لماذا يدمرون هذا الوطن الجميل… لبنان؟

حجم الخط
0

لماذا يدمرون هذا الوطن الجميل… لبنان؟

مطاع صفديلماذا يدمرون هذا الوطن الجميل… لبنان؟العراق في قلب التهلكة الجماعية. المجازر اليومية أبطلت الحديث عن التوقعات الكارثية، عن الدفع نحو شفا الهاوية. فالسقوط إلي القاع هو الحاضر الراهن؛ وما بعد السقوط ليس موضع اهتمام من أحد. أما لبنان لأنه لا يزال متشبثاً بشفا الهاوية. لحظته (البطولية) إن صح القول، أنه أمسي يقاوم الكارثة الداخلية، بعد أن أحبط وقاوم العدو الخارجي خلال الصيف الماضي، إنه ينتقل من مرحلة المقاومة ضد الغزو العسكري، إلي لحظة المقاومة ضد الغزو السياسي الجواني. الغزو الذي يستهدف تحطيم كيانه التاريخي الذي عجزت حروبه الأهلية طيلة الربع الأخير من القرن الماضي عن تطوير الصدوع التي أحدثتها إلي انشقاقات فاصلة حاسمة. كأنما المهلكة الحالية، عليها أن تكمل وتنجز ما لم تستطعه في أوائلها وسابقاتها من نكبات الماضي القريب.التحدي الأعلي الذي تواجهه حضارة لبنان ليس في انتصاره في الحرب القادمة بوسيلة الحرب، بل بالسلم وحده. إنه السلم الذي هو حقيقة المقاومة قبل أن تضطر إلي مواجهة السلاح بالسلاح. كل أفضلية الرهان الحالي علي أشباهه الماضية، هو أن ثقافة المقاومة راحت تمارس أعلي جهوزيتها الإنسانية، قبل العسكرية، فتجعل نيران الفتنة تشتعل فقط في أيدي أصحابها، دون أن تتمكن من قذفها إلي أجساد ضحاياها. ما نقوله أن معركة بيروت خلال الأسبوع الماضي، من يوم الإضراب الطويل، الي افتعال اقتتالات الجامعات، ومن ثم إلي انفجار اقتتالات الشوارع والأزقة، هذه المعركة تطرح العنوان الواحد حول رفض الفخ الدموي الأكبر المنصوب للبنان، وللمشرق العربي كله من حوله. وهو العنوان الذي تزدحم تحته الاحتمالات المتناقضة. ويمكن تعداد بعضها كما يلي: في لبنان الطوائف والمذاهب والأعراق، حدث لأول مرة في تاريخه الحديث أن انخرطت فئة واحدة في حرب قادرة علي الاصطفاف في خانة الحروب الوطنية وليس الطائفية، القومية وليس القطرية فحسب، الإنسانية التقدمية وليس العنصرية. فكان لها أن تبتعث شيئاً من ذاكرة الصمود العربي، من قصة الصراع الوجودي مع إسرائيل. وأن تحيي الأمل مجدداً بإمكانية سحب ومحو الخارطة الفئوية التقليدية، تحت وطأة خارطة جديدة تستوحي شيئاً من ثقافة الحداثة المدنية. وبالتالي العمل علي تنمية معاني الإنجاز الاستثنائي ذاك، واجتراح مشروع واقع نموذجي آخر ضداً علي النموذج العراقي الذي يتم العمل الدؤوب، بعد محاولة تجذيره في أرضه، علي تصديره إلي أوسع محيط عربي وإسلامي حوله.وبالطبع يبدو لبنان هو القطر المرشح أكثر من سواه لتلقي جرثومة الوباء العراقي، التي يمتلك هو جراباً غاصاً بصنفها المسموم، والمدفون تحت جلد رقيق من السلم الأهلي المخادع. فقد استوطنته كل الأسباب الموضوعية والمصطنعة الباعثة علي الفتن. حتي أضحت الفتنة هي آلية التغيير الوحيدة الممكنة الآخذة بتلابيب مجتمعه، والمفروضة علي مسيرته كإيقاع كارثي محتوم، ما بين كل مرحلة وأخري. والتغيير الناجم عن كل حقبة تَهْلُكَةٍ تتلخص في الاجهاز علي مرحلة النهوض المسجلة خلال الفسحة الزمنية، أي الهدنة بين تهلكتين. هكذا يتحدد الزمن اللبناني عبر التعايش بين خيار من ارهاصات الحرب، أو التساقط في أوارها.ليست المسألة أن يتعظ جيل الحرب من آثارها التدميرية الرهيبة كيما لا يقع أبناؤه في تكرار المصيدة السابقة عينها. فالواضح من مسلسل الفواجع الجماعية المضطرد في أمثولاته منذ ستينيات القرن التاسع عشر، أي منذ بداية ما يعرف باسم (المسألة الشرقية) المقترنة بالتدخل الغربي الأوروبي في عمق الشؤون السياسية والثقافية لإمبراطورية آل عثمان، ومن البوابات الجانبية الضعيفة في طرفي كيانها الممتد من عمق أوروبا الوسطي وجنوبها إلي بلاد الشام. فكان لبنان هو الساحة المفضلة للاختراق الأوروبي، ومن قبل معظم دوله الكبري التي اختارت كل منها الطائفة التي تناسب عقيدتها وسياستها، وتعهّدتها بالرعاية أو الحماية المباشرة.لبنان الحاضر لا يكاد يختلف كثيراً في معطياته الطوائفية عما كان عليه ما بين مرحلتي الحماية فالانتداب الفرنسي إلي عهود الاستقلال الوطني المقترنة حتي اليوم بفصلين بارزين من مسيرة الاقتتال الأهلي المتناوب، إلي جانب وقائع أخري تفصيلية، لكنها من فصيلة الصدام السياسي العنيف المستدام. غير أن احداث الأسبوع المنصرم لا تبشر أهل بيروت خاصة إلا بالمهلكة الكبري هذه المرة. إذ سوف يتحول لبنان كله إلي جبهة واحدة متداخلة ما بين الجماعات السكانية، وفي عمقها المديني. إنها حرب الاسلام المذهبي علي ذاته؛ كما أنها حرب المسيحية ما بين حزبي التسلط علي مقدراتها الداخلية. وبالطبع فالمحصلة هي حرب الجميع علي الجميع.هذه الصورة الرهيبة يعرفها المخيال الاجتماعي، ويتوقعها الزعماء السياسيون الحاليون الذين سينقلبون إلي قادة ميليشيات، كما كان أكثرهم من قبل، ومنذ حرب الخمسة عشر عاماً غير المنتهية بعد، والتي أغلقت جروحها علي زغل. فما بين يومين فقط من هذا الأسبوع الكئيب صار الانفجار الأعظم قاب قوسين. بل إن اقتتال بعض الشوارع كاد يتطور إلي اقتتالات المدن كلها ساحلاً وجبلاً وسهلاً. فالموت مهما توقعه الإنسان إلا أنه يحل فجأة دائماً. وكان الزعماء منهمكين ولا شك في اعداد مهرجان الاستقبال بكل أدواته التحريضية والتسليحية الأولية. ومع ذاك فما حلّ في الشوارع ووقع في الأزقة كان يفوق توقع النصر أو الهزيمة. إنها المواجهة المادية والدموية مع النموذج المصغر الذي سوف يسيطر علي كل حي وكل مدينة.هذه التمارين الأولية علي معاشرة الهول الأعظم القادم من شأنها أن تفرض علي عقول الجميع البداهة الواحدة، وهي أن الفتنة ليست أكره الحلول لكنها هي الناسفة لأسس كل حل قبل أن تظهر معالمه. والفتنة إذاما اندلعت، إذا ما خرجت عن السيطرة، لن تترك أحداً يبحث عن صانعيها ومفتعليها، بقدر ما يكون فقط منهمَّاً بتعداد الضحايا لدي أعدائه، ودون أي اعتبار لضحاياه هو بالذات. ومع بداية هذه التمارين الخبيثة شرع قادة الساحات في التبرؤ من تبعاتها، وادّعاء فقدان السيطرة. هذه العبارة (فقدان السيطرة) هي الحجة المركزية التي سيختفي وراءها مهندسو الموت، وصنّاع المهالك ما أن تتوالي فصولها ويعم خرابها البلاد كلها.مهما يمكن أن يقال أن الفتنة هي هندسة خارجية أصلاً، وأنها حجر الأساس في المشروع الشرق الأوسطي، وأنها استنساخ للعرقنة كيما تعود إلي أصلها في اللبننة البائسة، المؤسسة لذاكرة الاقتتالات الأهلوية في المشرق، فإنه يتبقي الدور المركزي للمنفذين علي الأرض. فالفتنة مهما عمل علي اعدادها وتمويلها الخارج المعادي الا أنها تظلا علامة انفجار الخطأ الأكبر، الكامنةُ أصولُه في بنية التكوين الذاتي للمجتمع المدفوع والمندفع إلي هاويته الأخيرة.فاللاعبون المحليون هم المسيطرون أولاً علي أرض المعركة، وبالتالي تُترك لهم حرية التدابير المباشرة، وقد يتفوق بعضهم علي ذكاء الأسياد المخططين، بما يبتكرونه من أحوال المهالك وأساليبها. فالمباريات الشيطانية مفتوحة بين (ورشات) أو فرق الموت، كما في العراق، وبين هؤلاء المنفذين جميعهم وأسياد الاحتلال وأعوانه المباشرين. لن يخرج الأمر في لبنان كثيراً عن أمثولات بلاد الرافدين، إذا ما تهاوت آخر حصون المعاندة والممانعة ضد المحنة المرسومة.من هنا تجيء خطوط المراهنة الفاصلة التي لا يزال يتشبث بها الرأي العام المدني في لبنان وهو علي شفير الهاوية الأمريكية المفضوحة بكل رموزها وشعاراتها وأدواتها. إنه يرفض منطق الانسياق الغريزي، والانجرار الأعمي، بالرغم من شعار التعبئة المذهبية. وهو لا يزال يتطلع إلي امكانية إنتاج مقاومة مدنية ضد العدو الداخلي، تترجم بعض المعاني الوطنية المكتسبة من إحباط العدوان الاسرائيلي خلال الصيف الماضي. إنها المقاومة الأخري التي لا يحدها حزب ولا طائفة أو مذهب، والتي يجد فيها كل مواطن حر نفسه بين نفوسها، ويلقي له مكاناً في صفوفها. إنها لحظة وعي وطني وكفاح شعبي حقيقي غير مسبوق من أجل إحباط الفتنة، من أجل حصر وحصار النار في أيدي موقديها قبل أن تندفع إلي جنبات البيت كله.ليس النصر في الفتنة لطرف علي الآخر، لكنه النصر (علي) الفتنة نفسها، قطعُ الطريق عليها قبل أن تسد طرقات السلام كلها في الوطن اللبناني الصغير الجميل، قبل أن يمسي قيد التدمير الشامل لكيانه. فالفتنة القادمة يراد لها أن تتوج مسيرة الحروب الأهلية، وتتفوق عليها جميعها. فإن عجزت اقتتالات الخمسة عشر عاماً عن تثبيت خارطة تقسيم طائفي مناطقي، ولكن دون إعادة وحدته الوطنية الا في ظل وصاية نظام استبدادي، كاستطالة رعناء ممتدة من الجار السوري ضداً علي إرادة شعبه المغلوب علي أمره، فإنه ينبغي تعجيز اللحظة الراهنة من مصير لبنان عن إعادة إنتاج المفتنة الكبري المنتظرة، علي حطام الفتنة الصغري سابقتها. إنه الأمر اليومي التاريخي بتفعيل هذا التعجيز الذي ليس له حزب معين أو طائفة أو مذهب. إنه حماية لبنان من قبل أهله، كل الأهل.لقد وقعت مناورة أولية في محاولة توطين الفتنة خلال الأسبوع الأسود المنصرم، جاءت بالتهديد الأعظم. لكنها في الوقت عينه أعطت المثال وضده. وهذا (الضد) لا يـــزال في طور الأمل والتوقع. ومع ذلك برهن لكل الأفرقاء أن خيار الامتناع عن المجازفة النهائية ما زال قائماً، وإن راح يخسر أوراقه بسرعة مخيفة. وربما اعتذر البعض بأن عناصر الحرب ليست متوفرة بالرغم من الدعم السياسي والمالي من قبل البوشية المستنفرة بكل نواياها الشريرة قبل الانطفاءة الأخيرة.لكن المسألة سوف تتوقف طويلاً علي اتخاذ الموقف من هذا الخيار، من سوف يأخذ به طوعاً، ومن سوف يجبر عليه قسراً. فالانتصار علي الفتنة قبل وقوعها هو خيار المقاومة المدنية الصاعدة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية