السياسي يمزق ويفرق والهامشي يرفو ويلم الشمل
حظر تجوال مسرحية تنتهك المُحرمات وتسمي الأشياء بمسمياتها:السياسي يمزق ويفرق والهامشي يرفو ويلم الشمللندن ـ القدس العربي ـ من عدنان حسين أحمد: تنتمي مسرحية حظر تجوال لمؤلفها ومخرجها مهند هادي الي تيار المسرح الشعبي التجريبي الذي يمكننا أن نتتبع جذوره في حواريات يوسف العاني، ونتقصي معالمه الأساسية في مسرحيات قاسم محمد، فاروق محمد، سامي عبد الحميد، عوني كرومي، فاضل خليل، عزيز خيون، عواطف نعيم وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعا. ويكفي أن نشير هنا الي أن الذاكرة الجمعية العراقية لا تزال مترعة بعناوين مسرحيات شعبية من قبيل البستوكة، النخلة والجيران، سترة توصاه، الكفالة، حتي اشعار آخر، ساعي البريد، لو، مطر يمه، وتقاسيم علي نغم النوي وعشرات الأعمال المسرحية الأُخَر التي تبنت هذا التيار، وعمقت رؤيته الفنية في المشهد المسرحي العراقي. ويبدو أن المخرج مهند هادي، المقيم في دمشق حاليا، قد وضع ثقته الكاملة بهذا التيار المسرحي العراقي، وأصر علي أن يظل أمينا له، ومُكرِسا لنزعته التجريبية. وجدير ذكره أن محبي المسرح العراقي ومتابعيه قد تعرفوا علي مهند هادي من خلال عملين مسرحيين وهما الحديقة المقتبس عن رواية الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس تحمل العنوان نفسه، والتي قدمها في صالة المركز الثقافي الفرنسي في منتصف عام 2003، ونالت حظها من النقد والتقويم. أما المسرحية الثانية فهي المنصة والتي أنجزها بالاشتراك مع المخرجة اللبنانية بولين حداد، ولم تنل ما تستحقه من المتابعة النقدية بعد أن زلزلت الحرب الانكلو- أمريكية العراقَ من أقصاه الي أدناه، ومزقت النسيج الاجتماعي العراقي قبل أن تمزق حُلة الدكتاتورية التي فصلها وخاطها أشهر مصممي الأزياء في البيت الأبيض الأمريكي الذي يحدد أعمار الطغاة والمتجبرين، ويجبرهم علي ارتداء ما تقرره الادارة الأمريكية من موضات وصَرْعات حديثة قد لا تتناسب بالضرورة مع ثقافة تلك البلدان المُغتصَبة، وقيمها الأخلاقية والاجتماعية والروحية.يشير عنوان المسرحية صراحة الي أن حظر التجوال لم يقترن بزمن الاحتلال فحسب، وانما يتعداه الي الحظر الثقافي والفكري والديني والسياسي الذي كان سائدا قبل مرحلة الاحتلال. فزلة اللسان قد تفضي بصاحبها الي حبل المشنقة، وانتهاك أية مفردة من قاموس المحرَمات لا بد وأن يقود هذا الكائن المُنتهِك الي الزنازين والسجون الانفرادية! فدلالة الحظر لا تقتصر علي الوضع الراهن، وانما تتعداه وتتجاوزه الي مراحل أبعد من هذا التاريخ المُفجع، والزمن العربي الرديء.قوة الكلمة وكرنفال الصورة.يحتاج المسرح الشعبي دائما الي شخصيات مُستمدة من قاع المدينة، أو من هامشها علي الأرجح. وقد نجح مؤلف النص ومخرجه في انتقاء شخصيتين هامشيتين من قاع المجتمع العراقي، لكنهما كانا شاهدين حقيقيين علي هذه الحقبة المفجعة من تاريخ العراق الذي يرزح تحت احتلال كوني غير مسبوق. وهاتان الشخصيتان هما صباغ الأحذية، وهو رجل في الأربعين من عمره، جسد الدور باتقانٍ عالٍ الفنان ضياء الدين سامي، وغسال السيارات، وهو شاب في منتصف الثلاثينات أداه الفنان عصام حسين. ولا شك في أن مهنتيهما من المهن الدالة والتي تشير بوضوح كبير الي هامش الفقراء والمُنهكين الذين لفظتهم الحياة، وقذفت بهم الي أحياء الصفيح، والبيوت العشوائية، أو الي الأرائك العارية للمقاهي التي أغلقت أبوابها قبل مغيب الشمس، وأصبحت ملاذا يحتضن الصباغ والغسال وبقية المشردين الذين لا مأوي لهم. تعتمد فكرة النص أو مفارقته علي كرنفال من المفردات والعبارات والجُمَل المؤثرة التي تهز أعماق المتلقين. وهذا الكلام المعبِر لم ينطلق من أفواه الساسة، أو التجار، أو الكهنة، أو المترفين، بل انطلق من أفواه الفقراء والمُعدمين الذين يحلمون دائما بوطنٍ واحد موحَد لا يجزئه النزوع الطائفي، ولا تتناهبه الأشكال الهندسية التي فاجئت الأسماع بعد الاحتلال مباشرة، وصارت الأنفار الضالة تشير الي أجزاء معروفة من العراق بالمثلث والمربع والمستطيل، وان كان الشكل الهندسي الأول أكثرها شيوعا.لا شك في أن الصورة أو الايماءة هي أعمق بكثير من الكلمة المنطوقة، وأن التيارات المسرحية الحديثة تسعي جاهدة لتقليص الكلام المنطوق، والاستعاضة عنه بالايماءة أو الاشارة أو العلامة أو الرمز أو الصوت أحيانا. غير أن الكلام الذي يتحدث به صباغ الأحذية وغسال السيارات ليس مجرد كلام منطوق يُطلَق علي عواهنه لأنه يصب في الخانة التعبيرية للكلام، ويلامس المشاعر، ويهز العاطفة الانسانية العميقة، ويقترب في قوته من قوة تعبير الصورة أو الصوت الذي يصل الي أبعد مراحله التجريدية. لعبت المواقف التهكمية الساخرة دورا كبيرا في اثراء العرض المسرحي، وتعميقه، وسحبه الي المنطقة الرمزية حتي وان كانت مفهومة وواضحة للجزء الأكبر من المشاهدين. ولو توقفنا عند بعض الحوارات المعبرة لوجدناها تسخر من كل شيء. ففي الجملة الاستهلالية للعرض يتساءل غسال السيارات مع نفسه: وين صار؟ ليقذفنا في أتون الخشية والحيرة والفزع الكثير، بينما كان صباغ الأحذية نفسه يتساءل هو الآخر عن مصير زميله خاف صار عليه شيء؟ فالخشية تنتاب الجميع، والخطر محدق بالجميع أيضا، ثم تتفاقم متوالية الرعب حيث تتحول بغداد الي مقبرة أو عاصمة مهجورة، شوارعها خالية، أناسها أحياء أموات ينتظرون مصيرهم المحتوم في أية لحظة مباغتة. الكل مختبئ في البيوت التي تحولت الي جحور، ومتخندق في عزلته الموحشة، وحتي الشرطة تبحث عمن يحميها وكأن القفل يخون المفتاح أو يشي به أو يدل عليه كما يقول عبد الحميد الصائح في صياغة شعرية لهذا التوصيف. ورغم أن الشوارع مسدودة، والرعب هو سيد الامكنة كلها الا أن صباغ الأحذية قد وصل مُطفئا خشية صديقه غسال السيارات الذي لا يكف عن اثارة الاسئلة، ولا ينسي حاجته الماسة الي قنينة الخمر التي يهدئ بها أعصابة المشدودة، ويوقف بها دربكة الخيول التي تهرول في تجاويف رأسه. بينما يعود الصباغ مثقلا بأخبار الحوادث المؤسية، اذ رمي بنفسه من فوق الجسر في منتصف النهر لأنه رأي جثة طافية بينما كان الآخرون يتفرجون عليه، ولا يحركون ساكنا، وكأن مشهد الموت قد بات عاديا، وعابرا، ومألوفا الي الدرجة التي تجعلك تمر من جوار الجثث الملقاة في كل مكان ولا تتأوه أو تنبس ببنت شفة! ولكي يجسد الصباغ مشهد الموت اليومي قال لصديقه: ذهبت هذا الصباح كي أتناول طعام الفطور في أحد المطاعم الشعبية، فصاح أحدهم: شباب فطوركم واصل فدوي صدي الانفجار. ورغم هول المأساة التي يعيشها المواطن العراقي في الزمن الراهن الا أن غسال السيارات مصِر علي استدراجنا الي العوالم السوريالية الغارقة في عبثيتها ولامعقوليتها فيسأله بنبرة انفعالية ان كان قد نسي جلب المشروب الروحي أم لا؟ فيجيبه الصباغ بأنه قد جلب نصف زجاجة لا غير، ربع لكَ، وربع لي . ثم يمضي غسال السيارات بسرد حكاياه المتواصلة، فبينما كان يهم بالعودة للقاء صديقة الصباغ شاهد ثلاث سيارات شرطة ترجل أفرادها كي يتناولوا فطورهم في مطعم شعبي، فاذا بسيارة رابعة تقتحم المكان وتتفجر، حيث تناغم المؤثر الصوتي مع المؤثر البَصَري فخلقا للمتلقي العضوي مشهدا تتجلي فيه الصورة بأعلي مستوياتها حيث تنزاح الكلمة المنطوقة من تلقاء نفسها، لتحل محلها الصورة بعد أن تتحول الي صرخة مدوية أو نداء مسعور. غسال السيارات لا علاقة له بعدد الموتي، والأيدي المبتورة، والرؤوس المقطوعة، والقلوب المتناثرة، أنه يسأل صديقه ان كان قد جلب سجائر أم لا؟ ثم تتصاعد وتيرة اللعبة السوريالية لتبلغ ذروتها فيسأل الغسالُ الصباغَ عن عدد الذين ماتوا في الانفجار، فيجيبه بأن عددهم يناهز الخامسة والعشرين شخصا بريئا في يوم واحد، ثم يحصي النسبة الشهرية، والسنوية، ليتوصل الي النتيجة المرعبة حيل كم سنة ينرادلنة حتي نخلص؟ وتأكيدا لفكرة حظر التجوال التي ينبني عليها النص المسرحي يتجول الصباغ من بداية المقهي الذي ينام فيه، مرورا بجسر الأحرار، والسوق العربي، وساحة الرصافي، والشورجة، وشارع المتنبي، وانتهاء بباب المعظم حيث الشوارع والساحات والميادين العامة فارغة تماما، وكأن القوات الأمريكية ضربت العراقيين بقنبلة منوِمة، فيشاكسه غسال السيارات مُقلدا صوت أحد أفراد السلطة السابقة فيسأله عن سبب وجوده في هذا المكان؟ وهل كان يعرف بحظر التجوال أم لا؟ ولماذا لم يشاهد التلفزيون، أو يسمع الراديو، أو يقرأ الصحف لكي يعرف بهذا المنع؟ فنكتشف أن الصباغ لا يشاهد التلفزيون، ولا يستمع الي الراديو، ولا يقرأ الصحف، بل انه لا يعرف كم هو سعر الصحيفة اليومية! فيتهمه الغسال بأنه شخص معادٍ للسلطة متنكر بزي صباغ، وحينما يسقط الصباغ في رعب شديد، وتنطلي عليه اللعبة، يضحك صاحبه ويكشف عن هويته الحقيقية بعد مشهد حواري طويل يعري خوف الشخصية العراقية من جلادها الذي يتربص بها في كل زمان ومكان. تتصاعد درامية هذا العرض المسرحي شيئا فشيئا قبل أن تبلغ ذروتها الحادة التي تتألف من نتوءات متعددة تخز المتلقي، وتنبهه الي طبيعة التورية الحساسة التي تتكشف رويدا رويدا. فحينما يهدد الغسالُ الصباغَ بأن يضربه بالحذاء علي سمت رأسه اذا لم يُنزل يده التي رفعها في وجهه، فيجيبه الصباغ: وما الضير في ذلك، فلقد تساقطت علي الأحذية من كل حدب وصوب، فهذا حذاء أمريكي، وذلك بريطاني، والثالث ايطالي.. أحذية من مختلف اصقاع الأرض تساقطت علي الذين لا حول لهم ولا قوة. والأغرب من ذلك فقد تحولت حياة الصباغ برمتها الي حذاء عتيق! يتوفر العرض المسرحي علي بنية سردية أيضا، لكنها لا تخلو من حس درامي فاجع. فالصباغ فقد أباه، وظل يتيما يشق طريق حياته بصعوبة بالغة، غير أن التوتر يبلغ ذروته حينما يعقد الغسال مقارنة ذكية بين بيتهم الذي تناهبه الاشقاء وبين الوطن الذي تناهبته الأحزاب السياسية لدرجة أن موت الأب كان رمزا أو معادلا موضوعيا للدكتاتور الذي واجه مصيره المحتوم، وترك الوطن نهبا لمن هبّ ودب. وعلي الرغم من اشكالية هذه المقارنة الا أن كاتب النص تدارك نفسه وقال بأن المهم هو ألا يباع هذا البيت فاتحا أمام المتلقين نافذة أمل كبيرة قد لا يصدقها الكثيرون، ولا يرون ضوءا في نهاية النفق المُظلِم. أما الذروة الثانية والتي تعتبر أشد خطورة من الأولي وهي تقسيم المنزل / الوطن الي قسمين بعد أن قال الصباغ هذا البيت بعد ما يتحمل اثنين! وقد انتقلت هذه الخشية الحقيقية الي الجمهور لكنهما سرعان ما تناسيا خلافهما، وتعانقا من جديد مُحتضنين بعضهما بعضا مما حدا بالجمهور أن يلتقط أنفاسه بعد الغصة التي حدثت علي خشبة المسرح فكيف، لا سمح الله، اذا حدثت علي أرض الواقع. ثمة أحداث كثيرة دالة ومعبرة لا يمكن الوقوف عندها جميعا الا أنني أود الاشارة الي أن نهاية العرض المسرحي كانت متقنة جدا، وقد ارتأي كاتب النص ومخرجه أن يكون الصباغ منتظرا هذه المرة، ويسأل عن سبب تأخر صاحبه بعض الوقت بسبب حظر التجوال حيث الشوارع مغلقة، وبغداد تبدو مهجورة مثل امرأة مُطلّقة. الأداء الفني المُتقنان ما يلفت الانتباه في مسرحية حظر تجوال هو الأداء المُتقن للفنانَين المسرحيين ضياء الدين سامي وعصام حسين. وعلي الرغم من رمزية العمل، وسخريته، ومزجه بين الجد والهزل، الا أن الأداء الفني لكليهما كان أداء جذابا أزاح المساحة الفاصلة بين الممثل والجمهور، وكأن الفنان نفسه كان يصرخ بحناجر المتلقين. ومرد هذا التماهي بين الممثل والمتلقي هو طبيعة الموضوعات الحساسة التي يعاني منها العراقيون يوميا، ولعل أبرزها التفجيرات، والسيارات المفخخة، والقتل العشوائي علي الهوية والمذهب والديانة، وهو أمر لم يعرفه العراقيون قبل سقوط الدكتاتورية. مهنتا الشخصيتين الرئيسيتين في العمل المسرحي مهنتان رمزيتان أيضا، فغسال السيارات يريد أن يغسل هذه الدنيا القذرة مثلما ينهمك صباغ في تلميع أحذية الناس الذين بات يعرفهم من أحذيتهم وكأن هذه الأحذية مرايا تنعكس عليها وجوه أصحابها. لا تبتعد هذه المسرحية كثيرا عن أجواء مسرح العبث واللامعقول الذي تألق علي أيدي صموئيل بيكيت، وجان جينيه، ويوجين يونسكو، وآرثر آدموف حيث يهيمن التشرد والضياع واللاجدوي علي جوانب محددة من حياة الشخصيتين الرئيسيتين اللتين تجدان عزاءهما الوحيد في معاقرة الخمرة، علهما ينسيان الواقع المفجع الذي يعيشه العراق غب الاحتلال. وعودا علي موضوعة الأداء المسرحي المتقن فقد عرف الجمهور الفنان ضياء الدين سامي في مسلسل الحواسم الذي أنتجته وعرضته قناة الشرقية الفضائية في وقت مناسب كان فيه انتاج المسلسلات العراقية شبه معدوم. وقد تحول ضياء الدين الي نجم تلفزيوني وهو يستحق هذا اللقب عن جدارة لأنه متمكن من فنه، ومطوِر لعدته الفنية، ويصلح لتأدية أدوار كثيرة. ففضلا عن أدوار الشر التي جسدها في الحواسم الا أنه ممثل مسرحي بامتياز، وقد عرفه الجمهور العراقي في لندن من خلال مسرحية حكاية جندي التي قدمها العام الماضي علي مسرح الأولد فيك وترك انطباعا جيدا عن ملَكَته الفنية. وسبق لضياء الدين أن اشترك في مسرحية حريق البنفسج مرسِخا اسمه في ذاكرة محبي المسرح ومريديه. أما في حظر تجوال فقد أكدَ للنقاد والمتابعين بأنه نجم يستحق الرصد والمتابعة، وما عليه الا أن يوظف خبراته السابقة التي اكتسبها من كلية التربية الرياضية، ومدرسة الموسيقي والباليه، ويفجر طاقاته الجسدية المتنوعة الخلاقة. ويمكن القول ان جسدا بهذه المواصفات الثرة يصلح أن يكون مَنْجما للشيفرات والعلامات التعبيرية الدالة ، هذا ناهيك عن خفة ظله. وقد كشفت مسرحية حظر تجوال حسه الكوميدي الهادف الذي انتشل من خلاله المتلقين الذين كانوا غارقين ومستغرقين في محنة العراق الجريح الذي يقف علي حافة الهاوية التي نتمني ألا تنهار به الي الدرك الأسفل. أما الفنان المسرحي عصام حسين فهو خريج أكاديمية الفنون الجميلة عام 1992. وقد أخرج عددا من المسرحيات من بينها في انتظار غودو و هاملت الي هاملت ، كما اشترك في تمثيل مسرحية الخادم الأخرس لهارولد بنتر والتي أخرجها رسول الصغير عام 1989 في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد. وقد أثبت عصام كدأبه دائما أنه ممثل من الطراز الرفيع الذي يشعرك بأنه يُمثل ولا يُمثل في الوقت ذاته، فأداؤه العفوي، وتلقائيته المفرطة، وسيطرته علي الشخصية التي يؤديها، تجعله يمثل بهدوء نادر قد يصل الي أعلي مراحل الصفاء والتصالح مع الشخصية المُتَقَمَصة. ويبدو أن انقطاعه عن المسرح لنحو عشر سنوات لأسباب شخصية لم يؤثر عليه كثيرا. فلقد كان أمينا لشخصية غسال السيارات، ووفيا لها. وقد تألق حقا في المشاهد ذات النفس التراجيدي بسبب ولعه بالمسرح الجاد الذي كرس له جل حياته الفنية.أما بصدد التقنيين فينبغي التنويه الي أن المخرج رسول الصغير كان موجودا بالمصادفة في لندن، وقد التمسه الفنانان ضياء الدين سامي وعصام أن يساعدهما في التقنيات الصوتية والبصرية جنبا الي جنب مع التقني الجديد أحمد حسين، الشاعر والصحافي العراقي الذي استقر به المطاف في لندن. وقد أثبت، بشهادة رسول الصغير أنه تقني ناجح، وأنه أدرك أسرار هذه المهنة خلال مدة زمنية قصيرة جدا، ولم يرتكب أي خطأ عابر طوال مدة العرض المسرحي. وتجدر الاشارة الي أن رسول الصغير قد حاول أن يضع بعض اللمسات الفنية هنا وهناك بوصفه مخرجا مسرحيا الا أن الفنان ضياء الدين قد أصر علي الالتزام بالصيغة الاخراجية لمهند هادي كنوع من الوفاء للأمانة التي حملها معه من دمشق الي لندن، وبالفعل كان الممثلون والتقنيون أهلا لحمل هذه الأمانة الفنية والفكرية والثقافية. وقد نجح العمل، ووصلت الرسالة، وأظن أن كلمات الاطراء قد بلغت أذني مهند هادي وهو يترقب بحذر شديد ردود أفعال هذا العرض المسرحي الذي لا يخلو من مشاكسة وجرأة، كما أنه لا يخلو من بعض الهنات الرمزية التي لم يوفق فيها تماما.0