(أمة اقرأ) عليها السلام
نادر قريط(أمة اقرأ) عليها السلام العقيدة قوة محركة للتاريخ، خصوصا اذا كانت خاطئةويل ديورانت (المجلد الرابع)بينما كانت ماكينة الحفر، تصم أذني بضجيجها، التفت الحاج وقال: أنظر كيف تعمل هذه الآلة الرائعة!! ان هؤلاء الأوروبيين أولاد أبالسة؟اكتفيت كالعادة بهز رأسي… قال بعد أن هدأ الضجيج: سمعت أن علومهم استنبطت من القرآن الكريم؟ ربما قرأ في ملامحي بعض امارات التعجب.. فمن الحماقة أن أجادل رب عمل أعرابي، باركته السماء بنعمتي الجهل والمال.. استرسل: صدق أو لا تصدق… سمعت أن لديهم غرفة سرية ذات أقفال عديدة، لا يؤذن الا للعلماء والقساوسة بدخولها، ففيها قرآن نسخت آياته بماء الذهب، ومنه يخرجون اكتشافاتهم واختراعاتهم!!! في الحقيقة لم آخذ كلامه علي محمل الجد.. لأني شخص لوثته المدرسة بالأفانين والحيل وأنواع الفساد….. فقد تعلمت علي سبيل الترهات: أن النهضة العلمية قامت علي مبادئ نيوتن للحركة، وقوانين لا فوازييه، وجدول ماندلييف الذري… ونسبية آينشتاين ونظريات الكموم… أما أن تكون النهضة العلمية الأوروبية، قد أنجزت في تلك الغرفة السرية.. فهذه لعمري قاصمة الظهر!!وهكذا مرت السنون، ولم أعثر علي تلك الغرفة السرية (ولم أصبح مثل هاورد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون) فكل ما في الغرب، لا يشير الي طقوس سحرية غامضة. المكتبات مفتوحة لمن أراد اليها سبيلا، وكلها تشهد للقرن 19، الذي كان بحق قرن الابداعات العلمية الكبري، وازدهار الفلسفات الوضعية… وعلوم مقارنة الأديان، ففي نفس القرن اكتشفت اللغة المصرية القديمة وحلت طلاسم اللغة المسمارية، وكان هذا الحدث، ثورة معرفية، هزت قلاع اللاهوت الديني، بما فتحت من آفاق جديدة أمام دراسات الميثولوجيا، رغم ذلك، استمر البعض يدافعون عن كلمة الله الأزلية، ففي منتصف ذلك القرن اخترق عالم الوثائق القديمة قسطنطين تيشندورف، أسوار دير كاترين في سيناء.. ليعود بمخطوط (الكتاب المقدس) السينائي، ويثبت للعالم المادي المشكك أن كلمة الله ما تزال محفوظة عبر القرون (حرفا حرفا)، وليقدم هذا المخطوط هدية للقيصر الروسي، بمناسبة ارتقائه العرش (باعه البلاشفة، بعد الثورة للمتحف البريطاني بمبلغ 2 مليون باون!! وهنالك من يجزم بأن المخطوط ليس أكثر من تزوير فبركته أنامل تيشندورف نفسه؟).قصة الحاج الآنفة الذكر ليست عبثا فرديا، فقد سمعت الرواية من أشخاص كثر، والأنكي أن بعضهم، من خريجي الجامعات، ودارسي الطب والفيزياء!! وقد تعمقت تلك الرواية وترسخت، بفعل كتابات الاعجاز القرآني، التي بدأت مع الباقلاني وانتهت بمصطفي محمود، وزغلول النجار، وزغاليل آخرين.. وهي تعكس صورة واقعية عن مجتمعاتنا المنومة بسحر المقدس. لكن ومعرفة مني بدور الدين في صياغة الهوية والوجدان الجمعي، وتقديرا لنفوذه السلطوي علي الوعي، وما يحدثه من راحة وقيلولة للمؤمن، أجد أن الاسراف الكلامي في هذا الموضوع، والوقاحة في طرحه، قد يجرح مشاعر البعض (علي المستوي الانساني).. لذا فان اللجوء الي دراسة علوم المقارنة بين الأديان، واركيولوجيا اللغات القديمة، يساعد في ردم الهوة بين الأديان، فكلما ازداد الانسان تعصبا لدينه، ازداد جهلا به، فكثير من البحوث والمقالات التي تتناول الاسلام، لا تقوم بعملها لوجه الله، أو بدوافع معرفية نزيهة.. فجلها يقوم علي تصفية حسابات أيديولوجية، وثأر تاريخي.. لكن من العقم أيضا أن يترك الزغاليل يسرحون ويمرحون،.. فلا علاقة للفاكس والكاميرا بآيات القرآن، ولا علاقة للفائف التوراة والانجيل، بهذا الملف الرقمي، الذي سأرسله الي آخر العالم بضغطة زر.. الكتب المقدسة جميعها، هي ذاكرة للشعوب القديمة، فمن يبحث عن تفسير أو اعجاز، فما عليه الا أن يذهب الي خرائب سومر ولكش وبابل ووادي الملوك.. هناك سيعرف منشأ قصة الطوفان، وهناك سيكتشف قصة موسي، والولادة الاعجازية من عذراء، وفكرة الخلود والبعث.. وكل القصص الدينية.واستطرادا، يمكنني الزعم بأن المشهد الثقافي العربي لا يزال مسرحا للادعاء وعرض العضلات والوصولية والانتهازية، فقد بح صوت المفكر الجزائري محمد أركون، وهو ينادي بضرورة ترجمة المجلدات الثمانية لجوزيف فان اس (حول القرون الهجرية الأولي) دون جدوي، ولا تزال أمهات الكتب بعيدة عن قارئها العربي (وأنا منهم) إذ ما زلنا نسمع عن دراسة ابراهام غايغر: ماذا أخذ، وتيودور نولدكه عام 1856 وكتابه الذائع الصيت : قصة القرآن ، ثم بارث بكتابه نقد وتأويل القرآن، وغولدتسيهر: اتجاهات التفسير القرآني أو كتاب شتراوس (قصة المسيح)…. ومئات الدراسات الأخري… وصولا لدراسة لكسنبورغ (القراءة الآرامية للقرآن عن دار شيلر برلين 2000)….. في الحقيقة حيرني صمت العالم العربي وتجاهله لهذه الدراسات المعرفية، واكتفاؤه بذمها، وغرقه في جدل سفسطائي، استفزازي لا معني له. فالذين يتشدقون بعالمية الاسلام، تجدهم ينكفئون أمام حوار الحداثة والعصر، ليثبتوا أن الاسلام دين فصل علي مقاس العرب والباكستانيين والأفغان.اشكالية اقرأ؟استوقفت سورة العلق معظم الباحثين، وهيجت أقلامهم، ربما لأن السورة كانت فاتحة النص القرآني (ومعظم الناس تكتفي بمطالعة بدايات الكتب، ثم يضيق خلقها!!).. وربما بسبب الغموض الذي اكتنفها… ففعل (قرأ) اصطدم بقناعات الكثيرين كنولدكه وهارتفيغ وهيرشفلد، لأن القراءة ترتبط الي حد بعيد بوجود ثقافة كتابية (وهذا ما تنقضه الحقائق التاريخية.. راجع جواد علي، تاريخ العرب قبل الاسلام).. ففعل القراءة يفترض أن الوحي يحمل مكتوبا ويفترض عدم علمه بأمية الرسول (وهذا استخفاف بقدرة الوحي). لقد التفت هؤلاء الي تفسير أبي عبيدة الخارجي (معلم لأبن هشام، تم الطعن به بسبب خارجيته) الذي أكد أن فعل (قرأ) تعني (ذكر) وبالتالي فان الآية (اقرأ باسم ربك) تعني أذكر الله، أما لوكسنبورغ، في كتابه القراءة الآرامية، فانه يعثر علي مفتاح لغوي آرامي مفيد، (قرا بشم ماريا) وتعني هذه الجملة (اقم صلاة الرب) أو أدع باسم الرب.. هذا نموذج من آلاف أخري ما زالت تنتظر (أمة اقرأ) التي آن لها أن تتعلم القراءة.ہ كاتب من سورية0