عبدالسلام العجيلي وقضية الحرية

حجم الخط
0

عبدالسلام العجيلي وقضية الحرية

ابراهيم العلوشعبدالسلام العجيلي وقضية الحريةفي حرب فلسطين عام 1948سجل ثلاثون عضواً من أعضاء البرلمان السوري أسماءهم للتطوع من أجل فلسطين، ولم يلتحق فعلياً بالجبهة إلا ثلاثة نواب أحدهم نائب الرقة الدكتور عبد السلام العجيلي! (كتاب جيش الإنقاذ).هذه التجربة في حياة العجيلي كانت معلماً فارقاً في أدبه ومحاضراته وأثرت في حياته ومعرفته وجعلت الحرية والدفاع عنها بنداً أساسياً في حياته، إذ طالما جعل تجربته في حرب فلسطين تلك وسيلة لنقد الأنظمة الفاسدة. فقصة نبوءات الشيح سلمان تفاجئنا اليوم بعد خمسين سنة من كتابتها بأنها صارت حقيقة مرة في الفساد والتكالب علي رضا الأجنبي والمحتل إن الخبثاء لا بد قادمون. أولئك الذين يبيعون أرضهم وملتهم ويتظاهرون بأنهم يضحون في سبيل الأرض والملة. ويأتي بعد ذلك الخونة الكاذبون، ثم خونة صادقون لا يبيعون الأرض، بل يتنصلون منها، كل هؤلاء سيأتي بدوره. من ينفض يده من فلسطين لأنها وقعت في حفرة أعمق من أن تلحقها يده المنقذة. ومن يبيع آلامها وأطفالها بفلس أو بضحكة امرأة، ويأتي من لحمه ودمه من تنصل من فلسطين لأنها تنغص نومه أو تفقر جيبه، بعد كل هؤلاء يأتي الآخرون، إذا كان من قبلهم قد قبض ثمن الذي باعه من تراب الأرض المقدسة أو من دم أهلها، فإن هؤلاء سيدفعون فوق الأرض ثمناً لخلاصهم منها ومن أهلها.حينذاك، حينذاك فقط، بعد أن يموت الناس ويحترق التراب ويحكم الفاشل ثم العاجز، تهتز جنبات الأرض وتحبل الأمة بالألم لتلد المنقذ المطهر- هل فهمت ما أقول؟ لم تفهم أمس عند الغروب، هل فهمت الآن؟ (جيش الإنقاذ ص 138) ومرة عندما تأتي الشرطة لمطالبة أحد مقاتلي حرب فلسطين بمسدس قد استلمه يقول المقاتل أضاعوا فلسطين ولاحقوني من أجل مسدس ! ولعل تجربته في حرب فلسطين وإطلاعه علي حقيقة ما جري حصّنه من الانجرار خلف الفساد مثلما انجر الكثير من المثقفين والكتاب الذين طوعتهم أربعون سنة من الأحكام العرفية وجعلت التملق وسيلة للعيش والترفع في الحياة العامة بل بالعكس فقد جعل العجيلي قضية الحرية أولوية في حياته وفي كتاباته وفي أسفاره. فعندما كتب عن اختراقه لأوروبا بقطار الشرق السريع كسائح شهد علي الستار الحديدي الذي أسدل علي شعوب أوروبا الشرقية وشعوب الأنظمة الموالية لها، عبَر متظاهراً بالجهل، لكنه يدرك مأساوية ذلك الستار الذي ظلت آثاره حتي اليوم علي شعوب منطقتنا… فعند الحدود اليوغسلافية يصف لنا هذه الحالة المزرية في حياة ذلك الشعب يذكرنا بأيام جحافل الازدحام علي السمنة والمحارم التي مرت بنا: وفي معاملات التحويل اكتشفت أنني لا أستطيع أن أشتري بالدينارات اليوغسلافية شيئاً لأنه لم يكن في محطة بلغراد ما يؤكل، لا في المطعم ولا في الأكشاك المغلقة، ولا علي الأرصفة المقفرة! لن تستطيع أن تجد كسرة خبز هناك إلا إذا كنت تملك بطاقة بها، وكنت تملك مع البطاقة الوقت الكافي للوقوف في الصف حتي يصل إليك الدور. وعبثاً كنت أبحث في محطة بلغراد عن بائع بسكويت أو شوكولاتة، فلم يكن هناك غير لوحات كبيرة، علي الطريقة الشيوعية لصور الزعماء السياسيين! وغير لوحة إحصائية تملأ أحد جدران المحطة، تبين عدد الكيلومترات من الخطوط الحديدية التي مدت في كل عام من الأعوام الخمسة الأخيرة، وهو عدد، كما هو مفهوم، متزايد طرداً عاماً بعد عام. (حكايات من الرحلات ص 57) (ص 60 ـ 61) وفي بلغاريا حين اكتشفوا أن لدي كتابين وآلة تصوير!! ألقي الشرطي الكتابين وآلة التصوير في الحقيبة، واستوثق من إغلاقها إغلاقاً تاماً، ثم جاء بخيط قنب وأحاط به الحقيبة، وعقده علي قطعة من الرصاص ختمها بخاتم معه، وأشار عليّ بأن عليّ أن لا أفتح الحقيبة حتي عبوري الحدود البلغارية مرة أخري في الجانب التركي.ثم غادرني بعد أن أفلح في إقناعي بحركاته وتصرفاته بأني حقاً قد اخترقت الستار الحديدي أكثر مما أقنعتني اللوحات المركوزة علي الحدود البلغارية اليوغسلافية. (حكايات من الرحلات ص 62) وحين طلعت علينا الشمس ووقف القطار في إحدي المحطات البلغارية الصغيرة في الصباح خيل إليّ أني أسمع دوي طبل قريب فأطللت برأسي من نافذة العربة وهناك رأيت طابوراً من العمال ومجارفهم ومعاولهم علي أكتافهم يمشون مهرولين وراء علم أحمر علي دوي الطبل في طريقهم إلي المزرعة، كان قماش العلم جديداً نظيفاً زاهي الحمرة، يخفق خفقاً قوياً في مهب نسيم الصباح، أما ثياب العمال فكانت أسمالاً ممزقة بالية وأحسب أنها كانت قذرة، وكانوا يهرولون في استكانة ما أظن أني أستطيع تسميتها نشاطاً… ہہہفالعجيلي ظل طوال حياته محتفظاً باستقلاله وحريته، فكان رغم كونه إنساناً اجتماعياً ومخالطاً للناس، كان يضع حداً غير مرئي بينه وبين الآخرين حامياً أوقات قراءته وتأمله وكتابته، وكان يسافر وحيداً ويقود سيارته بنفسه حتي آخر أيامه، وكان يقضي ثلاثة أشهر علي الأقل من كل سنة في السفر لئلا تبتلعه عادات المدينة الصغيرة والشبه قروية أو تبتلعه حمي البلاد وشعاراتها الجوفاء التي ساقت الناس إلي مزيد من الرضوخ وغياب الحرية وانعدام الفاعلية في حين أنه ظل نابضاً بالفاعلية من قراءة وكتابة محاضرات ومقابلات تلفزيونية حتي أواخر أيامه. لم تلن عزيمته أمام تهجمات كتاب ثورة الحرف ووصمهم له بالإقطاعي والبرجوازي والأرستقراطي في حمأة الجنون الثورجي، ولم يبد اهتماماً بالمقالات اللاذعة التي هاجمته وخاصة كتاب الأدب والأيديولوجية في سورية والذي يعتبر معلماً سلبياً في تاريخ الثقافة السورية اليوم!! وقد تجاوز كاتباه أفكار ذلك الكتاب وتطورا في منحي آخر أكثر عمقاً!!إنما كنت أري العجيلي مساء وهو يتمشي علي الجسر القديم وحيداً يتأمل النهر، يخلو إلي أفكاره، أحياناً أتحدث معه بعد استئذان بالسماح بقطع وحدته، ودائماً نتحدث عن أهمية أن نجد طريقنا كشباب بالعمل الجاد الدؤوب اكتبوا للصحافة، أصدروا الكتب، كونوا متواجدين دائماً فلا يجوز للأديب أن يبقي متوارياً…يتحدث عن أيام حرية الصحافة التي حرمنا منها نحن الجيل الذي ولد وترعرع في ظل الأحكام العرفية وغياب الصحافة الحرة. العجيب في الأمر أن الطريق الذي كان يمشي عليه العجيلي متحدثاً عن الحرية والصحافة والأمل تم تزيينه ببناء سجن عند مدخل الجسر القديم، الجسر الذي عبر مسري ذكريات المدينة .. أغاني الرقة القديمة: من فوق جسر الرقة سلم علي بإيده!!! ذكريات أهل الرقة عن فيضانات النهر ووصوله إلي هنا أو هناك أو حتي وصوله إلي الساعة في سنة كذا، وفي كتابات العجيلي ولا سيما روايته النهر سلطان التي تحولت إلي مسلسل تلفزيوني. كنا نظن أن هذا الطريق الذي كان يمشيه العجيلي كل يوم، وكان منتزه الرقة الوحيد في الأربعينات، سوف يبقي مرتبطاً بالذكريات الجميلة، وأن تبني إلي جانبه المقاهي والمطاعم، ولقد ظننا عند بدء البناء أن يكون مركزاً للأبحاث النهرية أو فندقاً جميلاً، لكنه كان بناء لسجن ومعتقل يعبر عن سمة العصر، في عالمنا العربي الذي عشناه حتي اليوم! العجيلي يرد علي ذلك بذكرياته، ويقول: إن عاملة المقسم أيام الخمسينات جاءت إليّ طالبة الإذن مني إن كنت أوافق أن تعطي رقم هاتف منزلي لرئيس الجمهورية. تصوروا هذا الخاطر السوريالي في عالمنا العربي اليوم: رئيس الجمهورية يستأذن مواطناً لأخذ رقم هاتف منزله!!! في حين أن رقيبا في المخابرات اليوم يعرف عنا كل ما يخطر علي بالنا وما لا يخطر أيضاً. ہہہلما عرفته كانت ذكرياته غير سعيدة عن كتاب ثورة الحرف الذين شنوا حملة شعواء ضده، وكان متحفظاً تجاه جيلنا الذي أتي بعدهم ولم يستوثق منا إلا بعد سنين طويلة، وكان واثقاً من صحة اختياره للحرية والاستقلال إذ بقي راسخاً مشهوراً. أما الذين بقوا من جماعة ثورة الحرف مثل إبراهيم الخليل وإبراهيم الجرادي وعبد الله أبو هيف وخليل الجاسم فقد وعوا متأخرين أهمية العجيلي وضرورة الاستفادة من تجربته والاعتزاز بها بالمواكبة مع فك الحصار العام عن العجيلي. وها هي الرقة التي غادرها العجيلي ما تزال تعتز به وتجعله أيقونتها ومصدر فخرها مع الفرات ومع ماضيها التاريخي كعاصمة للرشيد لمدة تسع سنوات في أوج ازدهار الدولة العباسية!! ونحن لنا أمل أن يصبح بيته متحفاً للعجيلي، وإننا نناشد الجميع أن يجعلوا هذه الأمنية دافعاً لأبناء الرقة ولأدباء سورية وللكتاب والمفكرين العرب جميعاً. كاتب من سورية وهذه ورقة قدمت في مهرجان العجيلي الثاني في الرقة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية