لم ننس الاستبداد فالاستبداد لم ينسنا
د. خــالد الطــراوليلم ننس الاستبداد فالاستبداد لم ينسنا تتوالي علي مر هذه الأيام الخطب والمقالات والمواقف، الخاصة والعامة، علي اثر اعدام الرئيس العراقي السابق، معبرة جلها علي استنكارها وتنديدها بالحدث، ولقد غلبت علي النخبة أطوار ملتهبة، منها من هيمنت عليه عاطفته ومشاعره وعاش لحظة جياشة غاب في ثناياها العقل أحيانا وغلبت العاطفة بكل جحافلها، فراح يذكر محاسن الرجل ويبالغ في ذلك.. وأصدر آخرون صك غفران مليئا بالامضاءات المشبوهة، وأسدلوا علي ذاكرتهم ستار النسيان والتجاهل… وعبر آخرون عن شغفهم وحبهم للرجل متجاوزين المراحل والمحطات.. وهي لحظات انفعال وردات فعل، لعله يشفع فيها هول الحدث وبشاعة الفراق وصدمة الموقف… وأدخله البعض الآخر مقام الشهداء والصالحين ولعله يري أن ذلك يدخل في باب اذكروا موتاكم بخير ! نعم مات الرجل ميتة غير كريمة طفحت حولها شبهات المكان والزمان.. نعم مات الرجل يوم عيد المسلمين ولم تراع مشاعر أكثر من مليار مسلم.. نعم قتل الرجل في ظل صيحات وصراخ ولحاف طائفي مقيت.. نعم أعدم الرجل في اطار من التشفي والشماتة والسقوط الأخلاقي والقيمي.. نعم أعدم صدام في ظل محاكمة اطارها مشبوه ومراحلها مشبوهة ونهايتها مشبوهة… نعم مات الرجل في ظل تصفية حسابات وثأر بين مليشيات وقطاع طرق وأمراء حرب… نعم أحدث صدام نقلة في تصنيع بلاده وساهم ولا شك في تنمية مجتمعه وأعطاه دفعة نحو الرقي والازدهار… نعم تعلم الشعب ونقصت الأمية وأصبح العراقيون يتميزون بمعارفهم وعلمهم حتي أنهم بدأوا يطأون مجالات وفضاءات كانت محرمة علي أبناء العالم الثالث… نعم كل ذلك كان صدام ولا شك ولكن ليست مكرمة أن يستنهض قائد شعبه ويزيل عنه الفقر والبؤس، وكأننا أنسانا حالنا أن السياسة جعلت لازدهار الأمم والمجتمعات وأنها تكليف وليست تشريفا!ولكن هل ننسي ظلم صدام؟ هل ننسي ما فعله في شعبه؟ عقود من الويلات والجور البواح… عقود من التفرد بالسلطة والاستفراد بالرأي… عقود من التنكيل بالأعداء والمنافسين وحتي الأصدقاء والأهل المقربين.. هل ننسي الحرب ضد ايران وما أصاب شعبه من خسائر وأموات تعد بمئات الآلاف؟.. وهل ننسي تهوره ودخوله الكويت وادخاله بلاده في مستنقع الحصارات والتجويع والقتل البطيء، حتي قيل أن الآلاف من الأطفال ماتوا من الجوع ونقص الأدوية؟… كل هذا صدام وكل هذا الاستبداد، كل هذا الاستفراد بالسلطة والتفرد بالرأي وغياب التعددية ومنع الحرية أن يستنشق نسيمها الجميع الا في ظل الحزب الواحد والفكر الواحد وتحت مظلة الزعيم الأوحد.ان الميتة المشبوهة والبشعة التي مات بها صدام لا يجب أن تحجب عنا صورة الرجل المستبد والدكتاتور التي لاحقته طول حياته، والتي لا تقتصر عليه وحده، بل صبغت مرحلة كثر فيها المستبدون في المشرق والمغرب، لعل عيب صدام أنه سقط وغيره لم يسقط، لعل عيبه أن استبد أكثر من اللازم وأكثر مما يرضي بعض الأطراف لعله رفض تقاسم الاستبداد!!!لعلكم لاحظتم الصمت المريب، أو الاستنكار الخفيف الذي عم الحكومات العربية علي اثر الحادثة، وكأن حال حكامنا وزعمائنا هو استغلال هذا الشعور العام الذي ملأ الآفاق وترك الجماهير تعبر عن استيائها وغضبها، لعل حكامنا رأوا في هذه الحادثة تنفيسا لأحوالهم ومحاولة نسيان شعوبهم لحالة الاستبداد والاستفراد التي تعم ديارهم…لقد كانت هذه العاطفة الجياشة التي صبغت مواقف العامة حالة انسانية فطرية تقف الي جانب الضحية في مقابل الجلاد، وموقفا وطنيا يغلب ابن الوطن علي ابن الجيران، وحالة دينية وقفت فيها الأنا تدافع عن شعيرة وقع المساس بحرمتها، لقد كانت هذه العواطف طبيعية ولعلها تلامس مرتبة الوجوب وهي تعبير عن أمة لم تمت ولم تدخل مرحلة الاغماء رغم قسوة الاطار وحضور الجلادين بكثرة وغلظة، (وقد ذكرت ذلك في مقال سابق بعنوان بين صدام وجعد بن درهم لقاء تحت جنح الظلام ) غير أن الاستبداد الذي لم يتوار في ديارنا أراد ركب الحدث ونسينا أننا لا زلنا نرضخ تحت درته وسياطه وبين محافل سجونه ومعتقلاته.لقد راهن الاستبداد ولا يزال علي طيبتنا وخيريتنا ولا يزال يعتقد أننا ميالون بطبعنا الي الركون والانسحاب وتركه يعربد كما يشاء وكيف يشاء ومتي يشاء، ولا يزال يستخف بحالنا ويواصل هيمنته واســـتـــفراده استنادا الي خوفنا وجبننا، وهو يسعي دائما الي تذكيرنا أنه الواقي لنا والحامي ضــــد المتطرفين الذين يريدون نهايتنا.نعم أعدم صدام ولكن الاستبداد لم يعدم لا في العراق ولا في غير العراق… ولا زالت صور الجور والعبث والظلم تلازم يومنا وليلنا وتلاحق مجتمعات بأسرها، وأصبح بعضها أسير أسر تتقاسم حلوها وترمي بالمر لشعوبها، ولازال الطــــريق طويلا ومليئا بالأشواك للتحرر من براثن هذا الكابوس المخيف الذي طال ليلـــنا ونهارنا ونحن لا نزال نحلم بسقوط صدامين آخرين ولكن في اطار سليم وحضاري وقانوني، وفي ظـــل يقظــة وطنية ومقاومة سلمية، وبعيدا عن الثأر والتصفية والسقوط الأخلاقي والقيمي وتدخلات أجنبية… فاذا كان الاستبداد عنوان مرحلة لا زلنا نعيش أيامها القاسية، فان مرحلة ما بعد الاستبداد لا يمـــكن أن تبدأ صفحتها الأولي بقلم مرتجف وبحبر أحمر وعلي ورقات صفراء مستوردة تفوح منها رائحة التشفي والشماتة والظلم والجور ومصالح أفـــراد وجماعات… ان الاستبداد عقلية وثقافة صاحبت مرحلة هامة ومصيرية في حياتنا وعطلت مشوارنا نحو الانعتاق والتحرر والتقدم والتحضر، ولا سبيل لبناء مرحلة جديدة بنفس الأدوات والعقلية والثقافة، والا فان نهاية دكتاتور الأمس هي بداية دكتاتور الغد ولن نخرج من حلقة مفرغة عنوانها الدكتاتورية ولو لبست عمامة أو قبعة، وتقمصت زي الرهبان أو ملابس بني علمان وادعت خدمة الشعب!!!8