حدث تشكيلي عربي لم يحظ بتغطية نقدية مناسبة
بينالي القاهرة الدولي العاشر:حدث تشكيلي عربي لم يحظ بتغطية نقدية مناسبةالاردن ـ القدس العربي ـ من اياد كنعان: منذ أن عدت من القاهرة بعد زيارتي الأخيرة لها، بعد افتتاح بينالي القاهرة الدولي العاشر، ومشاركتي في دورته الحالية، حيث أنني تشرفت بتلقي دعوة خاصة للمشاركة في فعاليات البينالي لهذا العام، مع مجموعة من الفنانين من مختلف أنحاء العالم، وأنا أتابع الصحف والدوريات العربية علني اقبض علي مادة نقدية تتحدث عن هذا الحدث التشكيلي والابداعي العربي الهام، الذي يعتبر أهم حدث تشكيلي عربي، من حيث الحجم والتنظيم ومستوي الأسماء المشاركة، وواحد من أهم التظاهرات التشكيلية علي مستوي العالم، التي تحظي باحترام وتقدير الكثيرين في مختلف أنحاء العالم، وتعتبر واحدة من أهم المحطات الفنية في مسيرة أي فنان، والتي يسعي الكثيرون للمشاركة فيها.رغم ضخامة الحدث وحجم المجهود المبذول من قبل الجهة المنظمة، ممثلة بقطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة المصرية، ورئيسها الفنان المصري محسن شعلان، والكوميسير العام للبينالي الفنان والناقد المصري احمد فؤاد سليم، مدير المتحف المصري للفن الحديث، والكوميسير التنفيذي الفنانة رشا رجب، وكل العاملين في قطاع الفنون التشكيلية، حيث تسني لي الاطلاع علي جانب يسير من هذا المجهود، وذلك لاضطراري للتواجد في موقع البينالي قبل الافتتاح بعدة أيام، لتجهيز عملي في موقعه، الا أنني لم أكد اقبض علي نص نقدي واحد يتناول هذه التظاهرة الابداعية علي أهميتها بالبحث والدراسة، فهل علينا أن ندق ناقوس الخطر، ولن يكون بالطبع الناقوس الأول الذي علينا دقه، ذلك أننا بحاجة الي ألف ناقوس وناقوس، لنستيقظ من سباتنا وربما لن نستيقظ!يكفي القول أن بينالي القاهرة الدولي استطاع أن يرسخ مكانة هامة وعالمية عبر مسيرته التي تمتد لاثنين وعشرين عاما، والتي ابتدأت عام 1984، بحيث أصبح هذا البينالي قبلة الفنانين وطموح الكثيرين للمشاركة فيه سواء بدعوة خاصة أو ضمن المشاركات الرسمية للدول، وها أنا اخط هذه المادة علنا:أولاـ نتدارك ما غفلنا عنه، عبر تناول الأحداث الابداعية في عالمنا العربي، بما تستأهله من اهتمام وما تستوجبه من قراءة نقدية واعية، بعيدا عن لغة الزمر والطبل، ولغة المهرجانات التي تمر مرورا سطحيا علي الحدث، محدثة ذلك الضجيج الذي ما يلبث أن ينتهي، دون الالتفاف الي تلك المضامين الابداعية الجديرة بالقراءة وكأن هذا الحدث أو ذاك يحدث في سيريلانكا أو الكونغو أو جنوب افريقيا، واذا كان ثمة كتابة فلا تخرج للأسف الشديد عن منطق التصيد المتعمد للأخطاء والهفوات، بهدف النيل من سمعة فلان أو فلان من القائمين علي تلك الأحداث الابداعية، مع تأكيدنا علي أهمية أن تثار مثل هذه القضايا حفاظا علي سلامة المسيرة الثقافية العربية، ووفــق منطق البناء لا منطق الهدم الذي يجتاح علمنا العربي للأسف الشديد.