في العرض الشهري الأوّل لسنة 2007 لفرقة الرشيدية بالمسرح البلدي: باقة من الوصلات والمعزوفات التونسية الخالدة
شمس الدين العونيفي العرض الشهري الأوّل لسنة 2007 لفرقة الرشيدية بالمسرح البلدي: باقة من الوصلات والمعزوفات التونسية الخالدةفي العرض الافتتاحي لسلسلة السهرات الشهرية، برزت فرقة الرشيدية ببهائها المعهود في وصلة من الاغاني والقطع الموسيقية التي نبعت من تراثنا الموسيقي التونسي العريق.لقد حضر الجمهور في هذا العرض بكثافة حيث امتلأت مقاعد مسرح مدينة تونس بالمتفرجين الذين شكّلوا جمهورا نوعيا دأب علي متابعة ومواكبة مختلف عروض هذه المجموعة التي عبّرت عن صمودها في الوقوف بشموخ وسط هذا الضجيج من الاغاني العابرة والموسيقي الخاوية التي طغت ليس في المشهد الثقافي التونسي فحسب بل في المشهد الغنائي والفني العربي عموما.لقد مرّ قرن علي تشييد المسرح البلدي كمعلم بارز في سلسلة المعالم التونسية الغارقة وفي هذه الطقوس الباردة لليالي شهر كانون الثاني (يناير) كان الدفء مع هذه الاعمال التي اشتغلت عليها فرقة المعهد الرشيدي كأعرق مدرسة فنية موسيقية في البلاد العربية.في هذه السهرة الرائقة، وبقيادة الفنان الشاب زياد غرسة كانت الفرقة بكامل عناصرها في لحظات من التجلي الموسيقي والطربي تكريما لأحد أعلام الموسيقي التونسية الشيخ أحمد الوافي الذي كان له دور بارز في المألوف والعزف وقد رحل سنة 1921.تضمّن الحفل جانبا من الموشحات والتقاسيم الموسيقية من ذلك الموشح الشهير قاضي العشاق لأحمد الوافي ووصلات في مقام الإصبعين.وفي جزء آخر من الحفل قدمت المجموعة عددا من الأغاني الخالدة في الموسيقي التونسية منها بخنوق و يا خيل سالم و في الغربة فناني وقد اشتهرت بها الفنانة الراحلة صليحة.وفي سلسلة عروض الرشيدية الشهرية تقليد جميل يتمثّل في اقامة الحفلات بعنوان تكريمي حيث سيتم تكريم الراحلين محمد سعادة وقدور الصرارفي وخميس الترنان ورضا القلعي والطاهر غرسة ويُعدّ ذلك من أرقي مظاهر الجميل والعرفان تجاه أسماء لمعت في تاريخ الموسيقي التونسية الحديثة. وتعتبر التجربة الموسيقية والنغمية في تونس من أعرق وأبرز التجارب العربية في القرن المنقضي ولعل الموسيقي التونسية عبرت عن حيويتها المتجددة في عديد المناسبات والمحطات التي شكلت نقاط ضوء من خلال التجذر والتأسيس والتواصل مع الانفتاح علي الموروث الموسيقي العربي الاسلامي والمتوسطي. ويشكل المعهد الرشيدي أبرز الامثلة علي ذلك حيث تعد الرشيدية مدرسة من تلك المدارس الثقافية البارزة في تاريخ الثقافة التونسية والعربية المختصة التي عملت علي بعث تقاليد موسيقية جديدة واحداث أنماط صارت بها قبلة للعمل الموسيقي التقليدي والتجديدي التونسي في اطاره الدقيق من حيث العزف والاداء.وقد ظهرت الرشيدية التي تأسست سنة 1934 علي يد ثلة من المثقفين التونسيين وعلي رأسهم مصطفي صفر الذي كان يشغل خطة مدير التشريفات بالوزارة الكبري وشيخ مدينة تونس وقد سميت بهذا الاسم نسبة لمحمد الرشيد باي 1710 ـ 1759 وهو أحد الأدباء والفنانين الذين ظهروا في القرن الثامن عشر الميلادي في تونس حيث كان شاعرا ولها مولعا بالموسيقي التونسية والعزف علي بعض الاَلات وبرزت الرشيدية في ظروف سياسية واجتماعية صعبة، اذ اقترن تاريخ تأسيسها بتاريخ تصاعد العمل النضالي علي مختلف الجبهات والأصعدة الفكرية والعلمية فظهور الرشيدية في هذه الفترة السياسية أي فترة الثلاثينيات ليس من باب الصدفة بل هو عمل ثقافي من أبرز غاياته المحافظة علي الشخصية التونسية من الذوبان، اذ أراد المستعمر وأعوانه أن تنخلع تونس عن الحضارة العربية وينسلخ تراثها الموسيقي والغنائي عن الحضارة والثقافة العربية والاسلامية.وبرغم ظهور مؤسسات ثقافية عدة لها طابع موسيقي تقاسمت مع الرشيدية أهدافها وغاياتها، فان هذه الاخيرة ما زالت الي اليوم مركز إشعاع للعمل الموسيقي ولعل الذي جعلها تعيش الي اليوم متألقة هو إيمان المشرفين عليها بأن العمل الموسيقي الذي يقومون به يجب أن تتم المحافظة عليه ويجب تبليغه للأجيال اللاحقة.وعملت الرشيدية منذ تأسيسها علي تنمية التراث الموسيقي والعمل علي ايجاد نوبات أخري للمألوف واضافة مجموعة من الاعمال الموسيقية الفردية الي رصيدها وما زالت تعمل علي التعريف بالتراث الموسيقي التونسي لدي مختلف الشعوب وقد قدّمت عروضا موسيقية رائعة في عديد البلدان العربية والاسلامية والاوروبية ودعّمت كذلك النشر الخاص بالموسيقي حيث نشرت العديد من الكتب التي تعرّف بشيوخ الموسيقي في تونس من بينهم الشيخ خميس الترنان والشيخ أحمد الوافي كما نشرت كتابا يشرح مقامات الموسيقي العربية. الي جانب ذلك حرصت هذه المؤسسة الثقافية علي نشر مختارات من الاعمال الفنية التي قامت بها وضمّنتها أشرطة سمعية لتكون انموذجا للعمل الموسيقي الراقي.وعرفت المجموعة الرشيدية بعروضها الشهرية في الفضاءات التونسية مثل المسرح البلدي ودار الأصرم ودار حسين وبئر الأحجار وهذه الامكنة تزيد من روعة العروض وتبعث الجمال خصوصا مع عراقة الملابس والازياء التقليدية لعناصر الفرقة. كما تنتظم عروض ودروس في مختلف الاختصاصات بمقر الجمعية الرشيدية لفائدة الطلاب، فهناك دروس حول المقامات وأخري حول الاَلات المختلفة ودروس أخري حول الاداء وتحسين الصوت. وأشرف علي المجموعة الصوتية للفرقة الفنان والعازف الشهير الاستاذ الطاهر غرسة وقاد الفرقة المايسترو عبد الحميد بلعلجية وذلك لسنوات… وتمتاز عروض الرشيدية بالاقبال الكبير من طرف الجمهور نظرا لما تقدمه من مادة موسيقية ضاربة في عمق الوجدان والذوق امتاعا وابداعا.شاعر من تونس0