يوميات الوحشة
عزت القمحاوي يوميات الوحشةالاثنين: السيوي أونغاريتيعادل السيوي رسام يمتلك ريشة مثل لسان الثرثار؛ تتدلي خارج اللوحة بطموح تلوين الهواء بألوان البهجة. ولذلك فهو دائب الحركة بين المرسم ولقاءات أدباء من أجل التغيير ومحاولات اصدار مجلات للفن التشكيلي، والاستجابة لغواية الترجمة مستفيداً من اقامته السابقة بايطاليا واتقانه للغة الايطالية. وقد سبق للسيوي أن ترجم من قبل ليوناردو وبول كيلي، لكنه منذ العام 1990 وقع في غرام جوزيبي أونغاريتي الشاعر الذي يعد ارثاً متوسطياً مشتركاً، فقد ولد وعاش صباه في الاسكندرية وتنقل بجسارة رحالة بين باريس وروما والبرازيل، لكنه علي الرغم من هذه الجسارة في الارتحال عاش يدور حول المفردات بحذر بالغ.ربما وجد السيوي أوجه تشابه بين قصيدة أونغاريتي واللوحة التشكيلية، فقصائده لاتقدم معني واضحاً بقدر ما يمثل رصف كلماتها القليلة طاقة موحية تُحس وتتسرب الي اللاوعي ملمومة بحياء علي معانيها. وقد وصلت مغامرة السيوي الي نهايتها السعيدة وصار أونغاريتي كاملاً للمرة الأولي بالعربية، في مجلد أنيق صدر عن دار ميريت مقمطاً بلوحة هي أحد أقنعة السيوي المتعددة. نسختي صارت في يدي والمغامرة تستحق الانقطاع عن عالم ليس فيه ما يسر. الثلاثاء: كونكآبتي الخاصة، كآبة الأخبار، أم كآبة أونغاريتي تسللت من قراءة الليلة الماضية، ترددت في ذاكرتي التي نادراً ما تحتفظ بشيء القصيدة التي انتهت بها قواي في الليل:بالبحرصنعت لنفسي نعشاً من طزاجةالأربعاء: بشر وآلهةفي طفولتي، أتذكر، كان الاسرائيلي كائناً خرافياً؛ قوة قتل واحتلال مثلما هو الآن في الحقيقة، لكنه كان بلا وجه تقريباً. الآن صرنا نراهم ونستمع اليهم ونقرأ عنهم، ونقرأ لهم. ولم يعودوا كتلة أو رأساً واحداً، بل هناك من يشن الحروب وهناك من يعارضها (من دون أن يمنعها طبعاً) ولم يجعلهم هذا أقل وحشية، بل صرنا نري الوجه البشري لوحشيتهم، ولم يعد لهم ذلك الوجه الالهي أو الأسطوري كلي القدرة وذلك أفضل جداً في الواقع، فأنسنة العدو خطوة علي طريق التكافؤ ان لم يكن علي طريق هزيمته. ولكنني ـ بتأثير من ميراث الطفولة ـ أعود الي الدهشة الأولي وأنا أتابع أخبار اتهام الرئيس الاسرائيلي موشيه كاتساف بالتحرش الجنسي، أو اتهامات أولمرت بالفساد. وللمفارقة فان هذه الأخبار تتواتر في وقت تتداول فيه صحف ومواقع الكترونية أخباراً عن عراقيين رأوا صورة صدام حسين علي سطح القمر، وعن آخرين شموا عطره يعبق أجواء العوجة !زعماؤهم يشتهون النساء ويمدون أيديهم علي المال العام، وزعماؤنا يعيشون بلا شهوات، ولا متطلبات حياة تستدعي امتداد اليد كما يليق بالآلهة، زوجاتهم راضيات بالراتب المحدود، وأولادهم يكتفون بمصروف جيبهم الصغير.ولشديد الأسف لا يأتي موتهم بفرصة لانتباه الأحياء، الي حقيقة أننا والاسرائيليين نمضي في وجهتين متعارضتين. هم باتجاه الأنسنة، ونحن باتجاه الخروج من التاريخ. وكلانا يستعجل الرحلة.الخميس: تهجينقلت مازحاً لصديق لبناني عندما كانت المظاهرات أنيقة وتحتمل المزاح. مشكلتكم أن لديكم حيوية زائدة علي قدرة هذا البلد الصغير، والحل في رأيي هو توزيع اللبنانيين علي الخريطة العربية، لتحقيق ثلاث فوائد: تحسين النسل، احياء البلدان المفرطة في النوم، واراحة بعضكم من بعض!الآن لم يعد هناك مزاح، الدم بدأ في صبغ الأعلام المرفوعة كمصاحف الفتنة الأولي. والجميع يدفع باتجاه الحرب الأهلية من جديد؛ مليارات الغرب في مواجهة الدعم الايراني، ولينهدم المعبد علي رؤوس الجميع، فلا أحد يهتم بالصبايا والشباب الماشين الي حتفهم من دون أن يفهموا أو نفهم. الجمعة: الخوف من النهارالبصيص الخفيف للضوء وامتلاء المثانة وحدهما يثيران حدسي بميلاد نهار جديد. صوت التليفزيون القادم من خارج الغرفة لم يعد يقدم عوناً في فرز الليل من النهارمنذ أن بدأ عصر البث علي مدار الساعة، وقد بدأ الأولاد عطلة نصف العام، وارتحلوا الي مناطق التوتر بضغطات متلاحقة علي الريموت كنترول. بين النوم واليقظة أحس بحشود اللبنانيين تتدافع عبر الشرفة، بينما كان جحيم العراقيين علي الناصية الأخري يتقدم صوب البيت. واصلت الهروب في سريري حتي آخر احتمال للمثانة. تطلعت الي الساعة، ورأيت بصعوبة أنها قد تجاوزت الثانية عشرة ظهراً. والتليفزيون أنهي مكيدته بمعجزة، رفعوا الحظر عن قلب بيروت هكذا قالت المذيعة بصوت جاد حفزني علي مغادرة الفراش. خطوت صوب الشرفة، تطلعت من خلف الزجاج لم تكن هناك حشود. فقط كانت عدة لفائف من صحف الأيام الماضية، بعضها فوق أصص الزرع، بعضها علي المقاعد، أو علي البلاط، حسب قوة مندوب الاشتراكات الذي يطوحها كل صباح الي شرفتنا في موعد مبكر لا أستيقظ فيه أبداً لأشكره وأصارحه بأنني لم أعد بحاجة اليها. جلست أعد قهوتي، وطلبت من الأولاد التحول الي احدي قنوات الغناء، لكنهم تشبثوا بجبهة القتال. بنية صادقة للانصراف الي تفاصيل صغيرة، قلبت سجل مكالمات الموبايل، وجدت اشارة مكالمة سابقة من صديق.أهتف له لأرد المبادرة. يبلغني بوفاة شقيق صديقة مشتركة، كان ينتظر منذ شهر عملية زرع كبد.نتفق علي موعد لتقديم العزاء في المساء.أتحسس أعضائي وأرثيني.0