أما في المقام الثاني ـ فربما حثت كتابتي هذه الكثير من الأقلام النقدية العربية لتريق الحبر وتعمل الفكر، وأن تتنبه الي قصور خطير في الثقافة العربية، وهي عجزها وشللها (وأقولها بصراحة) أمام اللغة البصرية التشكيلية ومفرداتها الابداعية والجمالية، وكأنها طلاسم لا يمكن قراءتها، وألغاز لا يمكن حلها، أقول هذا من باب الألم وأنا أجد كل هذا الغياب النقدي العربي، في عالم يتباري فنيا مثلما يتباري نقديا، فأين أكاديمياتنا التي تخرج سنويا مئات من الفنانين والنقاد علي طول الوطن العربي وعرضه، أين كل هؤلاء ولماذا هذا الصمت الذي هو صمت عجز وقصور وبلاهة، وكأننا في غفلة المستأنس لجهله، الراضي به والمطمئن له.فهل هي أزمة نقد تلك التي نعاني منها؟ أم هي أزمة فن؟ أم أزمة نقاد؟!لعل الاجابة علي هذا السؤال هي اجابة معقدة، وليست بالسهولة التي يتصورها الكثيرون، فهل نحن عاجزون فعلا عن استيعاب مفردات اللغة البصرية، وهل الثقافة العربية (الحديثة) لم تتخلّ بعد عن كلاسيكياتها ولم تخرج من ازمتها، التي أغرقتها بالرجعية والجمود، وهل مئة عام أو يزيد من الحلم العربي بالنهوض لم تكن كافية لخلق حوار خلاق في الفن مثلما لم تكن كافية في خلق حوارات مجدية في الثقافة، كل هذه الأسئلة تحضرني، وأنا أمر بذاكرتي علي أجنحة بينالي القاهرة الدولي العاشر التي استقـــطبت فنانين من كل حدب وصوب.اذا استثنينا حقيقة مفادها أن معظم من يروج لهم كنقاد في مجال الفن التشكيلي (تحديدا) في الوطن العربي، ولا استثني من ذلك الا حفنة من المفكرين والنقاد الموغلين في البحث البصري العملي والنظري، وقلة من الفنانين الذين أضافوا الي منجزهم الفني منجزا نظريا يستحق التقدير، فان من يروج لهم كنقاد ليسوا الا مجرد صحافيين، بل وصحافيين (سيئين)، يتم الحاقهم بالصفحات الثقافية في الصحف والمجلات، من باب رفع العتب، أو من باب تغطية المساحات الثقافية في تلك الصحف، ثم يصبحون نقادا (بقدرة قادر)، وما أن ينشر الكاتب منهم مقالا أو مقالين في الفن التشكيلي حتي يضيف الي اسمه كلمة (الناقد) بأل التعريف، التي لا يتنازل عنها، وربما اضطر الي استعمال لكماته القوية في وجه كل من يحرمه هذا التميز، بوصفه (مبعوثا الهيا) للثقافة والفن.ان الخلط الحاصل بين مفهومي (العمل الصحافي) ووظيفته وشروطه وأهميته من جهة، و(الفعل النقدي) ووظيفته وشروطه وأهميته من جهة أخري، هو بداية الخراب وهو مكمن الداء، فثمة فرق شاسع بين التغطية الصحافية لحدث ما سواء كان ثقافياً او غير ثقافي، وبين القراءة النقدية لذلك الحث في سياقه العام، ووفق رؤية نقدية واضحة ومنهجية و(تراكمية) في نفس الوقت.اذا استثنينا كل ذلك يبقي لنا العمل الفني نفسه، سواء علي صعيد الابداع أو التلقي، وأنا اذ اخص مقالتي هذه الجانب الآخر، أي جانب التلقي، سواء التلقي العام، أي مقدرة الجمهور علي استيعاب الحدث، أو التلقي الخاص، والذي عليه اللوم أكثر من سواه، ومنه الفعل النقدي الذي يحتمل الصفتين (التلقي والابداع)، ذلك أن الثاني (أي جانب النقد) يكشف عن تحد خطير تواجهه الثقافة العربية، بل هو (استحقاق تاريخي وثقافي) يضعنا أمام مرحلة خطيرة لم يتنبه لها الكثير من مفكرينا، وهي مقدرة العقل العربي علي استيعاب (الفكر المجرد)، رغم كوننا السابقين له في عصور ولّت، تلك الطفرة التي اجتاحت العالم، بعد نهاية الرومانسية وظهور تيارات الفن الحديث، مع بدايات القرن العشرين، وهي المسؤولة عن ثورة العلم التي نعيشها اليوم، وهذا باب يحتاج الي الكثير من الأبحاث والدراسات، علنا نتدارك ما فاتنا. ان التحول الذي طرأ علي الفن منذ بدايات القرن العشرين وحتي اليوم، يمكن اختصاره بالتحول من (الحسية) الي (العقلانية)، أي انه جعل من الفن نشاطا (عقلانيا) تحليليا ورياضيا في كثير من الاحيان، اكثر منه نشاطا (حسيا) وظيفته دغدغة المشاعر والحواس المختلفة عبر (المحاكاة الارسطية) للطبيعة، ورغم اهمية هذا الفن او ذاك، الا أن التحول في انماط التفكــير فرض تحولا في وسائل التعبير، ومنــها الفن الذي يعتبر أكثرها استجابة واسرعها تأثرا وتأثيرا.و لن يعفينا قول القائلين والمتشبثين جهلا بنقاء الثقافة العربية، المطالبين بفن عربي (خالص)، بأن الفن التشكيلي ليس بدعة عربية، بل هو بدعة غربية صرفة، وأنا اختلف معهم، ذلك أن النتاج الثقافي والابداعي والعلمي هو ارث عالمي، علينا الأخذ به وتطويره، ولماذا ينسي هؤلاء مدي مساهمة الحضارة العربية الاسلامية بما آل اليه الغرب اليوم من تقدم في كافة المجالات، ومدي مساهمتها في الحضارة الانسانية جمعاء، كيف لا، و(الحكمة هي ضالة الانسان، أينما وجدها أخذ بها).واذا كان مهرجان القاهرة السينمائي، الذي كان لي نصيب في حضور جانب من فعالياته لتقارب الحدثين، قد حظي بهذه التغطية الاعلامية و(الاحتفالية) المكثفة، التي لم تخلُ من قصور في قراءة الحدث قراءة شمولية أكثر مما هي قراءة صحافية ووقوف علي الجزئيات واغفال الكل، فلماذا هذا القصور في استيعاب الحدث التشكيلي العربي علي أهميته، وما يشكله من مؤشر ليس علي مستوي الثقافة العربية فحسب بل علي مستوي العالم أجمع، ذلك أن حجم الاستقطاب الذي يحظي به بينالي القاهرة الدولي يوفر فرصة نادرة للفنان والناقد والمتلقي العربي عموما، للتعرف علي ما آل اليه الفن اليوم، ويضع الفن العربي في مقارنة نادرة مع الفن الغربي والشرقي علي حد سواء، ابتداء بالأمريكتين مرورا بأوروبا وآسيا واستراليا وغيرها من بلدان العالم وقفاره.فهل نحن عاجزون عن استيعاب مفردات الشكل وعالمه المحكوم بمجموعة عوامل تستمد حضورها اليوم من انصهار الفنون المختلفة؟ نحن اليوم أمام طرح مغاير في عالم الفن، طرح يستمد جمالياته، في تقديري الشخصي، من انصهار الفنون المختلفة وتزاوجها ، لنخرج بفن جديد هو اقرب (لليومي) منه الي (الايقوني)، وهو فن اقرب الي (المفاهيمي) منه الي (التصويري)، فن يتفاعل مع المتلقي بشكل مباشر، وبشتي الطرق والأساليب.0