اقحوانة الديمقراطية في صحراء العراق
اقحوانة الديمقراطية في صحراء العراق ان اختيار المحكوم للحاكم هي وجهة من وجهات الحرية التي تميّز العصر الحديث، وربما تعتبر أهم وأصعب وأدق فصائل الحرية. ورغم اننا نعيش يومنا هذا عالما متطورا بتقنيته وعلومه ووسائل عيشه، فهو عالم العولمة وأنتشار الكلمة، عالم الفضائيات والهواتف المحمولة، عالم الحضارة وحقوق الأنسان. رغم كل هذا التطور والنهوض، تبقي بلداننا العربية تحت خيمة الدكتاتورية والتسلط وافتقاد الديمقراطية. لم تر عيون هذه البلدان البائسة نور الديمقراطية منذ أن نشأت الأنسانية والي حد يومنا هذا. وان جاء الأسلام بمبدأ (وأمرهم شوري بينهم)، فسرعان ما أندثر الأخذ بهذا المبدأ بعد انتهاء عهد الخلفاء الراشدين (رض)، وسرعان ما رجع حكم فرعون ووراثة التاج، وأستمر الحال الي يومنا هذا. وهكذا أراد الأمريكيون أن يدخلوا صفحات التأريخ المعاصر ويكونون أوّل من أدخل مبدأ الديمقراطية الي بلداننا الضعيفة، بعد ان فهموا بأن الديمقراطية لابد لها أن تسود سواء شاء الحكام أم لم يشاؤوا، وهذا طبقا لنظرية التطور والنشوء وخروج الأنسان من مرحلة الحيوانية الي مرحلة الأنسانية. الدكتاتورية في ظل التغيير العالمي أصبحت محاصرة بل ومهددة وعمرها قصير. ومن هذا المنطلق بادر الأمريكيون في مشروعهم الذي أسموه (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، وأرادوا أن يبدأوا فيه بالأعداء قبل الأصدقاء في تطبيق خطوات هذا المشروع الطويلة. كان العراق محطتهم الأولي بهذا الشأن، وهكذا فانهم قد أخطأوا في هذا المسار بمنطلقين. المنطلق الأول: هو ارتجالية الموقف وغموض المنهج والأخطاء الأدارية التي أرتكبوها في تفاصيل ادارة شؤون العراق والتي لا يسع المجال لذكرها وتفصيلها، وربما هي واضحة ومعروفة لكثير من الناس والمتابعين للسياسة الأمريكية في العراق. والمنطلق الثاني: هو خطأ الأختيار، حيث أنهم قد بدأوا مشروعهم الجبار باختيار أصعب وأعقد بلد في المنطقة في اطار تطبيق الديمقراطية. اذ أن العراق عبارة عن نسيج غير متجانس بشرائحه وأعراقه وطوائفه وأديانه ولغاته ومراجعه. وأن التباين والأختلاف في أمر واحد من هذه الأمور كفيل بأن يؤدي الي تقسيم وتفتيت بلدان لها حضارة وتأريخ ديمقراطي عريق ولها واقع متميّز بتطوره التقني والأجتماعي والسياسي والنفسي، فكيف في بلد متخلف وقد حكمه أعتي دكتاتور في التأريخ الحديث؟ في بلد لم ينعم بمشارب التطور والمدنية، ولم يعرف شبابه الاّ الحروب والعنف والقمع والتسلط والأضطهاد؟ ان تباينا اجتماعيا واحدا في مجتمعات العالم المتقدم كالتباين اللغوي مثلا، قد يكون كفيلا لدعوة الأنفصال والتقسيم. وعلي سبيل المثال وليس الحصر، ففي بلجيكا مثلا، وهي عاصمة البلدان الأوروبية، يتصارع فيها السياسيون المتكلمون باللغة الفلاميشية والسياسيون المتكلمون باللغة الفرنسية، وهذا الصراع قائم منذ نشوء المملكة الي حد يومنا هذا. فكيف ستصمد وحدة هذا البلد في ضلال الديمقراطية الوليدة؟الدكتور محمد مسلم الحسينيبروكسل6