لبنان والانزلاق الي الكارثة
لبنان والانزلاق الي الكارثةفي ظل حالة الاستقطاب المفزعة التي تسود المنطقة العربية حالياً، باتت عملية الكتابة مغامرة محفوفة بالمخاطر، اقلها الاتهام بالانحياز الي هذا الطرف ضد الآخر، واغلبها الخروج بكم هائل من الغضب، والتهجمات، من جميع الاطراف، اذا اراد المرء ان يكون متوازناً، وينتصر للحقيقة بشجاعة وجرأة، ويوزع المسؤولية كل حسب دوره وحجمه.نحن هنا نتحدث بشكل خاص عن أزمتين اساسيتين، الاولي في فلسطين حيث الحرب الأهلية بدأت بين فصيلين وطنيين، وبدأت تسفر عن ضحايا ابرياء، هما حركتا حماس و فتح ، والثانية في لبنان، حيث اتسع الشرخ في الاسابيع القليلة الماضية بين ابناء البلد الواحد بحيث خرج عن كل الخطوط الحمراء، وبات مستعصياً علي الحلول والوساطات، وينبئ بانفجار حرب طائفية قد تكون اشد ضراوة من نظيرتها الحالية في العراق.العمود الفقري في الأزمتين هو وقوف الولايات المتحدة، وحكومات محور الاعتدال التابعة لها الي جانب معسكر في مواجهة آخر، عسكريا وماليا، فقد تعهدت بتقديم 128 مليون دولار لتعزيز الحرس الرئاسي الذي يعكف السيد محمود عباس رئيس السلطة علي تأسيسه بمساعدة مصرية ـ اردنية مباشرة، وغض طرف اسرائيلي واضح علي الاسلحة الحديثة التي تتدفق عليه. وها هي الدول نفسها ترصد مبلغ ثمانية مليارات دولار لدعم حكومة السنيورة في لبنان، واعادة جدولة الديون السابقة بطريقة تحرر الاقتصاد اللبناني ولو جزئياً من اعبائها الضخمة (حجم الديون وصل الي 42 مليار دولار).جميل ان يتحرك حلف المعتدلين الجديد، ويفرد عضلاته المالية، في التبرع بهذا المبلغ الضخم وغير المسبوق للبنان، فالشعب اللبناني المطحون بحاجة الي كل مساعدة، ولكن نخشي ان يؤدي هذا الكرم الحاتمي الي نتائج عكسية، وان ينظر اليه علي انه انحياز مع طرف واستفزاز لآخر. واذا وضعنا في اعتبارنا ان هذا المبلغ الضخم مشروط بتحقيق الاستقرار والأمن، فان الطرف المستفز (بضم الميم) قد لا يتورع عن اللجوء الي وسائل تجعل هذا الاستقرار بعيد المنال. فلبنان برميل بارود، وغابة بنادق، وجبل من الاحباط والاحتقان.واللافت ان الاطراف الاقليمية ذات النفوذ القوي في لبنان تتصرف بطريقة تسرّع الانفجار ولا تطوقه، فكيف يمكن ان تتوصل ايران والمملكة العربية السعودية الي تفاهم بشأن تسوية في لبنان دون اشراك سورية، او بالأحري بتجاوزها تماماً وهما تعلمان جيداً ان سورية لاعب اساسي في لبنان.لبنان ينجرف وبسرعة صاروخية الي حرب اهلية قد تكون مختلفة كليا عن نظيرتها الاولي التي مزقت البلد ودمرته في النصف الثاني من السبعينات. فالاولي كانت بين قوي وطنية واخري غير وطنية، بين اليسار التقدمي واليمين المحافظ المتحالف مع المشروع الاستعماري والاسرائيلي، اما الحرب القادمة اذا ما اندلعت، فهي حرب طائفية بالدرجة الاولي، وتغذيها قوي خارجية، حلف المعتدلين العرب الامريكي والهلال الشيعي الذي تحدث عنه الملك عبد الله الثاني الذي يمتد من ايران مرورا بسورية وانتهاء بحزب الله في لبنان.الحرب الأهلية التي نري ارهاصاتها واضحة في لبنان من خلال عودة القناصين الي سطوح العمارات، والحواجز العسكرية، واحراق الاطارات، واطلاق النار، والصدامات الطلابية، وخطوط التماس، هي امتداد جديد لنظيرتها في العراق الجديد ، و بروفة لحرب اكبر بين ايران من جهة واسرائيل والولايات المتحدة من جهة اخري.الشعب اللبناني يدفع من استقراره ودماء ابنائه تصفية حسابات اقليمية ودولية، مثلما يدفع ايضا ثمن انتصاره التاريخي المشرف علي العدوان الاسرائيلي الذي استهدف بلاده في الصيف الماضي، وهو الانتصار الذي حطم ثقة الاسرائيليين بمؤسستهم العسكرية، وجعل الكثيرين يحزمون حقائبهم طلبا للأمان خارج فلسطين المحتلة.الحرب الاهلية الاولي في لبنان استمرت سبعة عشر عاما، وأكلت الاخضر واليابس ولم يخرج منها اي احد منتصرا. ويعلم الله كم ستستمر الحرب الاهلية الجديدة في حال اندلاعها، وكم ستكلف اللبنانيين بشريا وماديا.العناد هو المسيطر حالياً علي الطرفين، وهناك من يغذيه من الخارج، لمنع التوصل الي وفاق. اما العقلاء فقد اختفوا، او لم يعد أحد يستمع اليهم للأسف. والنتيجة كارثية علي الجميع.9