الخفــــــــاش

حجم الخط
0

الخفــــــــاش

بشير زعبيـــهالخفــــــــاشتري ماذا لو كتب هذه المرة تقريرا عن نفسه.. يمكنه بخبرة السنوات التي مضت أن يبتكر موضوعا لن يجعل من الأمر مغامرة كبيرة.. تحر.. استدعاء وتحقيق وربما توقيف مؤقت ثم يكون بوسعه بعد ذلك أن يروي الواقعة كما يرويها الآن هذا الشخص الذي يحادثه.. وسيبدأ بالطبع كما بدأ محدثه فجأة جاءه رجل لا يعرفه وسأله ان كان اسمه فلانا وعندما أجابه نعم طلب منه الرجل أن يرافقه بعد أن أخبره أنه يتبع تلك الجهة.. .رغبته هذه المرة أن يكون هو الموضوع فقد كتب تقارير كثيرة عن أشخاص كثيرين أقرباء وغرباء.. أصدقاء وأعداء.. لا يهمه ما يحدث لضحاياه ولا يهمه ان كان ما يفعله قد طلب منه أو بتطوع منه كما لا يهم ان كان ما يكتبه حقيقة أو لا علاقة له بالحقيقة.. بل ان وقائع كثيرة أوردها في تقاريره كانت من نتاج خياله.. وقد استهواه ذلك فصار يقدم الي رؤسائه تقارير خيالية عن أناس حقيقيين ويشعر بالنشوة والراحة عندما يختار ضحاياه من الذين يعرفهم ويعرفونه.. وهذا الشخص الذي يستمع اليه هو أحدهم.. وقبله آخرون لا يعرفون أنهم لم يكونوا في الواقع سوي بعض ضحاياه.. تريحه أكثر حيرتهم وهم يعيدون أمامه التساؤل باستغراب لماذا حدث لهم ذلك ولا يعلمون ساعتها أنه هو من يقف وراء تلك التقارير الكيدية.. ولم تعد تكفيه حالة الرضا والراحة هذه اذ طغت عليه فكرة أن يطور تقاريره بما يؤدي الي الحاق أذي اكبر بضحاياه بعد أن بدأ يفتضح أمره ويلاحظ عزوف الكثيرين عن الاحتكاك به الي الحد الذي يصح أن تطلق عليه صفة المنبوذ. يعلم ذلك ساعة راودته فكرة أن يكتب تقريرا عن نفسه.. لكنه لا يعلم أو ربما لا يعلم كيف أضحي مسلكه موضوعا تعددت التفسيرات والتكهنات بشأنه طال بعضها عقدة الشكل التي يعبر عنها عداؤه التلقائي للأشخاص الذين يتسمون بجميل المظهر. وذهبت أخري الي طبيعة وضعه الاجتماعي المعقد وفشله المتكرر في علاقاته الاجتماعية وهو ما يؤكده قريبون منه ويرون تفاصيل لاحقته في بيته وغرفة نومه، وثمة قصص عن شذوذ تنقصها الدلائل وأخري تتحدث عن ضبطه متلبسا داخل مكتبه، هناك حيث كان يعد لا شك أكثر تقاريره خيالا وايذاء.. أما ما اعترف به علي لسانه فهو تعاطيه الشعوذة وقد أشاع عن نفسه أن لديه تجارب في التعامل مع الجن عن طريق وسطاء لذلك يحرص دائما علي تعليق تلك التعويذة وغيرها علي صدره مخفية تحت القميص ويقول أنها تقيه من أفعال الجن وممن يدبرها.. ولديه تفسيرات (جنّّيّة) لأي شيء يشعر اتجاهه أنه عاجز وان عازه الدليل فلا يعوزه القسم علي ذلك بكل الأيمان.. ولعل ما يجعلك تصدق علي الفور ما يروي عن هذا الخليط العجيب من الصفات والسلوك الذي يندر أن يلتقي في شخص واحد هو هيئته الملفتة.. رأسه المكورة بوجه ترتسم عليه ملامح غضب دائم وعينان ضيقتان تكادا تختفيان وسط انتفاخ يوحي بأن صاحبهما قد استيقظ للتّو من النوم وأنف كأنه يبرز بفتحتيه مباشرة عند نقطة التقاء الحاجبين لقصره وطول المسافة بينه والفم الذي يكشف عن أسنان تبدو غريبة الطول غير منتظمة كأسنان جمجمة في هيكل عظمي.كل هذا لم يظهر بتفاصيله الا بعد أن افتضح أمره ولم يعد نفور الأسوياء منه بحاجة الي تفسير أو تأويل غير الذي صار يعلمه من حوله ويدركه هو.. ولذلك سيكتب.. ولهدف وحيد وهو أن يؤذي.