تأملات في وجه بغداد الحزين…
تأملات في وجه بغداد الحزين… لست عراقيا ولا يمكن مهما أوتيت من قوة الحس والشعور أن أعيش ما عاشه أفراد هذا الشعب خلال حكم صدّام ويعيشونه منذ سقوط نظام هذا الأخير واحتلال قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية للأراضي العراقية، من ويلات تتغذي منها وكالات ونشرات الأخبار عبر مختلف وسائل الإعلام الجاد منها والمشبوه . ولكن استحالة الاستشعار والمشاركة لا تمنعني من التساؤل عن الطريقة التي تمّت بها كتابة آخر صفحات هذا النظام .وتساؤلي هو في الحقيقة سلسلة من التساؤلات ألقي بها إلي نظر القارئ العزيز:ما معني أن نحاكم نظاما سياسيا؟تختلف هذه المحاكمة عن تلك التي تخص فردا أو مجموعة أفراد وإن اشتركتا في هدف إقرار القانون الحدّ من مخالفته، في كون الغاية منها هي تقديم خدمة بيداغوجية وتربوية لأبناء الشعب المعني بالمحاكمة حتي يخرج من المحاكمة وهو أكثر تشبثا بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية. ولا يمكن أن يتحقق هذا المبتغي إلا إذا توفرت شروط الاستقرار والاستعداد لفهم وتلقي هذه الدروس والعبر. كما لا يمكن بلوغ هذا الهدف إذا لم تكن المحكمة متوفرة علي كل الشروط التي تجعل منها طرفا نزيها ومحايدا في إدارة المحاكمة وإقرار الحكم . وليسأل كل شخص منّا نفسه عن مدي استيفاء الحكم والمحكمة لهذه الشروط في قضية النظام العراقي المخلوع .من المستفيد من هذه المحاكمة؟ تمشيا مع منطق التساؤل السابق كان علي المحتل أن يساعد الشعب العراقي علي تملّك زمام أموره الداخلية والخارجية والانسحاب من أراضيه وتركه يقرر بكل حرية وسيادة الطريقة التي سيقيم بها محاكمة النظام السابق والدروس الذي يريد استخلاصها من هذه المحاكمة . ما مصدر الاستعجال والتسرع مادامت أولويات أفراد الشعب العراقي خارج دائرة المحاكمة والاقتصاص من رمز النظام السابق؟ أهو البحث المجنون عن مبررات حرب واحتلال غير مشروعين ؟ أهو اللهث وراء كل ما من شأنه أن يلهي أفراد الشعب العراقي عن عجز يومي لقوات أجنبية قيل أن في حقائبها عدل وحرية وكرامة وسيادة واستقرار ورخاء وديمقراطية؟ومن المستفيد من هذا الشنق؟ قد يقول البعض إنّ المستفيد الأوّل من هذا الشنق هو أفراد الشعب العراقي ولكنّ هذا الزعم يستلزم أن يكون أبناء هذا الشعب علي استعداد تؤمّنه شروط الاستقرار والأمن والسلام للإفادة من المحاكمة، وعلي بيّنة من مجراها وطريقة تنفيذ الحكم الصادر عنها. والغريب في الأمر هو أن أبناء هذا الشعب فوجئوا كما تفاجأ غيرهم من خارج العراق بهذه الطريقة اللاهثة وراء سفح الدماء في صبيحة يوم عيد طالما تمنّي أبناء هذا الشعب تنسّم بعض عبير الأمن والسلام فيه.وقد يقول البعض إن المستفيد هو الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لأنها أرادت عبر هذا الشنق والتشنيع استدرار عطف ولاء الشيعة وفي نفس الوقت تأجيج الصراع الطائفي مما يعطيها حجّة إضافية لتمديد احتلالها للأراضي العراقية، إضافة إلي كون وضع عملية الشنق علي حساب الشيعة وعبرهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد يساعد أمريكا علي تسويد صورة إيران وتجريدها من بعض مشروعيتها في ملفها النووي. ولكن هذه الأهداف تتناقض مع رغبة أمريكية في تحسين صورتها في أعين الرأيين العربي والإسلامي، وفي وقت تلهث فيه سلطات الاحتلال عبر لجان التقصّي والاستشارة باحثة عن مخرج من مأزقها العراقي.وقد يقول البعض إنّ المستفيد الأوّل هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية لأنها بشنق صدّام تكون قد انتقمت من أحد أعدائها التاريخيين ووطدت لوجودها وتأثيرها في السياسة الداخلية العراقية. ولكن هذا الهدف يتناقض وطموح إيران إلي لعب دور ريادي علي الساحة الإقليمية والدولية في صراعها ضد الولايات الأمريكية، ورغبتها في تسريع رحيل القوات الأجنبية عن المنطقة والمزعجة لطموحات إيران. تتعدد الفرضيات والتخمينات والخاسر واحد: الشعب العراقي الذي خسر فرصة تاريخية لجمع شمله ولملمة الشقاقات والانقسامات التي تنخر جسده وتؤجل قيام دولة عراقية حرة ذات سيادة علي أراضيها وخيراتها. الشيء الذي لا يمكنه إلا أن يسعد أعداء شعب بلاد الرافدين. عبد اللطيف النكاويباحث وأستاذ عربي فرنسا 6