالرجل أراق قطرات العطر كلها فوقه، فانقض الناس متهافتين عليه (ومن الحب ما قتل) وأيا كانت الحكاية وتفاصيل حبكتها وما وراءها من اشارات، فان المخرج تايكور قد استطاع أن يجد مجموعة من الممثلين المتميزين لأداء هذه الأدوار بكل اقتدار، فالممثل الرئيسي البريطاني ويشاو رغم أنه غير معروف ومازال في الخامسة والعشرين من عمره الا أنه استطاع أن يدخل الي أعماق شخصية غرينولي ويتقمصها تماما، وساعدت ملامحه القاسية والساذجة معا علي ذلك، وبدا كما لو أن زوسكيند كتبها له أساسا، أما الممثل الأميركي المعروف داستن هوفمان فهو أيضا استطاع ببراعة أن يؤدي دور بائع العطور ومخترعها جيوسيبي بالديني، وبقية الأدوار قام بها ممثلون ألمان وفرنسيون وبريطانيون أيضا، وهذا يتوافق مع الانتاج المشترك لهذه الدول لهذا الفيلم الذي انطلق خلال شهر ايلول (سبتمبر) الماضي في ألمانيا أولا واستطاع أن يجلب ثلاثة ملايين زائر خلال الشهر الأول من عرضه، اضافة الي أنه من المتوقع أن ينطلق في الصالات العالمية يوم السابع والعشرين من شهر كانون الاول (ديسمبر) 2006 أي متزامنا مع عطلة عيد الميلاد، فيما سبق مقرنصو اقراص الدي في دي الصالات ووزعوا نسخا هائلة من الفيلم، ويراهن المنتجون علي 15 مليون قاريء أوروبي كانوا قد اشتروا الرواية وغيرهم الكثير ليشاهدوا الفيلم الذي صورت مشاهده في فرنسا واسبانيا وألمانيا وبرشلونة.لقد استطاعت جهود فريق الفيلم أن تنقل لنا أجواء باريس في نهايات القرن الثامن عشر وما يمور فيها من أحداث، وبدت الأماكن والألبسة والأجواء مقنعة تماما وطبيعية ولا دور للمؤثرات الكمبيوترية فيها، فيما تناغمت الموسيقي مع الأحداث، ويحق لروائي كبير مثل زوسكيند أن يفرح لمدي اخلاص الفيلم لروايته، والي أنه سيساهم من جديد في زيادة عدد قرائه ودولارته أيضا، وهنا لا بد أن أتذكر أن الروائي في العالم العربي يدفع الكثير من روحه وماله لأجل كتابته فيما لا يناله غالبا الا الصدود والتجاهل والاحباط.2