وها هو.. وحيدا وقد انتصف الليل أو يكاد وهذا وقته.. صحوه الحقيقي يبدأ حين ينام الآخرون.. من هنا يباشر طقسه المعتاد.. يجلس علي مكتب قديم في غرفة يفترض أن تكون مكانا للنوم.. ضوؤها خافت لكنه يري ويميز بوضوح بينما يصعب عليه ذلك نهارا وفي ضوء طبيعي.. ينعشه هذا السكون المجرد الا من نباح الكلاب وصراصيرالليل اذ تقترب أصواتها فيسمعها مجاورة ثم تبتعد وتنأي لتعود ثانية مع حركة الريح فيدب فيه الحماس وينكب علي الورق.. سيكتب وان لم يجد مدخلا لكتابة تقرير عن نفسه فلن تنقصه الأسماء.. ليكن عن ذلك الموظف الذي لا يشعر بأي ود تجاهه أو عن هذا الساكن الجديد الذي لم يعد يراه منذ أول تحية أو عن صاحب المقهي المقابل أو حتي سائق سيارة الأجرة ذاك.. سيختار أحدهم.. يبدأ عادة بخربشة ممهدا للكتابة وبعد ثوان سيكون قد خط سطرين علي الأقل من التقرير ولن يتوقف حتي يبدأ الليل يفقد سواده وسكونه.. حينها يطوي أوراقه بعناية وكأنها أوراق من البلور يخشي أن تسقط من يديه وتنكسر ويضعها بعناية في درج المكتب قبل أن يذهب لينام.. لكنه علي غير العادة هذه الليلة فقد مرت الثواني وتلتها دقائق وهو لا يزال في خربشته محولا بياض الصفحة الي رسومات عشوائية طولية وعرضية في امكانه أن يراها ويفسرها كيفما يشاء ، فهي أشكال مجردة تارة وأحيانا أحرف وأرقام متداخلة وبعضها يأخذ بالصدفة شكل كائن ما فيحدد الخطوط بتركيز اكثر فتتضح المعالم ويبرز شكل الكائن واضحا.. والشكل الذي أمامه الآن تداخل فيه التكوين بين هيكل لطائر أو حيوان.. وعندما حاول تحديده بخطوط أغمق صار علي هيئة خفاش فاردا جناحين عريضين ينحشر بينهما رأس فأري بفم مفتوح.. تأمل الشكل قليلا ورفع رأسه متجها بنظره نحو شباك الغرفة المطل علي العتمة واضعا القلم في فمه كمن يضع سيجارة.. ثم رفع الورقة مادا يده علي مستوي رأسه يتأمل عن بعد صورة الخفاش فيها وعندما هم بوضعها علي المكتب من جديد لاح أمام عينيه انعكاس صورة وجهه علي اللوح الزجاجي الذي يغطي سطح المكتب.. استوقفته الصورة فأخذ يتفحصها كأنه يري وجهه للمرة الأولي.. اقترب نحوها فاقترب انعكاس الصورة نحوه وهنا تراجع علي الفور فالصورة التي انعكست أمامه لم تعد صورته.. قرب وجهه مرة أخري نحو صورته المنعكسة محركا أنفه كما تفعل الأرنب فيحرك الوجه أنفه ولكن الذي يراه ليس وجهه.. انه يعرف هذا الوجه فهو وجه ذلك الموظف الذي لا يشعر بأي ود تجاهه ولطالما تمني أن يؤذيه ويقصيه وها هي لحظته الآن.. أنت ستكون موضوعي .. و سأكتب التقرير قالها في داخله وهو لا يزال ينظر الي صورة وجهه هو المنعكسة علي الزجاج.أعاد وضع الورق علي سطح المكتب فاحتجب الوجه وعادت صورة الخفاش أمامه بينما تحرك خلف زجاج الشباك ضوء تدرج بهدوء نحو الوضوح فيما يظهر أن غيمة انزاحت ببطء لتفسح المجال بالبطء نفسه لنور القمر ثم للقمر وهو يواجهه تماما مضيئا مكتمل التفاصيل.. ولحظة يراه كذلك يضغط علي القلم بين أسنانه.. يعضه أولا ثم ينكب فجأة علي الورق وكأنه ينقض علي فريسة ويبدأ.ينحني أكثر فتكاد رأسه تلامس الورق ويحركها بحدّة شمالا ويمينا متابعا حركة يده حتي ليبدو من فرط الحماس وكأنّه يكتب بأنيابه.كاتب من ليبياالقاهرة ـ تشرين الثاني (نوفمبر) 20050

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية