الفنان العربي وفرصه الضائعة: لا يقيم في عصره ويلهث وراء ماض افتراضي!

حجم الخط
0

الفنان العربي وفرصه الضائعة: لا يقيم في عصره ويلهث وراء ماض افتراضي!

فاروق يوسفالفنان العربي وفرصه الضائعة: لا يقيم في عصره ويلهث وراء ماض افتراضي!(1) من يتابع العروض التشكيلية العالمية الكبري (تلك التي تحتضنها البينالات الرئيسية في مدن مثل فينسيا أو برلين أو ميامي أو تلك التي ترعاها المتاحف العالمية بشكل استثنائي) لا بد أن يلاحظ أن صناعة التحولات الفنية لم تعد حكرا علي فناني الغرب، فهناك اليوم فنانون قادمون من مختلف القارات يساهمون بشكل بارز في انجاز صورة الفن المعاصر، منحرفا عما نعرفه من قبل. وهي الصورة التي تكسب وجود الفنانين قيمة في الحياة العامة. فمن خلال نشاطهم المغاير تنفتح امام الانسان المعاصر طرقا تعينه علي تطوير ثقافته البصرية، بما ينعكس ايجابا علي سلوكه الجمالي والقيم الاخلاقية التي يعبر من خلالها عن ذلك السلوك. وسط تعدد الهويات الفنية هذا والذي فرضه اتجاه ما بعد الحداثة حلا للمأزق الذي انتهت اليه الحداثة الفنية، يعبر الغرب عن مركزيته من خلال اداء دور الراعي، الذي يكفل بديمقراطيته وما يخصصه من أموال هائلة للنشاط الثقافي استمرارية تطور الوعي بالحاجة الي ولادة فن جديد. وهو فن يسعي الي أن يكون عالميا بما ينسجم مع ما انتهت اليه سبل العيش من اختصار للمسافات بين الامم والثقافات المختلفة. هذا التحول فرض واقعا، صارت فيه الاعمال الفنية القادمة من ثقافات مختلفة تتجاور وهي في حالة من التناغم الذي يوحي بنشيد شامل لا تقطع أوصاله المواقع الدينية أو الاثنية التي تصدر عنها تلك الأعمال. فمثلما يحق لكليمنته وهو ايطالي أن يكون فنانا هنديا يحق لمني حاطوم وهي فنانة لبنانية من أصل فلسطيني أن تكون بريطانية. وهو حق نسبي لا يخدش نقاء المنحي الانساني الذي اتخذته افعال الفنانين، وهما يحاولان أن يجدا لخطواتهما مكانا علي خارطة الفن الجديد. هنالك اليوم وعي جمالي مختلف يستلهم مادته من فكرة التنوع والتعدد. وهي فكرة ديمقراطية أصيلة تنهض علي انقاض ما انتهت اليه الديمقراطية السياسية من زيف مظهري. وبالرغم من موقعه المركزي في كل ما يجري من تحولات فنية فان الغرب لم يعد المستفيد الوحيد من نتائج وافرازات تلك التحولات. هنالك اليوم جهات عديدة في العالم (ليس من بينها الوطن العربي) تغني ثقافة أبنائها بالكشوفات الواسعة التي يحررها الفن الجديد من مادتها الصلبة ليحولها الي منابع للخيال. ومن تسنح له الفرصة للتنقل بين المواقع الفنية علي شبكة (انترنيت)، لا بد أن يجد نفسه ازاء مواقع مختلفة المناشئ غير أنها تذهب مجتمعة الي الهدف عينه: اشاعة مفهوم جديد للفن، يكون في امكانه الارتقاء بحساسية الانسان الي مستوي استدراك الاخطاء التي نتجت عن حالة الاحتقان التي انتهت اليها الحداثة الفنية في الغرب. نحن اذن ازاء فن انساني ينتجه البشر مجتمعين، باستثناء العرب. (2)في كل مكان نري اليوم أعمالا فنية للهندي انش كابور والامريكيين جون هافا وتارا دونوفان وسندي شيرمان واليابانيين كازيو شيراكا وهيدكي انيوما والاثيوبية جوليا ميهريتو والبريطانية كيكي سمث والبولندي بالكا والبرازيليين ارنستو نيتو وليكس فليمنك ومني كوهن والبورمي شان شاو والكوري دو هوسا والاسبانية انجيلا ديلا كروز والسويدية ماريا فيربري والسويسري نوت فيتال والايرانية شيرين نشأت والكوري ساي كو كونغ والصيني اتا كيم والايطالي ميمو بلاديني والالمانية روزميرا تروكيل والفرنسية صوفيا غالا وسواهم من الفنانين الذين تشكل أعمالهم خارطة لحساسية جمال مختلف. اما العرب فلا يبدو وجودهم لافتا إلا من خلال أعمال المعمارية العراقية زها حديد، التي هي اليوم واحدة من أهم رموز عصر ما بعد الحداثة، اما مني حاطوم فهي تقدم بصفتها جزءا من المشهد االفني البريطاني، وهناك اشارات ذات مغزي مدهش الي أعمال المصرية الشابة (المقيمة في امريكا) شذي أمير. اما الفنانون العرب المقيمون في أوروبا (ولا أبالغ إذا ما قلت أن عددهم بالالاف) فينصب جل اهتمام الكثيرين منهم علي البحث عن مكان لهم في سوق الفن العربي، وهي سوق صارت تضيق مثل قبر، لاعتمادها علي مقاييس جمالية بالية، هي من مخلفات عصر الحداثة الأولي. يعتقد البعض من الفنانين العرب أن عزلتهم عن العالم يكمن سببها في عدم استيعابهم لتقنيات فن الانشاءات (التجهيز أو التأسيس حسب الترجمات المختلفة) والتقنيات الأخري التي تتعلق بالفيديو والاداء الجسدي وفن الأرض. وهو اعتقاد واه تنفيه طبيعة العروض الفنية المعاصرة، حيث امتزجت الأنواع الفنية ببعضها، ولم يعد تقويم العمل الفني يستند الي اسلوب بعينه أو تقنية بعينها. فالمكان الذي يؤثثه عصر ما بعد الحداثة بلقاه الفنية صار يتسع لكل ما من أنه أن يجسد فكرة العيش في عصرنا. تلك الفكرة التي لا تزال غامضة هي عصب الخلق الفني الذي يستمد قدرته علي التوتر من كل الازمنة ومن كل مكان تطأه قدما انسان. اما فن الانشاءات فان الاهتمام المبالغ به لا يقف حائلا بين فنان استوعب شروط المفهوم الجديد للفن وبين العرض، علي سبيل المثال، كابور لا يزال نحاتا ورساما وشيرمان لا تزال مصورة وبلادينو لا يزال رساما. غير أن ذلك لا يعني أن تخلف الفنان العربي في استيعاب التقنيات الفنية الحديثة هو مأثرة ينبغي تزيينها بالاطراء، بل العكس صحيح تماما. ذلك لان هذا التخلف هو واحد من أهم أسباب انحسار قدرة الفنان العربي علي ادراك اليات التحول الفني في العالم. فالفنان اليوم هو ثقافته وليس فطرته مجردة من كل معرفة. لقد كان الفنانون العراقيون (ولا يزال البعض منهم حتي اليوم) يكيلون المديح لفنان غرائزي رائد هو فائق حسن، وهو الذي ذهب لدراسة الفن في باريس في ثلاثينات القرن الماضي، يوم كانت السوريالية في أوجها، ليحبس نفسه في متحف اللوفر مقلدا رسوم ديلاكروا. وكانت فكرة الانطباعيين عن الرسم المباشر في الطبيعة هي خير ما قدمه ذلك الرسام لتلاميذه. اليوم، كل فنانينا هم بطريقة وأخري فائق حسن، من جهة حنينهم الي ماض أوروبي غابر. فبعد أن طويت صفحات تجربة الاسباني (تابيس) في أوروبا وهو لا يزال حيا، بسبب انتماء تلك التجربة الي محاولات الحداثة لانقاذ ما يمكن انقاذه من وجودها الاعتباري، نري عشرات الفنانين العرب لا يزالون يستلون خيوط خبراتهم الجمالية من نسيج تلك التجربة المهترئ. لم ينتبه اولئك الفنانون أن تابيس صار مجرد ذكري لحساسية جمالية ركنتها التحولات الاجتماعية والثقافية جانبا. لقد صار العالم شيئا آخر غير ذلك التي تحاول لوحات تابيس أن تصفه. (3)لم يكن الفنان العربي وحده غافلا عما يجري من حوله، لقد شاركه الناقد الفني مسؤولية ذلك النوم العميق. وإذا ما كانت مدافع نابليون قد أيقظت عددا من الرسامين العرب الذين صاروا يعبرون عن حيرتهم الاستفهامية فــــان بداهة الممكـــن أخذت نقاد الفن العرب الي هاوية سحيقة من سوء الفهم. لا يزال لدينا كتاب يعلنون عن استعدادهم لتأليف كتب عن تجارب محمود مختار واحمد الشرقاوي وجواد سليم وصليبا الدويهي وفاتح المدرس، تحت ذريعة أن تلك التجارب الفنية الرائدة لم تستوف حقها من الدرس. ولو كان اولئك النقاد يتحدثون عن التاريخ لفهمت دعواهم علي سوية مختلفة، غير أنهم كانوا يتحدثون عن الحاضر، وهم في ذلك انما يرتكبون خطيئة عظمي، يسرت أمام الفنان العربي الشعور بضرورة أن يعكف علي ماضيه، كونه منطقة لم يجر اكتشافها بالكامل. لقد نشر النقاد بين الفنانين عددا من الضلالات، كانت مصدرا لعوق خيالي عبر عنه الفنان العربي ببلاغة عزوفه التام عن الاقبال علي مبدأ حريته. لذلك فقد صار الصنيع الفني المنتج عربيا وليد وصفات جاهزة: الهوية، التراث، المحلية وما شابهها من مفاهيم سياسية مخيبة. لقد أوهم النقد الفني الفنانين العرب بان هناك فائضا من الوقت، بامكانهم استهلاكه في مراجعة الماضي والتغني بتفوقهم المحلي، فيما كانت التحولات الفنية قد تركتهم وراءها، حيث لا يعدهم جريهم اللاهث باللحاق بآخر عربات القطار.شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية