عودك وعودك يا سيمون

حجم الخط
0

عودك وعودك يا سيمون

هيا صرصورعودك وعودك يا سيمونقبل ثلاثة اشهر علمت ان سيمون قادم الي هنا في كانون الثاني/ يناير، فبدأت الانتظار. شهر قبل لقائه كانت صديقتي قد اقتنت لنا تذاكر لحضور العرض ويوم قبل ذلك كانت الاتصالات كثيفة، ممن لم يحصلوا علي تذكرة، للبحث عن واحدة ربما بالصدفة لم يأخذها احد بعد!مساء الاثنين وعلي قمة جبل الكرمل في مدينة حيفا ـ بلد ثورتي السياسية وأنا في جيل المراهقة ـ كانت الجماهير تتوافد من مختلف القري والمدن الجنوبية في النقب، والشمالية في الجليل والوسطي في المثلث ومن القدس ايضا الي قاعة الأودوتوريوم للاستهلال بلقاء روحي وجداني من أبداع قنطرة الموسيقية التي أسّسها الفلسطيني المغترب، ابن قرية ترشيحا الموسيقار سيمون شاهين.أنصات لم أشهده من قبل خيّم علي الحاضرين انسجاما مع الألحان التي كانت تلاطف أحاسيسنا حتي أنني ولوهلة ظننت نفسي وحيدة هناك. ربّما كان الحضور غارقا في دوامة المشاعر كما كنت أنا. مشاعر التقاء حضارتنا العربية المنبعثة من أوتار العود ومن الأيقاع مع الحضارات الأخري المحلقة من الساكسفون والفلوت أو كما وصفتها عريفة الحفل يعزف شوبان فيردّ عليه السّنباطي . مما لا شك فيه انني كنت استمتع بسماع التعابير والحركات الموسيقية القادمة من الجنوب الأمريكي ومن التاريخ اليوناني ومن البرد الروسي ولكن متعتي كانت تكتمل مع اندماج التراث العربي الموسيقي المليء برهافة الحسّ ودفء الانفعال. كأنني أصغي ولكن أنتظر. أصغي بهدوء وتركيز بل أصل الي حالة من الصفاء الوجداني والتواصل مع عظمة الله في انسيابية مقطوعة أبتهال وأنتظر انفعالي وخفقان قلبي وحماستي مع دخول معزوفة عراق بنغماتها الشعبية وأيقاعاتها المتغيرة وألوانها المتناقضة.لم يكن سهلا عليّ الاستمتاع بروعة الأصوات الموسيقية وبسحر براعة سيمون، دون الغوص الذّهني في ما يجري حولي بل حولنا في وطننا العربي. فمع ابتهال وجدت فكري عائدا الي فيلم الرسالة وعظمة المعاني والرسائل التي استطاع مصطفي العقّاد ان يجسدها من خلاله وشعرت بالخسارة الكبيرة التي ألمّت بنا حين قتل في تفجيرات عمان، ومع فنتازي للعود صال ذهني في أروقة بعض قنوات التلفزيونات العربية وما تعرضه وتفرضه علينا من سوء استعمال للموسيقي العربية وتشويه لتراث التقاسيم الأصيلة، ومع عراق لم استطع الاّ ان أعود الي ما يجري في العراق الحبيب الذي نراه حزينا يمر في أصعب حالات الدّمار والانكسار، هذا العراق الذي طالما أشعرني بالعزة القومية، والذي دوما أمدّني بشعور الأمان المستقبلي اذا لم يكن متوفرا لي اليوم كفلسطينية. أخذني الي التاسع من نيسان يوم سقطت بغداد تحت سلطة من يعيدون قانون الغاب الي البشرية، ويضعون المصالح الرأسمالية وحبّ السيطرة فوق كل قيمة أخلاقية. أعادني الي شعور اليتم الذي أصابني يومها، فكما يشعر الطفل حين يفقد أمه أو أباه شعرت أنا حين أهانوا حضارتنا في العراق. وليس صدفة ان قام الجمهور بالتصفيق الحارّ حين عرّفنا سيمون علي هذه المعزوفة، فربّما هم أيضا كانت أرواحهم تحلّق فوق العراق.ربّما كان هذا هو سبب صمت الجمهور المنصت الي التناغم الجميل بين الآلات الموسيقية، والذي أدّي بسيمون الي مخاطبتنا سائلا أيّانا ان نسمح لأنفسنا بالتفاعل مع الألحان كقول يا سلااااااااااااااااااااام أو أللللللللللللللله ….سيمون وان كان مغتربا فأنه ببراعته هذه يوصل الينا والي شعوب العالم فنّا عريقا، ويؤكّد أن سياسات تهجير أصحاب الأرض من قراهم ما هي ألا ضعف وخوف من الحضارة وصنّاع الحضارة. انا ونحن وهم جميعا بانتظار عودتك مع عودك يا سيمون. كاتبة من فلسطين2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية