الاستراتيجية الامريكية بين التغول والانكفاء

حجم الخط
0

الاستراتيجية الامريكية بين التغول والانكفاء

د. فهمي شريفالاستراتيجية الامريكية بين التغول والانكفاء اعتمدت الاستراتيجية الامريكية خلال الحرب الباردة علي نظرية (زبيغنيو بريجنسكي) مستشار الامن القومي في ولاية (جيمي كارتر)، المسماة (الضرب في اسفل الجدار)، والتي تفترض نظرياً، ان الضرب المتواصل علي اركان الجدار، سيؤدي الي انهياره لا محالة.وهذا ما حصل، حين اشاعت امريكا حالة الاحتواء واحاطت الاتحاد السوفييتي بسور من القواعد والاحلاف، واشعلت حوله الحرائق في اكثر من مكان في العالم، وهي تعمل في الوقت ذاته علي نخره من الداخل، والاهم من كل ذلك، التصعيد في معدلات سباق التسلح الذي بلغ مستوي خطيراً بات يؤثر علي معدلات الناتج القومي للاتحاد السوفييتي، بان يكون التصعيد في التسلح العسكري، علي حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، عندها تهدم جدار الكرملين، ثم تداعت جدران المنظومة الاشتراكية التي كانت (تتكيء) علي جدار الاتحاد السوفييتي، وتداعي وتهدم جدار برلين.وفي اثر الانهيار الشامل لجدار الاتحاد السوفييتي الحديدي، وجدران المنظومة الشرقية، تصدعت الاحزاب الشيوعية الاممية تاثراً، فيما بدات الانظمة السياسية، التي كانت (تتكيء) علي جدران الكرملين بالانهيار الواحدة تلو الاخري.ان انهيار الجدار قد عري واقع من اتكيء عليه بوصفه يعتمد علي غيره دون ان يكترث لشروطه الذاتية ومقوماته الموضوعية في البناء والحماية، انما ترك مصيره معلقاً علي جدران الكرملين بانه السند القوي الذي يحمي المراد والعباد من تصاريف الزمان الذي لا يؤتمن، ولم ينتبه احد الي قانون (ضمورالقوة) . فالجدار يستهلكه الزمن، وقوته في البقاء والصمود تضعف مع الزمن، شان ذلك شان الكائنات الموجودة علي الارض، ومنها الانسان الذي يولد وينمو ويترعرع ويشيخ ويهرم وينتهي الي الارض بفعل شريعة السماء وقوانين الطبيعة التي وضعها الواحد الاحد.حتي الذين يركبهم غرور القوة من المتغطرسين الافاقين المارقين الذين يحللون ابادة الاجناس البشرية التي خلقها الله بقدر، وينهبون ارزاقها التي وهبها الله لها، ويتمسحون بغطرسة القوة، وهم اضعف ما يكونون، حيال الحق والعدل والانصاف. انهم امام الحق كائنات دنيا، لا بل، غير ذلك، لان كل الكائنات التي خلقها الله، لها وظيفة مثلي في اعمار الارض، وتوازن الطبيعة، فما هي وظيفة الذي يركبه غرور القوة وغطرستها؟!القوة لا تبقي علي حالها، وعناصر فنائها في داخلها، تنخر بها دون ان يعلم المتغطرس او المدفوع بغرور القوة حتي ينهار مع لعنة التاريخ. كانت دول الاستعمار في سالف الزمان، دولاً قوية وتسمي نفسها بالكبري والعظمي، ثم فعل قانون الضمور فعله وصيرها امبريالية من الدرجة الثانية او الثالثة، مثل فرنسا وايطاليا واسبانيا وهولندا والبرتغال وبريطانيا وغيرها. ولم يعد امام امريكا وغرور قوتها وغطرستها الا ان تخضع لهذا القانون، الذي سيجعل منها امبريالية، ربما لا تجد لها توصيفات ما وراء جدران العزلة، تطاردها اللعنة الابدية واشباح ضحايا (هيروشيما وناكازاكي) وضحايا فلسطين وفيتنام وكوريا وهاييتي والصومال وليبيا والسودان والبوسنة والهرسك وافغانستان والعراق، الذين يعدون بالملايين من البشر!!جدران الشرق الاوسط !وكما ان للكرملين جدارا سميكا قد تصدع وتهدم، وتداعي خلفه من كان يتكيء عليه، فإن منطقة الشرق الاوسط ، فيها جدران لم تكن بسماكة جدار الاتحاد السوفييتي، ولا بضخامته ومتانته، ولكن صغار العقول يرون فيها جدرانا يمكن الاتكاء عليها تحسباً وتوجساً وملاذاً. والجدران هذه يشوبها شيء من المفارقة، وشيء من التداخل، وهي محكومة بغرور القوة، بالرغم من دعوات (المظلومية) من جهة، ودعوات (الحرية والديمقراطية) من جهة اخري في ساحة واسعة شاسعة تحمل من التناقضات ما يكفيها ان تفجر اوضاعاً مروعة، طالما تضم بين ظهرانيها فسيفساء التكوين الاجتماعي، والتفاوت الفاحش في الدخول، وتناقضات المصالح القطرية والاقليمية.. فدول المشرق والخليج العربي تتكئ علي الجدار الامريكي وتستقوي به، والبعض منها هرول مسرعاً ليضع بيضه كله في السلة الاسرائيلية ثم اتكأ علي الجدار الاسرائيلي، اعتقاداً منهم بانه يحميهم ويحمي مصالحهم وحتي وجودهم. واعتقادهم هذا يشوبه الكثير من المغالطات، التي قد تقنع ذات الحكومات المشرقية والخليجية بان خيارها صائب، الا ان معايير علم السياسة تؤكد مسلمتين، الاولي: هي ان الجدارين الامريكي والاسرائيلي لا يحميان غير مصالحهما، وما يدعم ذلك (مبدا كارتر)، الذي يؤكد ان منطقة الخليج، منطقة مصالح حيوية امريكية، وان اي اقتراب منها او المساس بها يعد تعرضاً لهذه المصالح، وسيجابه بكل الوسائل الممكنة والمتاحة بما فيها القوة العسكرية.فيما تؤكد اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، الامريكية ـ الاسرائيلية لعام 1985، نمط التوافق في الرؤية الاستراتيجية المشتركة، تخطيطاً وتنفيذاً. والملفت ان هذا المبدا لم يقل شيئاً عن حماية مصالح دول الخليج العربي، ولا حماية وجودها، ولا تطورها وتقدمها.. انما حماية مصالحه الحيوية لا غير، اما مصالح دول المنطقة وحقوقها في ثرواتها ومياهها واراضيها ومنها (الجزر العربية) التي يحتلها الايرانيون منذ اكثر من ثلاثين عاماً، دون ان يكون للجدار الامريكي والاسرائيلي، الذي يتكئ عليه الخليجيون، موقف حيال هذه القضية الوطنية والقومية. ومع ذلك ما يزالون يتكئون ويغطون بنوم عميق، واذا ما استفاق بعضهم علي ضجيج المناورات العسكرية الايرانية في مياههم الاقليمية دون اذنهم وامام عواصم بلداتهم.. واذا ما تنبهوا متاخرين من انتشار الوباء الايراني الصفوي من العراق، اخذوا يشعرون بالقلق، الذي سرعان ما تلقفت اشارته الادارة الامريكية، لتمارس سياسة التخويف وفرض سياسة الابتزاز بدعوي ان حماية المصالح الحيوية الامريكية، هي حماية النظم العربية، وان اي هزيمة سياسية لامريكا في جغرافية العراق السياسية، تعد هزيمة ماحقة لدولها الحليفة (السعودية ومصر والاردن). وهذا يعني، ان علي هذه الدول الضعيفة حكومياً، ان تنغمس اكثر في مسارها الامريكي، ليس انقاذاً لامريكا من مازقها للخروج من العراق، انما في ما اسماه بوش (اكمال المهمة)، أي تحقيق (نصر) لامريكا لم تستطع هي ذاتها تحقيقة منذ اربع سنوات، والا فان هزيمة هذه الدول هي من هزيمة امريكا!!… في الوقت الذي يؤكد فيه العالم هزيمة امريكا علي ارض العراق، وهي تشرف علي هزيمة سياسية ماحقة لا تقل عن هزيمتها في فيتنام باي حال.اما المسلمة الثانية: فهي ضمور القوة، ومعناه ان قوانين الطبيعة لا تبقي القوة علي حالها، فهي تبدا بالصعود الي القمة وليس هنالك ما بعد القمة سوي الانحدار الي السفح. ولضمور القوة احكامه في الزمان والتكوين والصيرورة، وليس ذلك تاملاً فلسفياً مجرداً، انما هو حقيقة موضوعية تكشف عنها حقائق التاريخ.. اين اصبحت القوي العظمي التي تطرقنا اليها؟ واين اصبحت (قوة) الامبراطوريات العظيمة التي ارتقت اعلي درجات المجد والعظمة والقوة والنفوذ والاتساع؟ لقد احكمت عليها قوانين ضمور القوة، فتراجعت وتقلص نفوذها ودورها لتنتهي اما الي التمزق والانحلال ثم الاندثار او العيش في سبات يستغرق قرونا او الانزواء خلف اسوار العزلة بانتظار تحولات تجري لبروز قوي اخري في نطاق مخاض عسير لاحلال قوانين ونظم موضوعية تحل محل قوانين ونظم اصابها التصدع والتمزق والانهيار!!ضمور القوة لن يأتي بصورة مفاجئة، واسبابه كثيرة، منها الذاتي الذي يتعلق بمجمل عناصر القوة ذاتها من حيث اختلال التوازن فيها وتراجعها باستنزافها. ومنها الموضوعي الذي يشكل المعادل في القوة من حيث التكامل والتبلور والاستقطاب. وهو الامر الذي يضع مفهوم القوة المطلقة في نصابها النسبي، عندها ستتمحور حول ذاتها، وتعود الي مدركاتها في عدم تضخيم القوة، لان قوي اخري لها ثقلها في ميزان تعادل القوي علي هذا الكوكب، ستاخذ مسارها في ردم فجوة اختلال التوازن والمعايير، التي تعتمد علي القوة وحدها علي حساب عناصر القوة الاخري المعروفة في علوم السياسة، وهي العدالة والحق والانصاف علي اساس قواعد الاخلاق.فالمتكئون علي الجدار الامريكي والاسرائيلي للاسناد والحماية، هم مخطئون تماماً، وسيتكشف عريهم حين يتصدع هذا الجدار او يصيبه الضمور او يقرر اصحابه الانسحاب والانزواء وراء اسوار العزلة، او حين تظهر قوي ناهضة توازن وتكبح جماح القوة المفرطة علي المسرح السياسي الدولي.اما الذين يتكئون علي الجدار الايراني، من السوريين، والسودانيين، وحزب الله، والحماسيون، الذين يتلمسون منه دعماً وسنداً وحماية، مقابل اخلاء ساحاتها للنفوذ الايراني وتغلغله بادوات طائفية في نسيج الشعب العربي في كل الاقطار العربية، من مشرقها حتي مغربها، تحت منهج الدولة القومية الفارسية.. فان مثل هذا الاتكاء يتم علي حساب الانتماء القومي العربي والهوية الوطنية في آن. والتساؤل في هذا المنحي، ماذا يحصل اذا ما تصدع الجدار الايراني وتهدم لاي سبب كان؟ وماذا سيقول، وماذا سيفعل المتكئون عليه طلباً للاسناد والحماية؟! فالجدار الامريكي ـ الاسرائيلي، هو في حقيقته اجنبي.. والجدار الايراني هو الآخر جدار اجنبي. وكلاهما يعملان من اجل مصالحهما القومية ولا يعملان لمصلحة من يتكيء عليهما، وان من يستغرق في النوم في ظل جدران الاجنبي طلباً للاسناد والامن والحماية سيستفيق ذات يوم، ليس بعيداً، ليجد نفسه وحيداً وعارياً، وخاصة حين تتصدع الجدران، وهي متصدعة فعلاً، وتتهدم، ولم يتبق سوي غبار الانهيار المحتم وعار الاحتماء بالاجنبي!!ہ كاتب من مصر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية