معوقات الانتقال الديمقراطي في موريتانيا
د. محمدو بن محمدمعوقات الانتقال الديمقراطي في موريتانيا تمر موريتانيا منذ استيلاء حركة الثالث من اب (اغسطس) 2005 بحالة غير مسبوقة من الاستنفار السياسي لجميع القوي السياسية والمدنية في البلاد، وتأتي هذه الحالة الاستنفارية بعد أن أعلن قادة موريتانيا الجدد من خلال مجلسهم العسكري للعدالة والديمقراطية عن عزمهم علي اشراك كافة القوي الموريتانية من أحزاب وهيئات مجتمع مدني في عملية بناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تقطع العهد مع كل ما كانت عليه هذه المؤسسات في صورتها السابقة من هشاشة وضعف وتبعية لحكم الرئيس السابق العقيد معاوية ولد الطايع.والحقيقة أن أهم ما يميز هذا الاعلان هو أخذه ـ فيما يبدو ـ بعين الاعتبار الحالة السيئة التي تم بها بناء المؤسسات الديمقراطية في العهد السابق في ظروف تميزت برؤية أحادية من نظام ولد الطايع للمسار الديمقراطي، قامت هذه الرؤية علي ترجيح أسلوب الجرعات المتقطعة لهذا المسار والاستلهام الفاعل والمبهر لشعارات من قبيل التغيير في ظل الاستقرار أو التغيير في ظل الاستمرار، هذا الأسلوب الذي تخللته في أحايين كثيرة تقهقرات وتراجعات عن كل ما هو ديمقراطي، من هنا وانطلاقا من هذا الاعتبار نعتقد أنه يأتي اصرار المجلس العسكري ممثلا في رئيسه علي التأكيد في مختلف المناسبات بأن البناء الجديد لهذه المؤسسات سيتم ـ هذه المرة ـ في ظل اشراك مختلف القوي السياسية والمدنية في عملية البناء الجديدة هذه. واذا ما انطلقنا بداية من قاعدة أنه لا يوجد شيء سلبي بالكامل، فلا بد من الاقرار المبدئي بأن التجربة السابقة ربما قد تكون أفادت الموريتانيين بقدر ما أضرتهم، فمع التسليم المبدئي بكل ما صاحبها من مساوئ واخفاقات بسبب هذا البناء الأحادي للمؤسسات الديمقراطية، فانها لم تخل في الواقع من بعض المزايا، ليس فقط من حيث النظر اليها كمحطة مهمة في التاريخ السياسي الموريتاني المعاصر، وانما باعتبارها كذلك أرضية أساسية خلقت لدي الانسان الموريتاني بصورة عامة والسياسي علي نحو خاص قدرا ما، من الوعي بأهمية المطلب الديمقراطي، والنظر من ثم الي هذا المطلب باعتباره حقا طبيعيا لكل موريتاني، بل ولكل انسان وليس منة أو منحة من أحد، كما ظل يحلو للبعض تصويره حين يتحدثون عن ما يعتبرونه الانجاز الديمقراطي للنظام السابق، فضلا عما خلقته هذه التجربة من وعي مهم ببعض مضامين المسألة الديمقراطية ككل، بسبب الخبرة التي أكسبتها للمواطن الموريتاني العادي من خلال التعاطي مع العديد من المظاهر الاجرائية لهذه المسألة، كالتسليم بمبدأي التعددية السياسية علي هشاشتها وبالحق في الاختلاف، ناهيك عن الوعي بآلية اجراء الانتخابات وبممارسة العمل الاعلامي المستقل، حتي وان اقتصر الأمر علي جانبه المكتوب دون المرئي. وهي أمور ظل الموريتانيون شأنهم شأن العديد من الشعوب العربية والافريقية يجهلونها حتي وقت قريب.ومع ذلك فانه لا مناص من القول أيضا ان هذا الجانب الشكلي للتجربة السابقة علي أهميته لم يكن لوحده كافيا، فقد كانت من حيث المضمون والجوهر بعيدة كل البعد عن مستوي الانتقال الحقيقي الي الحكم الديمقراطي، كما أنها لم تكن في الواقع ذات قيمة تذكر علي مقياس سلم الانتقال الديمقراطي، لأنها قامت أولا علي نفي مبدأ حاكم ومهم في أي تحول ديمقراطي حقيقي ألا وهو مبدأ التداول السلمي علي السلطة ، كما أنها من جهة ثانية عمدت الي الاستئثار المطلق بالحكم بوقوفها في وجه أي نوع من أنواع المشاركة السياسية الحقيقية في القرار السياسي للبلد، ومن ثم في ادارة شؤونه العـامة. بل انه علي العكس من ذلك عاني الشعب الموريتاني في السنوات الأخيرة لهذه التجربة من تغول خطير للسلطة الحاكمة، فأصبحت مصادرة الصحف المستقلة وحل الأحزاب والاعتقالات السياسية التعسفية سمة مصاحبة لمختلف الاستحقاقات السياسية، مما أدي الي تراجع كبير في هامش الحرية السياسية الذي تميز به الصدر الأول منها. واذا أضفنا الي ما تقدم الأزمات الاقتصـــادية الخانقة وظروف الفقر المستشري بين غالبية الموريتانيين، والذي تعزز كثيرا بسبب الفساد المالي والاداري للطغمة الحاكمة في النظام السابق ومن علي شاكلتها من المقربين، وذلك في ظل تخل كامل للدولة عن دورها الاجتماعي تحت اكراهات مؤسسات النقد الدولي وما يسمي بسياسات الاصلاح الاقتصادي، يمكن أن نتبين بوضوح حجم الاحتقان السياسي والاجتماعي، والشعور الواسع بالظلم والغبن لدي شرائح عريضة من المجتمع رأت ثلة قليلة من المجتمع ترفه بثروات وخيرات بلدها، بينما تعاني هي من الفاقة والفقر، الأمر الذي هدد السلم المجتمعي في عمقه وأنذر بحروب أهلية علي غرار ما حصل في دول أفريقية عديدة.ولعل شعور الجميع بهذا الخطر الداهم وبضرورة التغيير بلغ ذروته بتدخل الجيش مرة أخري في الحياة السياسية بعد أن ظن الموريتانيون ـ وربما العالم كله ـ أن عهد الانقلابات العسكرية قد ولي الي غير رجعة، فظهرت أبرز المحاولات العسكرية للتغيير مجسدة في المحاولة الانقلابية الأولي التي قام بها الرائد صالح ولد حننه ورفاقه في العام 2003م، والتي غرست بالرغم من فشلها المسمار الأول في نعش نظام الرئيس السابق العقيد ولد الطايع، لينفتح الباب بعد ذلك ومن داخل هذا النظام نفسه علي التغيير، فكانت حركة الثالث من اب (اغسطس) 2005م الحالية التي تقود المرحلة الانتقالية الراهنة بكل ما تحمله هذه المرحلة من آمال في بناء الدولة الموريتانية علي أسس جديدة من العدل والديمقراطية والحكم الرشيد.انني أعتقد جازما أن تحديد وحصر مثل هذه المعوقات لا بد أن يمثلا أولوية لكل باحث وسياسي موريتاني، حتي يتأتي الوقوف في وجهها، لكيلا تتكرر عملية اجهاض التحول الديمقراطي مرة أخري، كما أن معرفة السبل الكفيلة لمواجهتها ستجعل من الحمل الجديد للديمقراطية في بلادنا حملا حقيقيا وليس حملا كاذبا كما حصل في السابق، وذلك لأن معرفتنا بمعوقات الانتقال الديمقراطي والعمل علي مواجهتها، سيعزز بكل تأكيد من مساعي التحول الديمقراطي في بلدنا، وخصوصا في ظل الآفاق التي تفتحها رهانات المرحلة الحالية، وهي آفاق تدفع حتي الآن في اتجاه أن يتمكن الموريتانيون من ادارة شؤون بلدهم بطريقة حرة وديمقراطية، بعد المعاناة الطويلة منذ الاستقلال والي اليوم من أنظمة الاستبداد بسياقاتها المختلفة: نظام الحزب الواحد (1961 ـ 1978)، الأنظمة العسكرية الشمولية (1978 ـ 1991) ونظام الفرد الواحد صاحب الحزب المهيمن (1991 ـ 2005م).وقد لا يكون من السهل طبعا علينا في مقال محدود كهذا حصر كل معوقات الانتقال الديمقراطي في موريتانيا، لأنها ببساطة معوقات كثيرة ومتنوعة، الا أن حسبنا أن نثير بعض هذه المعوقات أملا في أن تجد الاهتمام الضروري بها، واذا قمنا في خطوة منهجية بربط هذه المعوقات بطرفيها الأساسيين وهما السلطة والمجتمع، في مسعي للوقوف علي ابرز المعوقات التي ارتبطت بكل منهما علي حده خلال الفترة الماضية من عمر التحول الديمقراطي الناقص، يمكن أن نستخلص الأمور التالية:ـ معوقات ارتبطت بالسلطة:رغم أن المجتمع الموريتاني حديث العهد بمفهوم السلطة المركزية ناهيك عن تسلطها، الا أن أول سلطة عرفتها الدولة الوطنية المستقلة (عام 1960 م) قامت علي أساس ضرورة نفي مبدأ الديمقراطية، فهذا الرئيس الراحل المرحوم المختار بن داداه يقول في أحد خطاباته مبررا الغاء التعددية السياسية ـ الموروثة عن الحقبة الاستعمارية ـ ومن ثم الغاء الديمقراطية … ان المهمة التي تنتظرنا باختصار تتطلب حزبا (وحيدا) يكون هدفه الأول تأطير الجماهير (ويستطرد في تحديده لمتطلبات هذه المهمة قائلا انها) تتطلب أساليب غير شمولية، ولكنها تختزل المكان المخصص للديمقراطية الغربية، وكل ذلك ـ يقول هذا الرئيس ـ من خلال استعارة وتعلم بعض الأساليب المستخدمة من البلدان الشمولية .ان هذا الموقف من الديمقراطية لدي الرئيس السابق – والذي يحسن ربطه بسياقاته التاريخية بما في ذلك الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تقوية الدولة المركزية في ذلك الوقت، نظرا لحداثة عهد الموريتانيين بهذه الدولة ـ ربما يفسر موقف مختلف النظم والسلط التي تعاقبت بعده علي حكم موريتانيا من المسألة الديمقراطية، فالجيش ورغم أنه أعلن حين أطاح بحكم الرئيس المختار عن ثلاث أولويات لديه هي: وقف حرب الصحراء، تقويم الاقتصاد الوطني وتحقيق الديمقراطية، الا أنه لم يفشل في أي منها قدر ما فشل في تحقيق الهدف المتعلق بالديمقراطية، فقد عرف الشعب الموريتاني علي امتداد الحقبة العسكرية صنوفا من التسلط والاستبداد لم يسبق أن عرفها حتي في أحلك ظروف الاستعمار، ومن هنا فلا نبالغ حين نقول بأنه لا مجال البتة في الحديث عن الديمقراطية خلال هذه الحقبة المظلمة من تاريخ البلاد. واذا اعتبرنا أن حقبة الرئيس السابق العقيد معاوية ولد الطايع تمثل امتدادا للحقبة العسكرية وهي كذلك بالفعل، وخاصة في طورها الأول (1984 ـ 1991م) وأنها ولو تجاوزا في طورها الثاني قامت بادخال البلاد في مسار انفتاح سياسي ذي واجهة مدنية، حين غابت عن الأنظار البزة العسكرية لتحل محلها البدل المدنية الأنيقة و الدراعة ، فان ديمقراطية العسكر في هذين الطورين ظلت مفصلة علي مقاس أسلحتهم، وهكذا تميزت تجربة الانفتاح السياسي التي أدارها الجيش ـ ابتداء من عام 91م ـ من وراء حجاب مدني بالعديد من معوقات الانتقال الي الديمقراطية وذلك لأسباب نعتقد أن أهمها التالية:1 ـ لم تقم هذه التجربة بهدف تحقيق انتقال حقيقي الي الديمقراطية، وانما سعت الي تجديد شرعية المجموعة العسكرية الحاكمة وعلي رأسها العقيد ولد الطايع وضمان استمرار احتكارها للسلطة والثروة، وهكذا وتمشيا مع هذه الغاية تم التبني الشكلي لنظام ديمقراطي مزيف سعي الي تحديد الكيفية التي يمكن بها أن تخــلف هذه المجموعة نفسها، ولهذا فقد جاءت اذن هذه التجربة ليس بهدف تحقيق الانتقال المنشود الي الديمقراطية، وانما بهدف حل أزمة مشروعية السلطة العســكرية الحاكمة.2 ـ بناء علي المعطي السابق قامت هذه التجربة علي نفي مبدأ التداول السلمي علي السلطة، فعمدت بذلك إلي تقويض أي أمل في الانتقال الي الديمقراطي، ولتكريس هذا النفي قامت بكل ما بوسعها لاضعاف كل ما نشأ من أحزاب سياسية تحت مسمي المعارضة والتشكيك في مشروعها الوطني، حتي لا تستطيع هذه الأخيرة أن تنجح في أن تسوغ امكانية الحلول محل القائد الفذ والزعيم الحكيم، وما أكثر ما سمعنا عبارات من قبيل من يستطيع الحلول محلك أيها القائد الملهم، بل ان التملق بلغ ببعض مثقفينا أن قال أحدهم بأنه سيرفع دعوي قضائية لصالح المجتمع الموريتاني اذا لم يقم الرئيس السابق ولد الطايع بترشيح نفسه في احدي الاستحقاقات الرئاسية. ايعازا منه وبخبث شديد بأن لا أحد في المجتمع يصلح لرئاسة البلد غير ولد الطايع. 3 ـ شكل الاستئثار المطلق بالسلطة علي النحو السابق المعوق الثالث الذي قام علي نفي مبدأ آخر أساسي ومهم هو مبدأ المشاركة في الحكم، ولعل أبرز تجليات هذا الاستئثار كمُن في الهيمنة المطلقة لحزب الرئيس ولد الطايع (الحزب الجمهوري ـ P.R.D.S) الذي حكم باسمه البلاد، واستئثاره المطلق بجميع مؤسسات الدولة التي خلقتها هذه التجربة تحت شعار الديمقراطية، بدأ بالاستئثار بالحكومات المتعاقبة مرورا بالبرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ وانتهاء بالمجالس البلدية. حتي أن المرء بات يدرك أن الكم الهائل من الأحزاب الذي يكثر الحديث عنه من قبل النظام السابق كدليل علي وجود تعددية سياسية ومن ثم علي وجود تحول ديمقراطي فيها، ليس أكثر من أسماء بلا مسميات.ـ معوقات مرتبطة بالمجتمع:اذا كانت الأسباب المتقدمة تفسر بعض معوقات الانتقال الديمقراطي التي ارتبطت بالتجربة السابقة، فان معوقات الانتقال الديمقراطي في الوقت الراهن، والتي يمكن اعتبارها في نفس الوقت تحديات تواجه مستقبل التحول الديمقراطي في بلادنا، هي معوقات ترتبط بالأساس بالمجتمع، وهي بلا شك أكثر تعقيدا من المعوقات السلطوية السابقة، حيث ترتبط في شقها الأول بالمجتمع المدني من أحزاب واتحادات ونقابات وجمعيات، أما في شقها الثاني فترتبط بالتركيبة المجتمعية للمجتمع الموريتاني ككل، فهذا المجتمع كما هو معروف بالاضافة الي كونه مجتمعا اثنيا، فانه لا يزال يعيش في ظل تنظيمات ما قبل الدولة من عشائرية وقبلية وفئوية، وهي تكوينات لا شك أنها تمثل تحديا حقيقيا في وجه الانتقال الديمقراطي في بلادنا، بل انها ربما تمثل تناقضا صارخا مع جوهر فكر ما بعد قيام الدولة الوطنية نفسها. هذا الفكر الذي يفترض أن الدولة بمفهومها الحديث يجب أن تقوم أول ما تقوم علي مبدأ المواطنة الفردية، وعلي ذلك فالدولة التي لا يتمتع فيها الفرد المواطن بكل حقوقه بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو عرقه، ودون اعتماده في ذلك علي عشيرة أو قبيلة، لا يمكن أن تعد دولة ديمقراطية والعكس صحيح كذلك. ولا يعني هذا بالطبع أن تتناقض هذه الدولة مع حق الفرد في الشعور بالانتماء الي مجموعته الاثنية أو الدينية أو حتي لعشيرته أو قبيلته. فالمهم هو أن يكفل له الحق كفرد أولا في التمتع بجميع حقوقه الفردية، بما في ذلك كافة حقوقه الثقافية والاجتماعية. شريطة أن لا يتناقض ذلك فقط مع مقتضيات استمرار ووحدة وازدهار الكيان الأكبر الذي هو الدولة.واذا بدأنا بمعوقات الانتقال الديمقراطي المرتبطة بما يسمي عندنا بالمجتمع المدني وعلي رأسه الأحزاب السياسية، فهي تكمن في أن هذا المجتمع لا زال بعيدا كل البعد عن النضج والقدرة علي الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ناهيك عن خلق النموذج القابل للاحتذاء من السلطة في مجال تعزيز مساعي الانتقال الديمقراطي، فالأحزاب السياسية ما زالت عاجزة عن تحيق الانتقال الديمقراطي داخلها، فالزعيم فيها يظل زعيما الي الأبد، بما يعنيه ذلك من هيمنة مطلقة علي قرارات الحزب، ومن وقوف في وجه امكانية ترقية الأعضاء الآخرين في الحزب الي المراكز القيادية بصرف النظر عن أية قيود عرقية أو دينية أو اجتماعية. ہ باحث وأستاذ جامعي [email protected] 8